تتقاطع البدايات الأولى لظهور السينما في دبي، مع الإيقاع الاقتصادي المتصاعد والمتوثب، لهذه المدينة التي لا تعترف بالسقف المنخفض للحلم أو الطموح، ولا تملّ من التعاطي مع المستقبل كما لو أنه حاضر ومتحقق في الرؤية، وكما لو أنه مرصود أيضا في الشغف المتواصل لحيازة الإبداع والابتكار. يمتزج هذا الشغف أيضا مع المناخ الكوزموبوليتي الذي يسود المدينة، انطلاقا من موقعها كميناء تجاري مهم منذ الأربعينيات من القرن الماضي، عندما كان حضور الآخر أو الغريب، هو الحضور المتشكل كقاعدة للتنوع السكاني ولتوافد ثقافات جديدة ولغات ولهجات وملامح مختلطة ومتداخلة، اجتمعت كلها تحت مظلة من التسامح الديني واحترام خصوصية القادمين والعابرين والمقيمين، وبكل ما يحملونه من مرجعيات وعادات لصيقة بهم. إبراهيم الملا اتساقا مع هذا الهوى الفرجوي متعدد الألوان والأنماط أنشأ رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي، أول دار عرض سينمائي في المدينة أواخر الخمسينيات، وأطلق عليها: سينما «الوطن»، لتتشكل بذلك أولى ملامح الترفيه البصري وسط بيئة عمرانية ناهضة تتطلب تمازجا بين المطلب التسويقي الاقتصادي، وبين المطلب الثقافي والانفتاح على هويات لها إرثها التاريخي وتجاربها الفنية والإبداعية الموغلة في القدم. في فترة السبعينيات وما بعدها ظهرت دور عرض أخرى في دبي مثل سينما «ستراند»، وسينما «النصر»، وسينما «بلازا» وغيرها من الدور التي عرضت لجمهورها الواسع أفلاما خاطبت الجاليات المقيمة وتوافد عليها أيضا المواطنون في دبي والإمارات الأخرى، والذين امتلكوا حساسية ثقافية جديدة وعشقا للشاشة من خلال الأفلام الهندية بداية، ثم الأفلام العربية القادمة من لبنان ومصر بالتحديد والتي كان يوزعها على دور العرض شخص لبناني يدعى «الصابوني»، وتعرف الجمهور بعد ذلك على الأفلام الإيطالية قبل غزو أفلام هوليوود في أواسط الثمانينيات وبعد تطور وتعدد هذه الدور، باتت دبي اليوم تحتضن أكبر صالات للعرض السينمائي، وأكثرها تنوعا على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط. ورغم أن أول سينما في منطقة الخليج العربي تأسست عام 1945 في الشارقة تحت اسم (سينما المحطة) بإشراف مباشر من سلاح الجو الملكي البريطاني أو ما كان يسمى اختصاراً بـ: (آر، إيه، إف)، إلا أن هذه السينما كانت مخصصة فقط للترفيه عن جنود المحطة والعاملين بها، وكان تواصل المواطنين معها يتم في المناسبات العامة، بينما اكتسبت سينمات دبي صفة تجارية مستقلة، كي تلبي رغبة المقيمين بها، وكي تساهم بشكل غير مباشر ومتدرج في صياغة مشهد ثقافي متنوع يتجاوز عقوداً طويلة من العزلة الجغرافية والانكفاء المعرفي الذي ساد المنطقة، قبل زمن الطفرة وقبل ظهور التعليم النظامي وإرسال البعثات الدراسية التخصصية إلى الخارج. وفي هذا السياق يذكر الكاتب والأديب، سعادة محمد المر رئيس المجلس الوطني، وأحد الذين أرخوا من خلال ذاكرة قصصية متدفقة لتفاصيل دبي القديمة، أن مدينة كبرى في حجم إمارة دبي كانت في فترة صباه تضم دار سينما واحدة فقط أنشأها في ذلك الوقت رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي، وكانت هناك مكتبة وحيدة أيضاً أنشأها الأخوان عبدالله وعبدالواحد الرستماني، مشيراً إلى أن الخدمات الثقافية كانت غائبة، بسبب القوانين الجائرة التي خلفها الاستعمار البريطاني في بداية القرن التاسع عشر، وهناك أسباب أخرى تتعلق بغياب مفهوم السيادة آنذاك وقلة الموارد الطبيعية وصغر حجم القاعدة السكانية. ويلفت المر إلى أنه بعد رحيل المحتل البريطاني جاءت الإسهامات العربية لتخلق نوعاً من الحراك التنموي والتعليمي والتثقيفي من خلال الجامعة العربية التي أنشأت ما عرف بـ «مجلس التطوير»، وبعد الاستقلال الرسمي للدولة وامتلاكها سيادتها أصبحت هناك حاجة ملحة لصياغة مشروع أو رؤية تعليمية وثقافية شاملة تستطيع من خلالها مواكبة الدول المتقدمة والحديثة. أما الأديب عبد الغفار حسين، أحد الذين ساهموا في تأسيس مكتبة دبي العامة، فيرى أن ما يميز أي بقعة في العالم هو مراكزها الثقافية والعلمية، ومن دونها تعتبر البنية كتلة مادية جامدة لا روح فيها، وذكر أن أهل دبي أدركوا في وقت مبكر أهمية أن يوازي التطور الثقافي نظيره العمراني والتجاري.. وهذا ما جعل دبي اليوم كما يقول: «مدينة ثقافية واقتصادية متميزة». تجارب وشواهد منذ ظهور أول فيلم روائي طويل في الإمارات، وفي دبي تحديداً، على يد المخرج الإماراتي علي العبدول نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وهو فيلم «عابر سبيل»، وحتى آخر فيلم محلي شاهدناه في مهرجان دبي السينمائي الدولي المنعقدة دورته العاشرة نهاية العام الماضي، ثمة مسافة زمنية طويلة، تبدلت خلالها الظروف الفنية والثقافة البصرية الموجهة نحو الصورة والإمكانات التي تختزنها على مستويات تعبيرية وجمالية فائضة ومتشعبة، وهي الثقافة التي عملت الفورة السينمائية المتمثلة في التجمعات والمهرجانات السينمائية الكبرى في دبي على تحريك مياهها الراكدة، وبعثها من سبات امتد لسنوات طويلة، ولعل التميز الذي رافق الأفلام الروائية القصيرة هنا، طغى على التجارب الطويلة، كما حصل مع مخرجين شباب من دبي، فلم تنل هذه الأخيرة حظها من التوهج والإطراء النقدي، نظرا لإشكالات كثيرة تتعلق بضعف النصوص وصعوبة التمويل وفقر الوعي الموضوعي والفني حول هذه النوعية المرهقة من الأفلام، ونتذكر هنا أفلاما مثل «حلم» و«فندق في المدينة» لهاني الشيباني، و«عقاب» و«رمال عربية» و«بني آدم» لمجيد عبدالرزاق، و«حنين» لمحمد الطريفي، وأعمالا أخرى انحازت لتقليد أفلام الرعب الأميركية قدمها: «ماهر الخاجة» مثل فيلم «الغرفة الخامسة»، حيث عانت هذه الأعمال من مشاكل عديدة في طرائق المعالجة السينمائية تمثلت في عدم القدرة على التحكم بالزمن السردي للفيلم، وضعف الاستعدادات الفنية المطلوبة لمثل هذه الأعمال. ويبدو أن الكسل المعرفي ما زال يرافق الأجيال الجديدة من المخرجين عندما يتعلق الأمر بالبحث في أرشيفات الماضي، والتواصل مع نتاجات الجيل الأول الذي أسس لملامح ومعالم السينما في الإمارات، فالمحاولات الفردية مهما كان حجم طموحها لا يمكن لها أن تتخلى عن جذور البدايات كقيمة تاريخية وثقافية، وكانتباه ورصد للتطور الذي رافق الحالة السينمائية في المكان. بعد التجربة الخاطفة واليتيمة للمخرج علي العبدول مع فيلمه: «عابر سبيل» في عام 1989 والتجربة اليتيمة الأخرى للمخرج مسعود أمرالله في فيلمه الروائي القصير: «الرمرام» في عام 1994، استطاع مخرجون آخرون مثل نجوم الغانم وعلي مصطفى ونائلة الخاجة، وعمر إبراهيم وشقيقه كاتب السيناريو يوسف إبراهيم، أن ينقلوا جوانب مدهشة، وأخرى مهمشة ومنسية خلف الأبراج وناطحات السحاب ومراكز التسوق الحديثة المنتشرة في دبي. قدمت نجوم الغانم أفلاماً تسجيلية نابضة بالحنين مثل: «بين ضفتين»، و«المريد» و«أمل» و«حمامة»، وقدم علي مصطفى فيلما روائيا طويلا بعنوان: «دار الحي» أو مدينة الحياة كوصف لمكان يعجّ بمظاهر الحداثة، وبإيقاعه الصاخب، ويخفي أيضاً قصصاً لشخصيات حائرة تملك أزماتها الخاصة التي سلط الفيلم الضوء عليها، بعيدا عن العنوان الظاهري للفيلم، وقدمت المخرجة نائلة الخاجة أفلاما روائية قصيرة مثل: «عربانة» و«ملل» و«الجارة» تناولت فيها الاغتراب الذاتي وسط التبدلات الكبيرة التي لا تفتح مجالا للتفاصيل الأنثوية الصغيرة كي تعبر عن هواجسها المكبوتة وأحلامها الذائبة في الصمت والنسيان، بينما قدم الأخوان يوسف وعمر إبراهيم حكايات بصرية شفافة ومرصودة لعين الطفولة وهي تلاحق أصداءها وظلالها البعيدة، وتطارد الشواهد المتبخرة بين حارات وفرجان وبيوت دبي القديمة. مهرجان دبي السينمائي انطلق مهرجان دبي السينمائي، الذي يرأسه فخرياً الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، وتنظمه سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والإعلام، في عام 2004 تحت شعار «ملتقى الثقافات والإبداعات»، وكأن المهرجان بهذا الشعار يعيد تدوير الزمن نحو حلم البدايات الأولى لأهالي ذلك الميناء القديم والضيق المطل على بحر الخليج، عندما كان خور دبي يخترق الساحل ويمتد نحو مراكب الصيادين البسطاء، لينطق بلسان شعار جديد أطلقته دبي مؤخرا بعنوان: «تواصل العقول وصنع المستقبل» ليكون واجهة لحدث عالمي ضخم سوف تستقبله هذه المدينة التي لا تتوقف عن الحلم، وهو الحدث المتمثل في إكسبو دبي 2020 وكان مهرجان دبي السينمائي الدولي أحد المفاصل المهمة التي دعمت ملف ترشيح دبي لتنظيمه على أرضها. تحول مهرجان دبي، الذي يترأسه عبدالحميد جمعة بعد سنوات قليلة من انطلاقته وبدعم من هيئة دبي للثقافة، إلى قاعدة قوية لتحفيز وتشجيع المواهب المحلية، حيث شهد في عام 2006 إطلاق جوائز المهر للإبداع السينمائي العربي، التي تهدف إلى تكريم السينمائيين العرب على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي عام 2008، وبعد تولي السينمائي الإماراتي مسعود أمر الله الإدارة الفنية للمهرجان، تم توسيع نطاق المسابقة لتشمل مسابقة المهر العربي، ومسابقة المهر الآسيوي الإفريقي. وفي 2010، تم تخصيص مساحة خاصة من المهرجان للسينما الإماراتية، وذلك بإطلاق مسابقة المهر الإماراتي لتكريم المخرجين الإماراتيين في فئات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة. ومن المبادرات التي شهدها المهرجان عام 2006 إطلاق «مكتب السينمائيين»، الذي تأسس بهدف تقديم الدعم والمساعدة لجميع الأعضاء المسجلين. كما شهدت النسخة الرابعة من المهرجان عام 2007 إطلاق «ملتقى دبي السينمائي»، وهو بمثابة سوق للإنتاج السينمائي يهدف إلى تعزيز نمو صناعة السينما في العالم العربي. وفي 2008، تم إطلاق «سوق دبي السينمائي»، وهو أول سوق من نوعه في المنطقة، يوفّر منصة حديثة لتبادل المواد السمعية والبصرية وذلك من خلال بوابة السوق الرقمية. وقد حظي شعار المهرجان «ملتقى الثقافات والإبداعات» باهتمام الجميع نظراً لما يعبّر عنه من التشجيع على فهم الآخرين، والاحترام المتبادل بين مختلف الشعوب والدول والديانات والأعراق. أصبح