بينما أقلب التاريخ الذي كنت جزءاً أصيلا في مشهده، تراكمت فوقي الدراسات والكتب التي تناولت التجربة الشعرية الثمانينية، أو بشكل أدق تجربة الأجيال الثمانينية في العراق، وراكمت أمامي سبل التناول المختلفة على تنوع مدارسها. ورأيت أن أسجل تاريخنا، نحن الثمانينيين، بيدي وبمفردات المشهد الذي صغت مع زملائي شعراء وأدباء ذلك العقد، فصول مساحاته التي تلونت بدمائنا ولونتنا بأعيرة القتال والسواتر، التي لثغنا أول حروفنا الشعرية فيها. لهيب عبدالخالق لقد كان الجيل الثمانيني الأول، الجسر الذي عبرت عليه بقية الأجيال الثمانينية. كان تمردنا الشعري هو الذي قادنا في ردهات الجامعات إلى تشكيل منتدى الأدباء الشباب ونحن طلبة فحسب، حتى إذا وقفنا على أبواب الحياة نروم خوض تجربتنا بعد التخرج، كانت لنا الحرب بالمرصاد. بادلتنا أحلامنا الوردية بدخان المدافع، ورحيق الأمل بنجيع الموتى.. فكانت أول قصائدنا قصيدة حرب. كان لابد أن أنكأ ذلك الجرح بيدي. من هم الثمانينيون! إنهم جيل ولد في أتون الحرب. أسماه النقاد على حذر «جيل الثمانينيات»، أو «جيل ما بعد السبعينيات»، واختلفوا في وصفه بذي التيارات الثلاثة، كناية عن ثلاثة أجيالٍ ظهرت متتابعة في هذا العقد الملتهب. وهناك من سمّاه بـ «تيار واحد» ممتد بعد السبعينيات ظل يلحق به من وجد نفسه فيه. لم يستطع هذا الجيل الذي أنتمي إليه، أن يجد فسحة للتأمل، في دقائق الحرب التي كانت تلتهم ثوانيه البطيئة. كان الثمانينيون والقذائف على مفترق طريق مسدود يحاولان التفاهم، أو كانا على كفتين بينهما وطن بمساحة القبلة الأخيرة.. وطن وأطفالٌ قادمون من الحرب وإلى الحرب.. أشجار لها طعم الأحلام المؤجلة والأرزاق الجافة.. وميض طلقة، أو وميض سيجارة، أو وميض هاجس، وما أرخصها جميعاً مقابل هذا العنق الجميل الذي يتأرجح بعفوية وتكتم تحت السماء السوداء الممتدة بلا حدود. طرح الثمانينيون الحداثة بهذيان المحموم، أرادوا أن يكتبوا بلغة عصرهم..أن يفكروا بلغة عصرهم لا بلغة عصور الآخرين، ماضياً ومستقبلا. تشعبت الطرق، والقصائد أيضاً كانت مشتتة بين الشاعر والآخرين. بين قصائد عمودية تتسلق المنابر، والذائقة السلفية جاهزة للتصفيق.. وبين قصائد تخرج من ضماد الجروح لتلثغ حداثتها الجديدة. كان صمت الخوف كبيراً بين الشعراء الثمانينيين، خوف أن يُسألوا يوماً لماذا صمت الشعراء بينما لم تصمت لغة المدافع؟.. لن يقول أحد إن الأزمنة كانت رديئة. كانت هناك قصائد ضبابية لا ترى من خلالها أي شيء، وهناك قصائد للبيع، قصائد مكعبة، وميكانيكية، ويومية تافهة، وأخرى طازجة محفوظة في ثلاجات الشاعر. تردد الشعراء بين بريخت وديستويفسكي، كموجة تتقاذفها الشطآن.. ظنوا أنفسهم ما بعد طوفان بريخت: «أنتم يا من ستظهرون بعد الطوفان الذي غرقنا فيه، اذكروا حين تتحدثون عن ضعفنا، الزمن الأسود الذي نجوتم منه».. وظنوا أنهم الجمال الذي تحدث عنه ديستويفسكي: «سوف ينقذ الجمال العالم». كانت مشاريعهم مؤجلة دائماً، وحياتهم كانت تتقاطع بين عين قناص أعور وبين مشاريعٍ لم تكتمل، قصائد تراوغهم دائماً في المصعد، أو في الخندق، أو داخل حقيبة امرأة عابرة، أو غصنٍ، أو شظية أحالت أصدقاءهم سماوات من اللحم والدم والبكاء.. وتبقى القصيدة وجعاً آخر ومشروعاً مؤجلا ً. كانوا يتداولون بيانات السريالية في مقهى حسن عجمي (مقهى يجتمع فيه الشعراء في شارع الرشيد). ويتناوبون صرخة الأنبياء محذرين: لن تنفعكم بيانات