كانت المنطقة العربية، ولا تزال، تمثل أهمية استراتيجية للدول الصناعية ولاسيما ذات النزعة الاستعمارية، بسبب ما تتوافر عليه من عناصر استراتيجية وما تمتلكه من مساحات جغرافية، وموقع استراتيجي، وثروات زراعية وممرات مائية، وما تختزنه في باطن الأرض من احتياطيات استراتيجية من النفط والغاز، وما تتسم به الأسواق من نزعة استهلاكية وقوة شرائية ثم ما تمتلكه دولنا من سيولة نقدية هائلة. كل تلك المزايا والأسباب جعلت منطقتنا العربية جزءاً من محاور الصراع الاستراتيجي بين الدول الكبرى ولا سيما الصناعية منها. ومن هنا فإن الدول الطامعة في ثرواتنا، وفي إطار نزعتها التنافسية سعت جاهدة إلى السيطرة على مناطق الثروات في العالم ومنها منطقتنا العربية، واستخدمت في ذلك وسائل وأساليب لوجيستية وعسكرية واقتصادية شتى. نجيب عبد الله الشامسي بعد حروب طاحنة وسنوات طويلة من الاستعمار والمواجهة دفعت وما زالت تدفع الشعوب العربية ثمناً باهظاً لها خرجت الدول الاستعمارية بعد أن رهنت دولنا العربية وشعوبها لاتفاقيات مجحفة، وأنابت عنها قيادات تحمي مصالحها، وبسبب تلك المعطيات تعطل المشروع العربي النهضوي، وتفككت مفاصل الدول العربية، وتعطلت مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودمرت البنية الثقافية والتعليمية من أجل صناعة أجيال هشة وضعيفة في ولائها وانتمائها للأرض وللهوية العربية أو للتاريخ أو الجذور الحضارية التي تنكرت لها وأدارت لها ظهرها. ولكي تضمن الدول الاستعمارية استمرارية هذا الوضع سعت إلى الإبقاء على أوضاعنا العربية متخلفة اقتصادياً واجتماعياُ وثقافياً وسياسياً وخربت كل مقومات التحرر والتطور والتنمية بعد أن جيرت كل تلك المقومات لمصالحها. «ملوك الطوائف» الجدد في ضوء هذا يتأكد لنا حقيقة أن “التاريخ يعيد نفسه” ولاسيما في منطقتنا العربية، ومثلما تهاوت ممالك العرب والمسلمين الواحدة تلو الأخرى في أوروبا بسبب الصراعات والخلافات الداخلية على السلطة، والمنافع الضيقة، أو الصراعات فيما بينها، ها هو واقعنا الراهن يؤكد حقيقة ذلك التاريخ المتكرر؛ إذ بسبب هذه الصراعات والخلافات المحتدمة تقدم الدول وشعوبها ثروات هائلة قرابين للمستعمرين، ومما يشجع على احتدام الصراع وتفاقم الخلاف والصراع تراجع الوعي، وضعف الوازع الديني، وتحطم الإرادة في مواجهة الجهل ومحاربة التخلف، لتتفاقم الصراعات الطائفية تارة، والإقليمية تارة أخرى، والعقائدية والعرقية والحزبية تارة ثالثة، بينما يتغذى الشرق والغرب على هذه الصراعات التي تنذر بتحول مناطقنا العربية إلى مناطق نفوذ اقتصادية للدول الاستعمارية بعد أن جعلنا نحن العرب من دولنا كيانات ضعيفة، ومكنّا الدول الطامعة من السيطرة على مقدرات شعوبنا وحقوقهم الإنسانية. بل اضطرت دولنا إلى تحمل جزء من أعباء وتبعيات الأزمات الاقتصادية التي هي من صنيعة الدول الصناعية ذاتها! وهذا ما أكدته أحداث العراق وليبيا والكويت، ثم ما يحدث في يومنا هذا في تونس ومصر واليمن وليبيا ثم سوريا. وتؤكد جدلية الصراع الخفي في منطقتنا العربية أن حقيقة الصراع والمؤامرة الداخلية ما زالت قائمة مهما نفى البعض وجودها، فقد أصبحت جزءاً من ثقافة العرب وقد استغلت الدول الطامعة ذلك في فرض سيطرتها غير المباشرة وخاصة الاقتصادية على دولنا العربية، واستباحت قيم العرب وتمكنت من تعطيل انطلاقتهم وتنميتهم!. هكذا أصبحت الدول الكبرى مالكة لمفاتيح الأمن والاستقرار في المنطقة ويمكنها أن تفجر الأوضاع حينما تشاء مؤكدة أنها لا تزال حاضرة وبقوة في المشهد السياسي العربي ولاسيما في الدول التي شهدت ما يسمى (ربيعاً عربياً). وفيما الشعوب العربية تمني النفس بالأمن والاستقرار والتنمية نجد تصاعد دخان الحروب والطائفية والحزبية، ورائحة الدسائس والمؤامرات تفوح برائحتها النتنة. والحال، فإن المنطقة العربية سواء كانت دول الربيع العربي أم الصيف العربي (!) دخلت في ظلام دامس وشعوبها أضحت تعاني من ضبابية الرؤية وتباين الأهداف، وتلك الأوضاع عززت من بيئة يحلم بها خفافيش الظلام وفئران الخراب كي يحققوا مآربهم الآنية وأهدافهم الضيقة في نهب البلاد وامتصاص دماء العباد. في ظل هذه الأوضاع والمعطيات تتزايد مأساة الإنسان العربي خوفاً ووجلاً، أو فقراً وظلماً بعد أن تفاقمت الأوضاع المعيشية، وافتقد للأمن والأمان وأصبح يعاني بطالة متصاعدة، وفقراً مدقعاً، وتفاقمت معاناته، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية المقدمة له إلى مستويات دنيا، وبرزت ظواهر الجريمة بمعدلاتها المتصاعدة، وتفشى الفساد بكل صوره وآلياته وأشكاله ومستوياته، وأصبح أكثر خوفاً على مستقبله ومستقبل أبنائه، فيما المجتمع العربي على الرغم من كل ثرواته المادية والمالية والطبيعية والبشرية يعاني من تدمير ممنهج بعد أن تفشت فيه ثقافة الكراهية والانتهازية والأنانية، وباتت التنمية والديمقراطية من الأحلام والأوهام، واستسلم المواطن العربي لأزماته المزمنة فلا نمو و لا تنمية، ولا تحرر أو ديمقراطية، ولا حتى عدالة اجتماعية!!. أسئلة الواقع أمام هذه التحديات والأزمات، نجد أن منظمات المجتمع المدني النقابية منها والثقافية والفنية والعلمية تقف موقف المتفرج، ومن بينها المسرح المسمى بـ (أبي الفنون) فأين هو المسرح في وطننا العربي؟ وما هو موقفه حيال ما حدث ويحدث؟ وهل مازال يلامس قضايا الإنسان والوطن؟! وما مدى حقيقة أن المسرح العربي هو أبو الفنون؟ّّ ما كان للمسرح أن يطلق عليه (أبو الفنون) إلا لأهمية الدور المنوط به، والرسالة التي أسس من أجلها، والتي تشمل مضامين اجتماعية وأخلاقية تساهم في تنمية الوعي وصيانة العقل وتحصين المجتمع، وبناء الفرد الواعي المتسلح بالعلم والمعرفة والانتماء، المؤمن بدوره ومسؤولياته تجاه المجتمع، هو المسرح الذي يرتقي بوعي الفرد ليتصدى للاختلالات والتشوهات التي يعاني منها المجتمع. المسرح صاحب الرسالة الحضارية والفكر التنويري الذي يقود الإنسان العربي والمجتمع العربي إلى الواجهة العالمية، ويعزز حضور الوطن العربي في الخريطة العالمية، ويؤكد على حقيقة الحضارة العربية وامتداد جذورها العريقة. فأين هو موقع المسرح العربي؟ وما هو حجم مساهمته في الدمار والتخريب الذي يعاني منه العقل العربي؟ وما هو الدور الذي يقوم به في صياغة المجتمع العربي الذي يعاني من التصدعات والانشقاقات والتشرذم والأزمات والصراعات!! وما هو حجم مساهمته في تصحيح مسارات التنمية في دولنا العربية؟! هل ما زال أهل المسرح في وطننا العربي يستوعبون مضامين رسالة المسرح ودوره التوعوي في إحداث النهضة الحضارية المنشودة؟ هل ما زال أهل المسرح على قناعة بما يمكن أن يقوم به المسرح حيال ما يحدث في وطننا العربي؟ أم إنه لم يعد سوى مكان للتسلية؟! هل بفقدان المسرح العربي لرواده المؤسسين له فقد بوصلة رسالته ومنهجية عمله؟ في بداياته المبكرة ساهم المسرح في دعم حركة التحرر والثورات على المستعمرين، وتأسيس الوعي، وتعزيز روح الولاء والانتماء، حيث لم تكن هناك طائفية مقيتة، ولا حزبية بغيضة، ولا كراهية مميتة، ولا نزعة فردية، وإنما كانت مشاعر الحب وقيم الوعي وروح الولاء والانتماء هي الحاكمة، وكان المسرح يؤجج هذه المعاني والقيم، ويتحدث بمفردات لغة عروبية وليست إقليمية الأمر الذي جعل مساهمته في حركة التحرر كبيرة وواضحة. أما اليوم وبعد أن انحسر الدور المنتظر من المسرح العربي فقد تفاقمت المشاعر البغيضة، واستحكمت النزعات الفردية والأصولية والحزبية التي لا تخضع لمعايير المنطق أو الموضوعية، ولا تنطلق من قيم أخلاقية أم دينية، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تتفاقم الأزمات وتتصاعد الصراعات على مستوى الدولة فيما بين مواطنيها بعضهم ببعض أو تتحرك الشعوب للمطالبة بإسقاط الأنظمة الحاكمة أو تسعى إلى مهاجمة مؤسسات الدولة أو تخريب المصالح العامة فيها بعد أن طال انتظارها ونفد صبرها!!. مسرح زمان إن الأوضاع المتفجرة في غير بلد عربي تؤكد حقيقة تراجع دور المسرح باعتباره من المؤسسات التنويرية ومنابر الوعي الحضارية، وتدفعنا إلى التساؤل عن دور المسرح وعما إذا مازال ممسكاً ببوصلته بعد!! أين هم أهل المسرح؟! لماذا هجر جمهور المسرح خشبته بعد أن ظل متعلقاً بها ومتابعاً لها لعقود؟. لقد هجر الجمهور المسرح حين تحولت الأعمال المسرحية إلى ملهاة يضحك بها أهل المسرح على الجمهور!!، وتناسوا رسالته الأصيلة، وبعد أن استحكمت لغة التجارة ولغة التهريج وشباك التذاكر على مسيرة العمل المسرحي! وبعد أن أصبح تركيز أهل المسرح على لغة الإبهار البصري على حساب المضامين والارتقاء بالإنسان العربي ومساعدته على انتشال ذاته من حالة الوهن والانحراف والضعف والانحلال والتشرذم والابتذال!. مع أن البدايات المبكرة للمسرح العربي شهدت نجاحات حققها المسرح الاجتماعي والفكري والسياسي، جعلتنا أكثر قناعة وإيماناً بأهمية المسرح في خلق جيل واع من أبناء الوطن، وكانت جماهير المسرح العربي شغوفة بالأعمال المسرحية التي تقدم من قبل مسارح الدول العربية الرائدة، وما زالت تنتظر بلهفة أن يستعيد المسرح العربي توهجه على الخشبة وأن يقدم أعمالاً تجسد روحاً مفعمة بلغة عربية واحدة تغذي الشعور القومي العربي وتؤججه، فلغة الوطن ومصلحته كانت دوماً حاضرة وبقوة في الأعمال المسرحية التي يستوعبها الإنسان العربي من محيط الوطن إلى خليجه، لأنها حملت مضامين الوحدة وروح الانتماء، وكثيرا ما كانت الأعمال المسرحية العربية آنذاك تعزز لدى الإنسان شعوراً بالانتماء العربي من دون حزبية أو انتماءات عرقية أو دينية أو تحكمها لغة المصالح الآنية، كما كان مداد أهل المسرح والمشتغلين فيه دوماً هو قيم الوطن الواحد والمصير المشترك والانتماء القومي، ودوماً ما كانت النخبة المسرحية تتصدى لقضايا الإنسان العربي وتشخيص همومه وتبني طموحه وآماله، وعلى الرغم من أن المسرح العربي اليوم شهد تطوراً نوعياً في التقنية، ولغة الإبهار المسرحي، وتزايد أعداد المؤهلين من خريجي المسرح في مختلف مراحل العمل المسرحي فإن المسرح يسجل تراجعاً كبيراً على المستوى الفكري، خاصة بعد أن غاب رواد الفكر والإبداع أمثال محمد الماغوط، وسعد الله ونوس، ومحمود دياب، وصلاح عبدالصبور، ويوسف إدريس، ليأتي بعدهم بعض من كتاب المسرح ممن يقدم الإسفاف والابتذال والتهريج بدعوى أن المتلقي يريد هذا المسرح ليفرج عن كربه ويفرّج عن نفسه، ونظراً لأن هذا الاتجاه المغرض راق للبعض فقد تمدد على نسيج المسرح أنصاف المبدعين الذين قدروا على تشويه لغته وتراجعه. وفي الوقت الذي تتفاعل فيه مشاكل المجتمع وتتفاقم معضلات الإنسان لتشكل تهديداً مباشراً لاستقرار المجتمع وأمنه وازدهاره، نجد المسرح في وطننا العربي يغيب عن تلك المشاكل ويتجاهلها. وفيما ينشغل كتاب المسرح بكتابة نصوص مسرحية تدغدغ البعد الحسي فإن الجمهور ظل يعاني من مشاكله اليومية، ويكابد غياب حقوقه الإنسانية الأساسية الأمر الذي جعل الوضع مرشحاً للانفجار بشكل غير مسبوق. المسرح العربي.. وتحديات العصر هناك حزمة من الإشكاليات التي تواجه المسرح العربي والتي أدت إلى عزلته أو اعتزاله قضايا الوطن وهموم الإنسان العربي منها: 1 - غياب الديمقراطية أو تراجعها في العديد من البلدان العربية، ما ترتب عليه تراجع حرية التعبير وسطحية المناخات الثقافية التي دفعت كثيراً من كتاب المسرح ومبدعيه إلى الانسحاب كي لا ينجرفوا إلى تقديم نصوص مسرحية تتناقض مع قناعاتهم. 2 - غياب الفهم الصحيح لرسالة المسرح ودوره في المجتمع لدى شريحة من العاملين والمنشغلين بالمسرح. 3 - تنازل بعض المسرحيين عن قناعاتهم ومسؤولياتهم أمام المال، بل إن بعضهم يفصّل النص وفق ما يراه المنتج أو المخرج أو حتى بطل أو بطلة العمل المسرحي. 4 - غياب الخصوصية أو الهوية العربية في النص المسرحي، سواء بسبب شيوع الأعمال المترجمة أو بسبب النهل من معين فكر غربي أو شرقي أو الاتكاء على نصوص مسرحية غربية أو شرقية يقوم المسرحي بعوربتها أو تهجينها من دون أن يدرك خطورة ما يقوم به على النسيج المجتمعي. 5 - عدم مواكبة المسرح العربي للتطورات النوعية في المسرح العالمي، والاعتماد على لغة الإبهار فحسب، تلك المعتمدة على الإثارة الحسية! أو السينوغرافيا البصرية. 6- غياب قضايا الإنسان وهمومه عن خشبة المسرح... وبالتالي لم يجد جمهور المسرح زاده الفكري، فهجر المسرح إلا من شريحة الباحثين عن اللهو والتسلية وتضييع الوقت. 7 - إغراق الأعمال المسرحية في اللهجات المحلية التي غرّبت المسرح عن جمهوره حتى ممن ينتمون لنفس الدولة من أجيال اليوم، مما فاقم عزلة المسرح. 8 - انجراف المسارح في كل دولة لتقديم أعمال مسرحية موسمية، كأن تقدم لمهرجانات المسرح ومسابقاته مما جعل المسرح في عديد من البلدان العربية مسرح مسابقات ومناسبات!. 9 - إذا كان بعض المخرجين والمؤلفين مصرون على تقديم مسرح النخبة (التجريدي والسريالي والتغريبي) فإننا بحاجة إلى المسرح الجماهيري الفاعل لأن للمسرح رسالة في الحضارة والوعي والنهوض بالمجتمعات. المسرح العربي واستحقاقات المستقبل لم يعد خافياً أن الوطن العربي فيما يشهده من صراعات وأزمات داخلية، إنما يمر في حالة مخاض صعبة لم تستوف معالمها بعد ولم تعرف أسبابها بعد، ولم تتضح أبعادها وتداعياتها وانعكاساتها بعد!! ومن هنا فإن المسرح وأهله مدعوون للمشاركة الفاعلة ونفض روح التقاعس عن ذاتهم ليساهموا في نهضة بلادهم، وتوضيح حقيقة ما يحدث، والعمل من خلال أعمال مسرحية تطرح الحلول والمعالجات الناجعة ليكون الشعب العربي لاسيما في دول ما يسمى بالربيع العربي أكثر فهماً لحقيقة ما يدور على أرض الوطن، وما يرسم لهم في دهاليز السياسة، كما أن المسرح العربي في الدول العربية الأخرى مطالب بأن يكون أكثر تفاعلاً مع النسيج الاجتماعي والثقافي لتحصين هذه الدول من أية هزات أو أزمات يستثمرها البعض سواء أكانوا من الداخل أم من الخارج في تحقيق أهدافهم الخفية، وبث سمومهم المميتة في جسد هذا الوطن أو ذاك!! وهو مطالب بأن يواكب الأحداث المستجدة في المنطقة ويحاكيها ويستمد مادته منها، ويعمل على درء كل صور الصراع بين أبناء المجتمع الواحد. إن المسرح العربي اليوم أمام تحد كبير، وهو في مواجهة مع مسؤولياته التاريخية لأنه يعتبر شريكاً أو طرفاً فيما حدث أو يحدث في وطننا العربي من أزمات وصدمات، وعليه المساهمة في امتصاص آثارها السلبية، وتعزيز معطياتها الإيجابية واستثمار فرصها السانحة، وصولاً إلى بناء نسيج ثقافي واقتصادي وسياسي واجتماعي أكثر تحصيناً ومناعة، وبناء قاعدة سلوكية وأخلاقية أكثر صلابة لتصبح أساس الانطلاقة نحو تحقيق أهداف الثورات واستثمارها بما يحقق أهداف الإنسان والوطن. وما يحدث في وطننا العربي إنما يمثل مادة خصبة لكتاب المسرح والمنشغلين به من أجل تقديم أعمال مسرحية جادة يعيدون من خلالها الهيبة للمسرح ويستثمرون المناخات الإيجابية في تعزيز الطرح والوصول إلى الأهداف المرجوّة من هذا الفن لخدمة الفرد والمجتمع ودفع مسيرته نحو التطور والحضارة. من ناحية ثالثة فإن المسرح العربي اليوم مطالب بتجويد وتقديم أعمال مسرحية تنهض بالإنسان والوعي، وترمم العلاقة بين المسرح وجمهوره، وتعزيز العلاقة بين شرائح المجتمع مهما اختلفت أطيافهم وانتماءاتهم ومرجعياتهم. أعمال سلطان القاسمي.. نموذج مضيء في عتمة المسرح على الرغم من مسؤولياته السياسية كحاكم لإمارة الثقافة والإبداع فإن هاجس الكتابة يسكن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، والواقع العربي يستفزه، ومشاعر الانتماء للعروبة تأخذ مساحة من فكرهُ. وباعتباره مثقفاً مدركاً وواعياً ثم قارئاً للتاريخ ومحدثاً به فإنه استشعر مسؤولياته تجاه أمته فكانت له قراءته المتسمة بالالتزام والموضوعية والشفافية لواقع الوطن العربي المثخن بالأزمات والصراعات، وقراءته لواقع الإنسان العربي الذي يكابد الألم والفقر والضغوط المختلفة عليه من قبل من نسوا حقه في الحياة الكريمة. وفي ظل هذا الواقع المرير وتراجع ملحوظ للمسرح العربي عن القيام برسالته، والصمت المطبق لبقية مؤسسات المجتمع المدني في وطن عربي ينشد الحرية والتنمية يأتي سموه كاتباً مسرحياً متميزاً وقارئاً موضوعياً للتاريخ وأحداثه ليستحضر من معينه أحداثه ومن أحداث التاريخ شخصياته المسرحية التي يمارس من خلالها إسقاطاته على الواقع العربي الراهن، مؤكداً أن التاريخ يعيد نفسه، مطلقاً صرخاته المدوية مناشداً حكام العرب أن يحسنوا قراءة التاريخ جيداً قبل أن تحل بهم لعنة التاريخ، مؤكداً أن القيود التي صنعوها لشعوبهم لابد وأن تنكسر، وأن الليل البهيم والظلام الدامس الذي خيّم على هذه الأمة لابد وأن ينجلي، وسوف يكون الحكام في مواجهة صريحة ومصير صعب مع شعوبهم مثلما واجه من سبقهم. هكذا يقدم رؤيته في مسرحية “عودة هولاكو” مؤكداً