الاتحاد

تقارير

ملاحقة الإسرائيليين والاختصاص القضائي العالمي

بن كوين
لندن

تستعد بريطانيا حالياً لسد آلية قانونية يستعملها النشطاء المؤيدون للفلسطينيين لاستصدار مذكرات اعتقال في حق المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين الذين يعتزمون زيارة البلاد – وهي خطوة عرضت للخطر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين – حيث يسعى النشطاء، الذين يقولون إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، وراء عقاب قانوني للمسؤولين الإسرائيليين من خلال تحركاتهم في المحاكم الابتدائية.
وحسب "ستيفان بولرد"، رئيس تحرير صحيفة "ذا جويش كرونيكل"، فقد كان لمذكرات الاعتقال "تأثير عميق" على العلاقات البريطانية الإسرائيلية، سياسياً وعسكرياً؛ حيث لم يعد المسؤولون الإسرائيليون مثلًا يستطيعون القدوم إلى بريطانيا واقتسام التجارب في مجال محاربة الإرهاب. والأسبوع الماضي، قام أربعة مسؤولين كبار من الجيش الإسرائيلي بإلغاء زيارة رسمية، لأن الحكومة البريطانية لم تكن تستطيع ضمان عدم توقيفهم.
ويضيف بولرد قائلاً: "لقد بدأ هذا الأمر يؤثر على أكثر من مجرد الجوانب الدبلوماسية، حيث لم تعد المنظمات الخيرية تستطيع استضافة ضيوف متحدثين من إسرائيل، مثلا، لأن العديد منهم، ومنهم سياسيون كبار مثلًا، سيُستهدَفون من قبل الأشخاص الذين يسعون للحصول على مذكرات الاعتقال هذه". ويذكر هنا أن تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل السابقة، والعضو في مجلسها الحربي خلال الحرب في غزة العام الماضي، اضطرت إلى العدول عن مشاركتها في مؤتمر لـ"الصندوق الوطني اليهودي" في لندن الشهر الماضي، بعد أن علمت بصدور مذكرة اعتقال في حقها.
وفي هذه الأثناء، قالت وزيرة العدل البريطانية خلال زيارة لها إلى إسرائيل هذا الأسبوع إن الحكومة تدرس سبل تلافي حدوث مثل هذا الأمر في المستقبل، مضيفة أن "ثمة تصميماً على أن يكون بمقدور الزعماء الإسرائيليين دائماً السفر إلى المملكة المتحدة بحرية". ومن المتوقع اليوم أن تقوم الحكومة البريطانية – اعتباراً من هذا الشهر – بطرح تدابير تمنح وزيرة العدل البريطانية نوعاً من أنواع النقض ضد مذكرات الاعتقال والملاحقات القضائية الخاصة ضد زعماء سياسيين أجانب.
أصل المشكلة هو مبدأ الاختصاص القضائي العالمي – وهو مفهوم في القانون الدولي ينص على أنه باستطاعة أي بلد أن يدشن إجراءات الملاحقة القضائية بشأن أي جريمة، وذلك بصرف النظر عن الدولة التي حدثت فيها وجنسية المتهم. وفي هذا الإطار، يقول كريج باركر، المتخصص في القانون الدولي والحصانة الدبلوماسية بجامعة ساسِكس البريطانية: "لئن كانت تبدو فكرة جيدة حقا أن يكون باستطاعة المرء أن يلاحق قضائياً أي شخص يرتكب جريمة في أي مكان من العالم، فثمة أمثلة قليلة جداً في الواقع لتطبيق هذا الاختصاص القضائي العالمي"، مضيفاً "في نهاية المطاف، إذا لم تكن كل الدول تدعم جميعها مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، فإن ذلك سيؤدي دائما إلى مشاكل. غير أنه إذا سُمح للمملكة المتحدة بالمضي قدماً في هذه السابقة، فثمة فرصة حقيقية، في تلك الحالة، لاعتقال توني بلير في مكان ما". كما يرى باركر أنه من المهم تقييم قيمة العلاقات الدبلوماسية مقابل الملاحقة القضائية إذ يقول: "يجب طرح السؤال: هل الأكثر أهمية هو ملاحقة مجرمي حرب مفترضين، أم أن يشارك هؤلاء الأشخاص في العملية الدبلوماسية؟".
والواقع أن الوضع الحالي تسبب منذ فترة في فتور في العلاقات بين الدولتين، كما أدى إلى "حظر بحكم الأمر الواقع" لزيارات المسؤولين الإسرائيليين إلى بريطانيا خشية أن يتم اعتقالهم، مثلما يقول أنصار إسرائيل في بريطانيا. أما المحامون المدافعون عن حقوق الفلسطينيين، فيحذرون من أنهم سيستمرون في السعي للحصول على مذكرات اعتقال بخصوص جرائم حرب مفترضة. واللافت هنا أن نشطاء لندن، الذين يعيشون في مركز عالمي للمنظمات غير الحكومية، قادرون بشكل أفضل ربما من نظرائهم في مناطق أخرى على التأثير بشكل واضح على العلاقات الدبلوماسية عبر المحاكم؛ لكن في زمن حيث أخذت العدالة العالمية تحظى بالقبول عالمياً، فإن الجانبين متفقان على أن مثل هذا النشاط ربما يبدأ في الحدوث في أماكن أخرى. وفي هذا الصدد، يقول "بيل بولينج"، المحامي وأستاذ القانون الذي ساهم في ملاحقة روسيا قضائياً من خلال المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على خلفية جرائم مفترضة ارتكبها جيشها في الشيشان: "إن أحد الاختلافات بين بريطانيا وبلدان أخرى هو حقيقة أن لدينا مجموعة قوية من المنظمات غير الحكومية. فلندن تعد، من نواح عدة، العاصمة العالمية للمنظمات غير الحكومية"، مضيفاً "هذا ليس المثال الوحيد للاختصاص القضائي العالمي، ولكن الحقيقة هي أن ثمة مجموعات تنشط هنا تحاول أن تجعله واقعاً وحقيقة هنا".
ويذكر أنه قبل أن تلغي "ليفني" زيارتها إلى لندن الشهر الماضي، كانت ثمة محاولات لإحالة شخصيات إسرائيلية مرموقة على المحاكم البريطانية في ثلاث مناسبات على الأقل. أقربها إلى الحدوث هي تلك التي وقعت في سبتمبر 2005 حين تلقى القائد السابق للقوات الإسرائيلية في قطاع غزة، الجنرال "دورون آلموج"، تحذيراً قبل هبوطه من الطائرة في مطار "هيثرو" بأن مذكرة اعتقال صدرت في حقه، ليضطر هذا المسؤول الإسرائيلي إلى أن يعود أدراجه.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا