لم تنس دبي، الرائدة في الفعل الاقتصادي والخدماتي والتي تعيش طفرة عمرانية غير مسبوقة، أن تعنى بالمسرح الذي لها معه عقود من الاجتهاد والمثابرة على الإنتاج، سواء من خلال رموزه وشخوصه أو من خلال الفرق التي تشكل مدارس للإنتاج وتكوين الشبان والأخذ بأيدي المواهب كافة، وهو ما يحسب لهذه الأخيرة التي كانت سباقة في التكوين والتدريب والتوجيه، فدبي التي أنجبت جمعة غريب وإبراهيم جمعة وعلي العبدول وأحمد الشيخ وناجي الحاي وجمال مطر وعمر غباش ويوسف غريب وأحمد الأنصاري وعبدالله صالح ومحمد سعيد وعادل إبراهيم وموزة المزروعي، وغيرهم من رموز الجيل الأول الذين تركوا بصماتهم في سماء مشهدها الفني عموماً والمسرحي على وجه الخصوص، كذلك الجيل الحالي من الشباب المتقدين بحيوية نادرة على غرار مروان عبدالله صالح وحسن يوسف وأحمد الحمادي، وغانم ناصر وأحمد مال الله وغيرهم كثر، تؤسس اليوم لجيل واعد من المبدعين الذين سيكون لهم شأن كبير في الساحة في المستقبل القريب. ساسي جبيل كانت (حبة رمل) لناجي الحاي حكاية رائعة نسجت بخيوطها المتشابكة ولغتها المحلية في ثمانينيات القرن الماضي أجمل قصة لا تتكرر في المشهد المسرحي في الإمارات عموما وفي دبي بالخصوص، وكذا مسرحية (جميلة) لجمال مطر، لقد كان هذان العملان مفصليين بالفعل في الحركة المسرحية في الدولة، نظراً لخروج العملية من العلبة الإيطالية نحو الاعتماد على الثيمات الشعبية مما ساعد على تقريب الجمهور المحلي إليها، كما أن المسرحيين الإماراتيين لامسوا منذ أكثر من ثلاثة عقود مواضيع مهمة جداً وقريبة من الناس في ظل مجتمع صارم في تمسكه بعاداته وتقاليده ومنغلق على ذاته إلى حد ما، إذ ناقشت مسرحية (حبة رمل) بكل جرأة موضوعا على غاية من الأهمية يعتبر من «المسكوت عنه» فيما مضى، إذ ناقشت النظرة العنصرية إلى السود، ومثلت صفعة لمن يؤمن بالتقسيمات الإنسانية على أساس اللون. فيما جاءت مسرحية (جميلة) لتنتقد الفارق الطبقي في وقت كانت الصرامة هي التي تميزه. فضاءات جديدة وفي كلتا المسرحيتين تم الاعتماد على فضاءات مسرحية غير مطروقة سابقاً في الإمارات، إذ قدمت (جميلة) على البحر في الخان لمدة 13 يوما بلا انقطاع، وهو ما يمثل سابقة في ذلك الزمن، وكان جمال مطر يعتقد في اليوم الأول أنه لن يأتيه أحد لمشاهدة عمله المختلف هذا لكن تشاء الأقدار أن يتزاحم عليه الناس، وقدمت (حبة رمل) في بيت شعبي من الخوص بشكل حميمي جمع بين عبق المكان والفن في عناق مختلف لم يكن مألوفا من قبل، فمثلتا بالتالي نقلة نوعية ملحوظة وعميقة في تاريخ المسرح الإماراتي، ومن رحم هذه المبادرات وهذا الخروج عن العلبة الإيطالية تأسس نسق مسرحي فني جديد آتى أكله بسرعة، وحقق للمسرح في الإمارات قفزة نوعية حاكتها أغلب الفرق والأعمال المسرحية التي ظهرت بعد ذلك، فالفضل الكبير الذي قام به الحاي ومطر كان تغيير مسار الكتابة في المسرح المحلي الإماراتي، ولم يعد المخرجون يعتمدون على نصوص عربية وأجنبية وظواهر العبث التي ظهرت في الأعمال المسرحية بشكل واضح للعيان، بل أصبح النهل من الطقس الشعبي والعودة إلى بيئة الفرجة الشعبية هو القاسم المشترك الذي ترك بصمة قوية في تلك الحقبة. لقد تغير مسار المسرح في الإمارات بفضل عملين فنيين استقطبا الأنظار، ثم كانت (الملّه) لسالم الحتاوي و(عرج السواحل) لإسماعيل عبد الله و (راعي البوم عبرني) لعبدالله صالح، و (السردال) التي تناولت مجتمع الغوص في الإمارات وكتب مرعي الحليان (باب البراحة) وما إلى ذلك من الأعمال المسرحية. كانت التجارب مختلفة، لكنها كانت تنهل من نفس المعين حتى استهلك مع الأيام فعاد الكتاب والمخرجون في الإمارات إلى عرينهم الأول وهو الأعمال العالمية المقتبسة والنصوص العربية الرائدة، مع بعض المحاولات في الكتابة المحلية التي أثبتت حضورها وحققت جدواها وفعاليتها. مركز للتمكين المسرحي يذهب ناجي الحاي إلى القول: «المسرح في دبي هو جزء لا يتجزأ عن المسرح في الإمارات، فلا يوجد اختلاف سواء من ناحية الشكل أو المضمون، فتنظيم الفرق المسرحية واحد لأنها جميعا مشهرة تحت مظلة قانون الجمعيات ذات النفع العام، أما من ناحية الممارسة فكل الفرق أصبحت تتشابه، ولكن التحدي الحقيقي في دبي هو أن هذه المدينة حيوية جداً وبها فعاليات فنية وغير فنية لا تحصى ولا تعد، مما يجعل من الصعب جذب المشاهد للحضور ومشاهدة المسرح». وأضاف الحاي: «لقد أعطت دبي في السنوات الأخيرة اهتماما ملحوظا للمسرح؛ فأصبحت تدعم فرقها المسرحية ماديا كما أنها أقامت مهرجانا لمسرح الشباب الذي منح الشباب فرصة كبيرة للتعبير وإبراز مواهب واعدة». وخلص إلى القول: «أعتقد أن الفعاليات اليوم في مجال المسرح غير كافية، إذ لا يمكن الاكتفاء بمهرجان واحد للشباب من دون الإصرار على تمكين هؤلاء الشباب، وبشكل إجباري وليس طوعياً لأن وقودهم الإبداعي سينضب ولن يستطيعوا الاستمرار، مما سيؤدي بالتالي إلى تدني المستوى الفني وهو ما لا نرجوه، لذلك أرى أن الاهتمام بإنشاء مركز للتمكين أهم من إقامة مهرجان خاصة أنه لا يوجد بالدولة معهد أكاديمي للمسرح. كما أتمنى أن يكون الاهتمام بالفرق المسرحية من خلال تمكين أفرادها من كافة النواحي وليس التمثيل فحسب، بل الأهم في تصوري في الوقت الحالي هو الجانب الإداري والتسويقي، لأن الفرق تفتقر تماماً للإدارة الاحترافية ويغيب عنها بشكل تام الجانب التسويقي، لذلك فإننا لا نسمع من المسرحيين اليوم سوى حاجتهم إلى الدعم المادي وهذا في اعتقادي أمر غير مقبول في هذا الوقت، خاصة بعد أن أصبح عمر الدولة اكثر من 42 عاماً وتميزت وتقدمت في كافة النواحي ولاتزال الفرق المسرحية تطلب الدعم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أعتقد أن على هيئة دبي للثقافة والفنون تنظيم مهرجانات عالمية للمسرح واستقطاب المسرحيين الكبار من العالم، الأمر الذي سيدفع المسرح المحلي للتغيير». وعن تجربته الشخصية أكد ناجي أنه لم يقدم للمسرح سوى ما استطاع تقديمه من أعمال مسرحية أو اهتمام بتدريب وتأهيل الشباب، وهو الآن متوقف عن العمل في المسرح ويتمنى أن يساهم بما يستطيع في السنوات المقبلة. تفعيل الفرق يذهب الكاتب والممثل والمخرج مرعي الحليان إلى القول إن دبي صاحبة الفرق الثلاث العريقة، وهي: (مسرح الشباب للفنون) الذي كان في السبعينيات المسرح القومي التابع لوزارة الثقافة والإعلام كما كان اسمها في ذلك الوقت، وكان هذا المسرح يضم أغلب كبار الممثلين في كل الإمارات، إضافة إلى فرقة موسيقية محلية بقيادة الفنان عيد الفرج، وقد كان هذا المسرح صاحب الفضل على الكثير من الممثلين الذين خاضوا غمار التجربة في الفن المسرحي، وأصبح لهم حضورهم وأنا واحد منهم، إذ ساهمت منذ أن كان عمري 12 عاماً في عمل فني احتفالا بالذكرى الثالثة للاتحاد، وكانت هذه الفرقة العريقة بالإضافة إلى (مسرح دبي الأهلي) أول مسرح يتم تبنيه من طرف ناد رياضي لسنوات قبل أن يصبح تابعا «لثقافية دبي»، و(مسرح