أن هولاكو مازال موجوداً في المشهد السياسي العربي طالما هناك ابن العلقمي والمستعصم، وسوف تكون الذئاب البشرية كهولاكو متحفزة للإجهاض على الخراف المستكينة والمستسلمة. من هنا جاءت صرخته الأولى في نص مسرحيته تلك حيث كتب: “من قراءتي لتاريخ الأمة العربية وجدت أن ما جرى للدولة العباسية قبل سقوطها متشابها لما يجري الآن على الساحة العربية، وكأنما التاريخ يعيد نفسه فكتبت هذه المسرحية من منظور تاريخي لواقع مؤلم، إن أسماء الشخصيات والأماكن والأحداث في هذه المسرحية كلها حقيقية، وإن كل عبارة في هذا النص تدل دلالة واضحة على ما يجري للأمة”. ويؤكد المسرحي الدكتور هيثم يحيى الخواجة في كتابه الموسوم بـ “ومضات من المسرح الإماراتي” على أهمية الموضوع والمضمون الذي تناوله الشيخ القاسمي، لافتاً إلى أهمية الوعي وضرورة إدراك الحقيقة قبل فوات الأوان. وفي هذا السياق جاءت مسرحية “النمرود” حيث يحذر سموه مختلف الطغاة والمتجبرين والذين يعيثون في الأرض ظلماً وجوراً وفساداً، واعتقدوا بأنهم ملوك الأرض وآلهة البشر ليستمروا في غيهم لينقذ الله الأرض ومن عليها بإرساله جيشاً من البعوض للنمرود ليقضي عليه ويجعله عبرة ً، أراد سموه أن يقدمها كرسالة لطغاة اليوم من الحكام المتجبرين والمتغطرسين، لعلهم يستوعبون دروس الماضي وعبره ويتقون الله في أنفسهم ويؤمنون!! أما مسرحية “الواقع صورة طبق الأصل” المستمدة أحداثها التاريخية من القدس المسلوبة وبغداد المنهوبة، فتنبه إلى ضياع قضية العرب والمسلمين في استعادة القدس الشريف لأنهم كانوا ولا يزالون غير قادرين على مواجهة الغدر اليهودي منذ زمن الدولة العباسية، فاكتفى الخليفة العباسي المستظهر بالله بطلب لجنة تحقيق بما حدث من جرائم في القدس ودمشق، فيما لم يقم الخليفة الفاطمي المستعلي بالله سوى بالطلب من الملك الإغريقي العون لكي يتوقف الغزو وليس أكثر!!. وإذا استطاع صلاح الدين الأيوبي أن ينقذ القدس ويخلصها من براثن اليهود.. فإن تاريخ العرب يشهد اليوم مدى التخاذل الذي يبديه العرب والمسلمين حيال القدس التي تئنُ تحت سيطرة اليهود فيما يستعطف العرب ويستجدون الولايات المتحدة ودول غربية وهم ليسوا سوى ذئاب العصر وهولاكو الحاضر؛ أما الشعوب العربية والمسلمة فما زالت تمني النفس بعودة صلاح الدين الأيوبي ليعيد القدس لأصحابها من العرب والمسلمين ويبدو أن انتظارهم سوف يطول!! أخيراً... إن استعادة المسرح العربي توهجه وتألقه تستوجب تحقيق الديمقراطية التي توفر المناخات الثقافية والمشجعة على وجود بيئة مستفزة للإبداع لتكون هناك نهضة مسرحية يحترم فيها أهل المسرح جمهوره، كذلك فإن كتاب المسرح مطالبين بأن يقدموا نصوصاً مسرحية تحاكي الواقع وتناقش قضايا الإنسان لتعزيز التواصل مع الجمهور بأعمال مسرحية تقنع عقل جمهور المسرح وتشبع فكرهُ وتترجم قناعاته. إن المناقشة الموضوعية والمراجعة الأمينة، والمواجهة الصريحة والصادقة، والتشخيص الدقيق لواقع المسرح العربي من خلال ندوات يدعى لها مختلف الأطراف المعنية بالمسرح العربي ممن يتصفون بالعلمية والموضوعية والشفافية والواقعية في الطرح والرأي حتماً سوف توصلنا إلى استشراف معالم مسرح عربي يساهم في نهضة الأمة العربية وتقدمها وازدهارها ويحقق الأمن والأمان والتقدم والازدهار للمجتمع العربي خاصة والمجتمع الإنساني عامة.