الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الفاضي يعمل قاضي ويحاكم والي
28 أغسطس 2005


القاهرة - 'الاتحاد':
يبدو ان حزب التجمع المعارض بدأ يشعر بالندم والتهميش عندما فاته قطار الحراك السياسي وقاطع انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة ترشيحا وتصويتا كما يشعر بالندم لان رفيقه في المقاطعة حزب 'الوفد' خانه في اللحظة الاخيرة وهرول ليلحق بآخر عربة في قطار الحراك السياسي·
وبسبب الفراغ والجلوس في الظل بلا عمل ولا دور راح 'التجمع' يفتش في الدفاتر القديمة لعله يجد معركة يدخلها وحربا يخوضها تعيده الى الاضواء أو تعيد اليه الاضواء فوجد ضالته في المعركة القديمة والمملة المسماة معركة المبيدات المسرطنة أو بتعبير أشمل المعركة ضد الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة السابق·
وسارع 'التجمع' بإعطاء صيغة رسمية للحرب ضد والي عن طريق لجنة شكلها وأطلق عليها اسما مرعبا وكبيرا هو 'اللجنة الشعبية لمحاكمة يوسف والي' وهي محاولة للايحاء بأن الشعب كله يقف خلف 'التجمع' في حربه ضد والي وان الشعب كله ممثل في هذه اللجنة التي تذكرنا بلجان شعبية اخرى هاجت وماجت من قبل ثم ماتت·· وتذكرنا خطوة 'التجمع' هذه بالمحامين الذين يعانون قلة تردد الموكلين على مكاتبهم فيرفعون قضايا ضد كل من يحلو لهم طلبا للشهرة والذيوع والتواجد المستمر على صفحات الجرائد فمنهم من يقاضي رئيس الجمهورية ومنهم من يقاضي الرئيس الاميركي او رئيس وزراء اسرائيل وهكذا·· وبذلك يكسب المحامي دعاية مجانية لمكتبه على صفحات الجرائد وتلك دائما حيل من انحسرت عنهم الاضواء وطواهم النسيان·
وآخر إجراء لجأ اليه حزب 'التجمع' عبر لجنته الشعبية بلاغ ناري الى النائب العام المستشار ماهر عبدالواحد بدأه بديباجة صارخة وهاتفة عنوانها 'حاكموا يوسف والي فزراعته سُم قاتل' وتحت العنوان كلام مخيف عن تكالب الفساد والمفسدين على الشعب الذي يئن اغلبه تحت خط الفقر والبطالة والنهب والسلب والتبديد والعشوائية والمتاجرة في المواد المسرطنة التي أدت لتفشي فيروسات الكبد والفشل الكلوي والسرطان·
وجاء في الديباجة ان حزب 'التجمع' قرر اطلاق حملة شعبية من اجل رفع الحصانة البرلمانية عن يوسف والي واجراء محاكمة شعبية بعد المحاكمة الجنائية لكشف المصالح المختفية وراء آليات الفساد واصدار قائمة سوداء بالمتاجرين والمستوردين والمصنعين للمواد المسرطنة تمهيدا لمحاكمتهم وتعويض المتضررين من تأثير المواد المسرطنة ودعوة الشرفاء في وزارة الزراعة لكشف ملفات الفساد·
وقال البلاغ المقدم للنائب العام ان محكمة جنايات القاهرة خلال نظر قضية يوسف عبدالرحمن وراندا الشامي واخرين في قضية المبيدات المسرطنة طالبت النيابة العامة باتخاذ الاجراءات نحو ما هو ثابت بالاوراق والمستندات بشأن موافقة الدكتور يوسف والي على استيراد مبيدات زراعية لها تأثيرات مسرطنة ومحظور استيرادها· وطالب البلاغ بمواجهة الدكتور والي بتهم استيراد واستخدام مواد مسرطنة والشهادة الزور والكذب والتستر على جريمة دخول المبيدات المحظورة مما أدى الى تأثيرات سرطانية خطيرة على المواطنين·
الصبر والصمت
أما الدكتور يوسف والي نفسه فقد التزم في موقفه بيت شعر للمتنبي يقول 'واتعب من ناداك من لا تجيبه·· واغظ من عاداك من لا تشاكل'··· فقد صبر الرجل طويلا على الاذى والحملات المتواصلة ضده والذي لم يتعرض لها مسؤول قبله ولن يتعرض لها مسؤول بعده واكتفى بعد صبر وصمت طويلين ببيان أرسله الى الصحف حول حقيقة المبيدات المسرطنة واختار التوقيت المناسب لارسال بيانه وهو الغاء الحكم الصادر في قضية يوسف عبدالرحمن وراندا الشامي وآخرين واعادة محاكمتهم امام محكمة النقض على اساس ان حكم الجنايات صدر تحت تأثير الرأي العام الضاغط ودون استكمال التحقيقات بشأن القضية·
والحق ان والي لم يكن هدفا للمعاول والسهام والضرب تحت الحزام في قضية المبيدات المسرطنة فقط بل تناول الهجوم المتواصل شرفه وسمعته ودينه واصوله ووطنيته فقالوا انه عميل لاسرائيل وهو عميل لاميركا وقائد حركة التطبيع ورأس الفساد في مصر ومروج السرطان بين أهلها· وأدت تلك الهجمات التي استخدمت فيها كل الاسلحة الفاسدة والصالحة الى ما يشبه الاقتناع الشعبي العام بان والي كارثة قومية ينبغي القضاء عليها بأي شكل، وساهم صمت والي الذي يقول انه صبر وايمان في ترسيخ ذلك المفهوم كما ساهم في ترسيخه وتأكيده تصريحات وتلميحات متكررة ومتواصلة من المهندس احمد الليثي وزير الزراعة الحالي تصب كلها في خانة اتهام والي بالفساد وترويج السرطان حتى ان الليثي كان ومازال يستخدم تعبيرات شبه عسكرية في احاديثه مثل ضرب اوكار الفساد في وزارة الزراعة وقيادة ثورة تطهير واصلاح وحظر المبيدات المسرطنة مما أوحى للناس بان الوزارة في عهد والي كانت تحكمها مافيا أو عصابة من الاشرار والشياطين ورغم ان والي خرج عن صمته في الاونة الاخيرة فإنه آثر ان يتمسك بالادب الجم والهدوء الذي يحسد عليه في ردوده على الاسئلة الصعبة والحساسة·
وعندما سُئل عن سر هجوم اي وزير حالي على سلفه قال ان هذه الظاهرة لم تحدث في مصر منذ ثورة 1952 فعندما يترك اي وزير منصبه يكون كمن سقط سهوا فلا احد يتحدث عنه بالخير او بالشر وانا الحالة الوحيدة الشاذة في هذا السياق واترك معرفة سبب ذلك لذكاء الناس· وعندما سُئل عن تلميحات الليثي التي يدعم فيها القول بدخول مبيدات مسرطنة في عهده قال والي: هذه وجهة نظر ولا نحاسب احدا على وجهة نظره·
وسألوا والي عن عزم الليثي انشاء وحدة لتحليل شوائب المبيدات بالبصمة الوراثية فقال: هذا كلام جيد جدا وعليه تطبيقه وقبل ان أغادر وزارة الزراعة كان هناك جهاز لتحليل الشوائب ولكنه الى الان لا يعمل·
وعندما قالوا له ان الوزارة الحالية بدأت استخدام الكيمياء الحيوية للقضاء على الآفات قال والي: استخدمناها عشر سنوات وأدخلنا أساليب المكافحة المتكاملة بما فيها المكافحة الحيوية ومصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي نجح فيها استخدام البكتريا الآمنة في مكافحة دودة القطن في 265 الف فدان بالاضافة الى مكافحة فراشة درنات البطاطس في ألوف الافدنة ومازالت معامل الترايكو جراما العشرون تعمل حتى الان·
أكاذيب السرطان