السريالية، ولا مقهى حسن عجمي، ولا ميتا جمالية خزعل الماجدي، أو بنيوية مالك المطلبي.. أنتم نصوص المقاهي، وحدكم أمام المواضع، وجهاً لوجه مع القذيفة التي لا تحسن استعمال التفعيلات في تأبينكم، وصديقكم العريف لن يجمع أحلامكم وأوراقكم المبعثرة.. فهو جريح أيضاً يفكر بالضماد وشرائط ابنته ونهاية الحرب. كانوا يطاردون وراء الحداثة والغرب، ولم يعرفوا أنهم أكثر حداثة من كل ما كان الآخرون يتشدقون به. تركوا للبنيويين ترميم أحجار لغتهم التي «طشرتها» الحرب، والشظايا.. واكتفوا بالانتظار والترقب، فثمة حداثة في مفردات الحياة القابعة في ساتر ترابي.. في الكتب التي تتصاعد أسعارها وأغلفتها كالحمى.. في دموع الأمهات الملفوفة بلغة الوداع الشفافة مع الخبز الساخن.. وفي الوطن الجريح والحلم المقتول..كانت القصيدة: أنت وجرحك، ممتزجان على الساتر لأول مرة.. ولآخر مرة * جيل واحد ..أم أجيال طالما خلط الباحثون بين تيارات الثمانينيين، وذلك لأن النقاد كانوا يتناولون دائماً وعلى عجالة قصيدة أو قصيدتين أو مجموعة لأي شاعر، ويحكم هذا التناول محسوبيات كثيرة، صداقات، أو قناعات خاصة، أو دراسات تتناول التجارب مفردة. ولم ينبر أحد لدراسة جادة تتناول هذه التيارات توثيقاً وتأريخاً. مرة واحدة فقط تلك التي دخلت فيها مع الدكتور أحمد مطلوب أستاذ اللغة العربية بجامعة بغداد، حول حقيقة الأجيال الثمانينية، وطالبني بالتوثيق، فقدمته له. فقد كان على سبيل المثال يجمع بين الشعراء دنيا ميخائيل وعدنان الصائغ ولهيب عبدالخالق، ثم يجمع في خلط لا يفهمه هو بين الشعراء محمد تركي النصار وعبدالرزاق الربيعي وخالد مطلك. وهكذا كان النقاد ينظرون إلى نصّ واحد منفرد مغرد بعيداً عن سربه، والشعراء لم يكونوا يهتمون بهذا الفصل، فقد كان معظمهم يبحث عن (ما ينتمي) إليه أو (من ينتمي) إليه. وللتاريخ فإن مطلع الثمانينات (1981) شهدت تشكل أول التيارات الثمانينية في إطار الجامعة وقبيل الحرب العراقية الإيرانية. كانوا نثارا، بهرتهم نزعة السبعينيين وبالذات تجربة «الخمسة» الأدونيسيين والمنظرين لما بعد الحداثة وإطلاق النص (زاهر الجيزاني، خزعل الماجدي، سلام كاظم، فاروق يوسف، والمرحوم رعد عبدالقادر)، مثلما بهرتهم التجارب الغربية التي بدأت تغرق الأسواق ترجماتها. وتحت قبة الجامعة التأم شباب واعدون ليطلقوا «منتدى الأدباء الشباب» في حرم ثلاث جامعات هي (بغداد، المستنصرية، والموصل)، والذي لم يلبث أن انضم إليه كل ذي طموح شعري وأدبي، وخرجت مطبوعة أولى، وكانت الأخيرة، لتطلق أسماء (لؤي حقي، زينب الزبيدي، لهيب عبدالخالق، محمد سامي، وفاتح عبدالسلام)، إضافة إلى آخرين التهمت الحرب بعضهم، وحادت الظروف بالبعض الآخر إلى دروب تبتعد به عن الهم الشعري. ومن بين الخمسة لم يستمر على درب القوافل سوى لؤي ولهيب شاعرين، وفاتح قاصاً وروائياً. قرعت الحرب طبولها والشباب على أعتاب التخرج يستبدلون ثياب «الولدنة» بألوان الكاكي، فالخدمة العسكرية ابتلعت أحلامهم، لكنهم لم يعرفوا أن سواتر القتال ستنسج من خوفهم الأول، والشهيد الأول، ورشقات الصواريخ التي تهدم كل ما حولهم «قصيدة حرب».. نمط أدبي جديد يميزهم عن كل الأجيال والأنواع الشعرية التي سبقتهم.. لم يدركوا أنهم مفردات تلك القصيدة وروادها الأوائل، وأن كل الشعراء الذين كتبوا قصيدة الحرب، كتبوا بعدهم.. في ذلك العام نفسه وقطاره كان يتجه إلى صدام القوى وسط غيوم تلبد سماء العراق، كان الجيل