دبي الشعبي)، وهو من المسارح التي توجهت إلى الجمهور بأعمال شعبية في الثمانينيات وهو في حضن هيئة دبي للثقافة والفنون، والهيئة لا تزال ترعى هذه المسارح بتبني مشاريعها الإنتاجية وبسخاء مادي مغر، لكن هناك ملاحظة - يقول الحليان - وهي عبارة عن علامة استفهام حول تفعيل هذه الفرق في دبي ودمجها في الحراك الثقافي الكبير الذي تحتضنه دبي والموجه أغلبه للوافدين الأجانب. وأشار مرعي في سياق حديثه عن المسرح في دبي إلى أن «إبراز الشخصية الوطنية ضروري جدا اليوم، لأن هناك الكثير من الفعاليات الكبرى التي يقصى منها المسرح المحلي من ذلك: مهرجان التسوق، ومهرجان الإمارات للآداب الذي يستدعي فرقا من الخارج عادة، ومهرجان صيف دبي، فإذا أردنا أن نحقق النجاح علينا أن ندمج الفرق الإماراتية في النسيج الفني الثقافي لتثبت حضورها القوي والمتوهج، فدبي إمارة جاذبة ولابد أن يعلو صرحها الثقافي في هذا الإطار، وبإمكان هيئة دبي للثقافة والفنون أن تستثمر طاقات هذه الفرق وتفعّلها بما يحقق الإضافة المطلوبة والانتشار الواسع للأعمال المسرحية الإماراتية». واسترسل الحليان: «الدعم المادي الكبير غير كاف، ولذلك لابد من دعم المنتج المسرحي المحلي، وفي هذا الإطار أذكر أن البادرة الوحيدة التي استطاعت أن تستثمر في قطاع المسرح على مستوى الدولة عموما ودبي بالخصوص، هو تبني هيئة دبي للثقافة والفنون مهرجان دبي لمسرح الشباب، وهو مثال يحتذى به لجهة تبني مجموعة من شباب دبي على صعيد الكتابة المسرحية والتمثيل والإخراج، وبرزت من ورائه أعمال متميزة وجميلة جدا وعالية التقنية الفنية، وكان لدى هيئة دبي للثقافة مشروع لابتعاث أو تمويل هذه العروض الناجحة، وذلك قصد تمثيل الإمارة في الخارج، لكن بقي ذلك وعداً ولم يتحقق للأسف الشديد». وأكد الحليان أن «الحراك المسرحي في دبي جيد وعالي المستوى، لكنه مقيد ولم يستثمر بالشكل المطلوب، ومن المفترض أن يمثل دبي الثقافية والفنية، كما أن عددا من الفرق تعاني من غياب قاعات التدريب وقاعات العروض، إذ لا يوجد سوى مسرح دبي الشعبي الذي يمتلك خشبة عرض قديمة مهترئة نوعا ما، وحتى المبنى في أمس الحاجة إلى الصيانة، والإشكال الآخر أن كل فرقة تعد عملا فنيا تضطر لكراء المسارح المجهزة خارج مقرات الفرق بأسعار عالية لليوم الواحد، وهي مسارح مجهزة بتقنيات عالية ومستغلة من طرف الشركات والجاليات أساساً». وخلص الحليان إلى القول: «يوجد مسرح دبي الاجتماعي في مول الإمارات كما يوجد مسرح مجهز بندوة الثقافة والعلوم ومسرح قاعة جميرا، لكن الفرق المسرحية المحلية لا تستغلها، فلماذا لا تفتح لها الأبواب وتعفى من الدفع عند إعداد أو تقديم عروضها، فدبي التنوع والتعدد تضم أكثر من 200 جنسية وثقافة، وهناك دعوة مهمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بضرورة الحوار والاندماج والتلاقح الحضاري والحوار، وهي دعوة إنسانية عظيمة، ومن باب أحرى أن تبرز ثقافتنا الوطنية في هذا الخضم المتنوع». وفي رد له حول سؤال لماذا تحجم بعض الفرق المسرحية عن تقديم أعمالها في إمارة دبي؟ يؤكد الحليان أن الإعلان والترويج مكلف جدا ويتطلب إمكانيات هائلة، ويقترح في هذا الإطار فتح مراكز ثقافية صغرى داخل التجمعات السكانية المحلية، وبذلك سيصل المسرح إلى الناس. أما الفنان عبدالله صالح فأشار في حديثه حول المسرح في دبي إلى أن «المسرح في هذه الربوع متألق على الدوام حتى قبل ظهور مجلس دبي الثقافي وهيئة دبي للثقافة والفنون، وكثيرا ما كان يعتمد على موازنة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. وبعد تأسيسها شرعت الفرق المسرحية في إمارة دبي تنتعش وتعمل بجد للتأسيس لحركة مسرحية بإمكانها أن تقدم الأفضل والأرقى فنيا، وقد قدمت العديد من الأعمال المسرحية منذ منتصف السبعينيات من خلال محاولات جادة لخلق أرضية مسرحية، وهي اليوم تتقدم وتحقق العديد من الخطوات الرائدة مسرحياً وتقيم الدليل على أن لهذا الفن مبدعيه الذين لن يتوقفوا عن الإضافة والفعل للوصول إلى ترسيخ حضور المسرح في الإمارات». دعم وتنوع يقول الفنان ياسر القرقاوي: «لو تحدثنا عن إمارة دبي لقلنا إنها ذات أبعاد مختلفة، فهناك شركات الإنتاج التي تنتج أو تستضيف العروض المسرحية من شتى أنحاء العالم، وهي نشطة في هذا المجال، وهناك الفرق المسرحية الأهلية التي يتمركز فيها الإماراتيون فتنحصر أنشطتهم في المشاركة في المهرجانات المسرحية في الدولة وخارجها». وأضاف القرقاوي: «الكل يعلم أن هيئة دبي للثقافة والفنون تدعم المسارح الأهلية ماديا ومعنويا، كما أنها تنظم مهرجانا سنويا باسم «مهرجان دبي لمسرح الشباب» وهو المنصة الوحيدة للمواهب الشابة التي تحتضن الإماراتيين والمقيمين وتقدمهم للساحة الثقافية، كما تقوم «دبي للثقافة» بتمويل ودعم الورش المسرحية التي من شأنها أن تصقل المواهب وتنمي قدرات وخبرات المبدعين». وختم بالقول: «لا شك أن طموحنا أكبر بكثير مما هو موجود حاليا، حيث إن دبي باتت مدينة عالمية وأفقها بلا حدود، لذلك يتوجب على المسرحيين والفنانين مواكبة هذه الآفاق مساهمة منهم في مراحل عمليات التنمية المستدامة للبلد. وكلنا يعلم ما شهدته إمارة الشارقة وإمارة دبي من إرهاصات أولى في الدولة في المجال المسرحي، وتكونت في أحضانهما أولى الفرق المسرحية التي تخرج منها كبار المثقفين والفنانين الذين لهم بصمات واضحة في الدولة، ومازال العطاء مستمراً من الشباب المخلص لوطنه والمؤمن بفنونه». ومهرجان دبي لمسرح الشباب الذي تنظمه سنويا هيئة دبي للثقافة والفنون بدبي، ضمن مساعيها لتكريس دبي عاصمة ثقافية، ورغم أنه فعالية محدثة نسبيا إلا أنه تمكن من وضع بصمة واضحة في الحركة المسرحية الإماراتية والخليجية والعربية. وعبر الفنان عبدالله صالح من جهته عن ضرورة عدم استسهال المشاركة في هذا المهرجان تحت عنوان أنه خاص بالشباب، وأكد أن على إدارته تشكيل لجنة اختيار العروض التي ستشارك في المهرجان، داعيا إلى توخي الدقة في عملية الاختيار وإلى أن تتم وفق معايير، من بينها أن يكون للمشاركين تجربة أو تجارب سابقة في المسرح. والحقيقة أن هذه المناسبة تعتبر اليوم من الأحداث المسرحية الكبرى داخل الإمارات، لذلك فإن أغلب من تحدثنا إليهم حول المسرح في دبي يصرون على أنه لابد من تطويره بما ينسجم ورقي وحداثة دبي وإشعاعها. أخيراً... إن الحديث مع عدد من المهتمين بالشأن المسرحي في دبي يؤكد أن هناك عزائم صادقة من أجل تكريس فعل مسرحي مشع ومختلف، ولكن بآليات لابد أن تأخذ في الحسبان توفير الفضاء المناسب للمبدع ليقدم أعماله، وأن يتجشم الصعاب ولا ينحني أمام كل الصعوبات التي قد يجدها في طريقه، فقدر الفنان المسرحي دائما أن يضيء الشموع في سبيل الوصول إلى الهدف الذي ينشده، هذا الهدف الذي ظل دائماً حلماً يسعى جاهداً إلى تحقيقه بكل الطرق، نبراسه في ذلك الدعم الذي يجده من قبل المؤسسات العامة التي تعاضد جهود الفنانين ليبدعوا ويقدموا خلاصة ما لديهم.