وأكد الدكتور والي ان الهجوم المتواصل عليه أساسه أمور شخصية يعلم أهداف أصحابها وقد اعتاد الا يرد على التجريح الشخصي لكنه يتأثر جدا اذا تعلق الهجوم بمصلحة البلد فالكلام الكثير عن المبيدات المسرطنة لا أساس له من الصحة وثبت من كل الوثائق والشهادات الدولية ان مصر لم يدخلها مبيد محظور منذ عام 1982 وانها تستخدم مبيدات يتم استخدامها في اوروبا والولايات المتحدة ودليل كذب هذه الادعاءات ان صادراتنا الزراعية زادت احد عشر ضعفا منذ عام 1982 فبعد ان كانت بما يعادل 500 مليون جنيه اصبحت الان 5500 مليون جنيه والكلام الكاذب عن المبيدات المسرطنة او المحظورة يهدف الى ضرب الصادرات الزراعية كما انه لم يثبت بأي دليل وجود علاقة بين المبيدات والاصابة بالسرطان وشهد بذلك الدكتور حمدي السيد نقيب الاطباء وهو رجل مشهود له بالامانة العلمية وعندما يقول شيئا ينبغي ان يستمع اليه الجميع·
وقال الدكتور والي ان هناك اتهاما آخر لا اساس له وهو ان مليون فدان من اخصب الاراضي الزراعية ضاعت في عهده نتيجة التعدي عليها بالبناء وهذا كلام غير موثق لان الحفاظ على الرقعة الزراعية المحدودة في مصر من أهم الثوابت في سياسة الدولة وكل المساحة التي تم التعدي عليها بالبناء منذ عام 1982 حتى الآن لا تتجاوز 360 ألف فدان·واكد الدكتور والي انه لا يخشى اهتزاز صورته امام الرأي العام نتيجة للهجوم الضاري عليه لان الرأي العام في مصر ذكي للغاية ولا يمكن خداعه بالاكاذيب·
وقال ان الهجوم علي اي شخص في موقع المسؤولية امر طبيعي والحكمة تقول ان نصف الناس اعداء لمن ولي الحكم هذا اذا عدل وانا تعرضت للتحريض الواضح ضدي على صفحات الصحف وهناك من كتب في التسعينات يقول: ايها المسلمون هبوا عليه واقضوا عليه انه يترنح وتوجهت بشكوى الى النائب العام وهذا التحريض لم يخفني واسير بلا حراسة في البيت او السيارة وانا منزوع مني الخوف والحزن لانني مؤمن بالله واشعر بالرضا عما حققت· وعندما قالوا ان اسمي يوسف والي أمين ميزار مما يشير الى ان اصولي يهودية لم أغضب وقلت ان الاسلام يجب ما قبله مما أوحى لهم بان فعلا اصولي يهودية وهذا غير صحيح ولكن هناك مواءمات ينبغي على السياسي مراعاتها فلا يصح ان ينزعج الشخص اذا قيل ان اصوله يهودية أو مسيحية لان الاندفاع في النفي قد يعني تجريحا للديانات الاخرى التي نحترمها ونؤمن بها·· والشيخ ميزار كان أحد ثلاثة مشايخ كبار مع الشيخ الصوفي والشيخ علي الروبي وعائلتي سميت باسم الشيخ ميزار تبركا وتيمنا ولا توجد صلة قرابة معه تماما مثلما سمي الدكتور صوفي ابوطالب باسم الشيخ الصوفي بلا صلة قرابة·
بقي القول ان الدكتور يوسف والي لا توجد لديه اي أسباب تجعله يتاجر في المبيدات المسرطنة ليربح الملايين فالرجل تنازل عن كل أملاكه طوعا للاصلاح الزراعي بقوانينه الثلاثة وكان بإمكانه ان يحتفظ منها بما يشاء والرجل ايضا لم يتزوج ولم ينجب حتى يكون ثروة طائلة لابنائه وأحفاده من بعده لكن حزب 'التجمع' لديه أسبابه لقيادة الحرب ضد والي وهو انه يريد التشبث بشعاع ضوء وسط الظلام الدامس الذي يلفه نتيجة عدم لحاقه بقطار الحراك السياسي فالتجمع الان 'فاضي' لذلك رفع الشعار الشهير بعد ان فاته القطار ·· وهو 'الفاضي يعمل قاضي ويحاكم والي'·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©