الثمانيني الأول تتشكل ملامحه، وتكثر عناصره. ولم تلبث مجموعة الست (ليث الصندوق، عمار عبدالخالق، إبراهيم زيدان، قيس مجيد المولى، لهيب عبدالخالق، وعلي رحماني) أن أفرزت نفسها من بين العصافير المغردة هنا أو هناك. كانت وزارة الثقافة والإعلام استنكرت على الطلاب أن يؤسسوا منتدى للشباب دون المرور بها، وثمة لغط كبير انصب في نزوع السبعينيين الخمسة بالذات للتصدي لذلك التجمع، لقد رأوا أن الشباب نجحوا في رسم أهدافهم، بينما كانت صيحات السبعينيين وانتقاداتهم لديناصورات الثقافة، قبض ريح. وقبيل انتهاء العام الدراسي الجامعي الأخير لرواد المنتدى، كانت وزارة الثقافة نجحت في إجبار الجامعة والشباب على إلحاق منتداهم بالمؤسسة الثقافية. وأجبرنا على تسليم المنتدى إلى السبعينيين. رضينا بشروط أن نمضي سنتين أعضاء في المنتدى الجديد للأدباء الشباب والذي سيديره السبعينيون بدءاً من عام 1982، ثم سيصار إلى ضمنا لاتحاد الأدباء العراقيين، لنكون في هذه الفترة قد نشرنا ما يوازي مجموعة شعرية. كانت تجربة مثيرة، جمعت كل الطيور المغردة في أسراب أو فرادى، وبادرت مجلة الطليعة الأدبية إلى رسم ملامح الجيل الثمانيني الأول والذي كان الشاعر سامي مهدي بشر بأنه جيل يطرح جديداً، واهتم بإفراد صفحة أسبوعية لشعرائه في جريدة الجمهورية. جمعت الطليعة الأدبية والتي رأسها المرحوم خضير عبدالأمير وبإشراف الناقد الكبير حاتم الصكر والذي أصبح لاحقاً كما نسميه (ناقد الجيل الثمانيني)، ما تيسر من قصائد لشعراء الجيل الأول وكانت ملامحها ترسم شكل القصيدة التي سيتوافد عليها كل الشعراء «قصيدة الحرب». وأفرز ملف الطليعة للشعراء الشباب إضافة إلى أسماء الستة، عدنان الصائغ، وعبدالزهرة زكي، واستمرت الطليعة الأدبية تفرد صفحاتها لجيل الحرب. وتواتر شعراء الجيل، فظهرت ريم قيس كبة، وعبدالرزاق الربيعي (1984)، ثم دنيا ميخائيل (1985)، فأمل الجبوري وإرادة الجبوري (1986)، فضل جبر، سلام دواي، سهام عبدالجبار، حسن النواب، نصيف الناصري، وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة بذكره، وكانت أعوام الثمانينات تقترب من نهاية العقد، الذي تركت فيه الحرب بعد خمودها، ندوباً وجروحاً لم تندمل بعد. (ترتيب الظهور وفقاً للنشر في الطليعة الأدبية). قلت ذات مرة للناقد الكبير عبدالجبار البصري وكنا نسميه (الحجي)، إن النقاد يمرون على قصائدنا بتفكيكية جامدة، ولا يتحدثون عن أهم ما في هذه القصائد. سألني باستغراب: «وما هو أهم ما في قصائدكم؟» قلت له: «إنها قصيدة حرب، قاموسها اللغوي، مفرداتها، نسجنا حروفها من دمائنا التي امتزجت بالتراب». قال لي الحجي: لكن كل الشعراء كتبوا قصائد حرب!. قلت له: لكننا كتبناها تحت القذائف ونحن واقفون في وجه الموت وفي السواتر، وكتبها الآخرون وهم يستمعون إلى بياناتها، ويجلسون وراء مكاتبهم. نحن جيل الحرب سيدي ونحن الذين أدخلنا مفرداتها في القصيدة لأول مرة، متى قرأت عن وصف للساتر أو لمعركة أو حرب في قصيدة؟ قال: صدقت، وهي تختلف عن قصيدة المقاومة مبنى ومعنى، ولشعراء قصيدة الحرب قاموسهم الذي أضاف جديداً. كان ذلك في الذكرى الأولى للحرب وفي أمسية شعرية نظمها اتحاد الأدباء عام 1989، وبقيت تلك الكلمات مفردة ووحيدة في البرد. تفرقت بنا السبل، وهاجرنا ككل الطيور إلى كل المنافي في أصقاع الأرض، لكننا كنا وما نزال أول من كتب قصيدة الحرب، وسار على دربنا الآخرون. * من قصيدة نثر للكاتبة