مهرجان دبي السينمائي الدولي منذ تأسيسه وجهة مهمة لصنّاع السينما في المنطقة وحول العالم، ليتحوّل إلى قاعدة قوية لتسهيل التعاون المشترك بينهم. وترك المهرجان بصمة واضحة على ضيوفه بما قدّمه من فعاليات وورش عمل وندوات وجلسات حوارية مع تقديم باقة من أروع الإبداعات السينمائية من جميع أنحاء العالم، إضافة إلى ما يتمتع به من مكانة بارزة في الدعوة إلى التبادل الثقافي، والتقريب بين مختلف الثقافات والحضارات والشعوب، بالاعتماد على الإبداع السينمائي كوسيلة لفتح باب الحوار، تأكيداً لشعار «ملتقى الثقافات والإبداعات». قلب عربي وروح دولية احتفل مهرجان دبي السينمائي في دورته التي أقيمت في ديسمبر العام الماضي بمرور عشر سنوات على انطلاقته، ورغم قطعه لهذا الشوط التنظيمي الذي يبدو طويلا ومرهقا، إلا أن المهرجان حافظ على شغفه وجاذبيته الفنية، ورهانه كذلك على تقديم مفاجآت سينمائية لامعة لمتابعيه ورواده في كل دورة جديدة من دوراته المتلاحقة، واستطاع هذا الحدث السينمائي المهم في الإمارات، أن يرفع وتيرة الإبهار في دورته الأخيرة والذي امتد ولامس طبيعة ونوعية الأفلام المشاركة برصيد كبير وصل إلى 174 فيلما، مع حضور مكثف للسينما العربية التي تجاوزت مشاركتها سقف المائة فيلم. اختزنت الدورة العاشرة للمهرجان الكثير من الوعود المستقبلية المبهجة للسينمائيين الإماراتيين والخليجيين والعرب، فبالرغم من الطابع الدولي للمهرجان، إلا أن زخم الأفلام العالمية المشاركة فيه، لم يؤثر على خيارات المهرجان وتوجهاته في عرض واستقطاب التيارات السينمائية المستقلة والأقرب للتصنيف الفني مقارنة بالهوى والمطلب الجماهيري، وهو الأمر الذي بدا واضحا أيضا في توجه المهرجان لتخصيص مسابقة مستقلة للأفلام المحلية والعربية، ولتلك الأفلام القادمة من أفريقيا وآسيا، ضمن خارطة بصرية متعددة الأنساق والرؤى والاتجاهات الإبداعية التي تحظى بنصيب متوازن من الاهتمام الإعلامي المكثف في أروقة المهرجان. ولعل وجود الشاعر والسينمائي الإماراتي المخضرم مسعود أمر الله المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي وسط هذا الكرنفال البصري شديد الثراء والتنوع، هو وجود يخدم السينمات المجهولة أيضا، والمواهب الشابة التي استطاعت خلال السنوات العشر الفائتة أن تفصح عن قدراتها الإخراجية المتميزة. يقول مسعود أمرالله: “مهرجان دبي السينمائي بات اليوم أكثر قربا وإخلاصا للسينما الفنية المستقلة وأكثر انحيازا للنتاجات المحلية والعربية. ولا شك في أن مقارنة إحصاء بسيطة يمكن أن تعكس مدى التطور الكمي والنوعي في حجم وطبيعة الأفلام التي قدمها المهرجان، مشيرا إلى أن الدورة الأولى شهدت مشاركة 74 فيلما فقط، مقابل 180 فيلما في الدورة الأخيرة، ونوّه إلى أن الدورة الأولى شهدت مشاركة فيلم واحد فقط في عرضه العالمي الأول، بينما احتوت الدورة الأخيرة على 70 فيلما في عرضها العالمي الأول، وقال إن عدد الجمهور في الدورة الأولى كان مجرد 7000 متفرّج، وصل عددهم في 2013 إلى 55 ألف متفرّج”. وأكد أمر الله أن هذه المقارنة الرقمية الأولية، تمنح النقاد والمتابعين دلالات ومؤشرات مهمة حول رغبة المهرجان في الانفتاح على السينما المغايرة، وترسيخ مكانته الفنية والثقافية، وخلق هذه الجاذبية أو الأرضية المشتركة من الثقة والتواصل بين المهرجان وجمهوره وبين المخرجين الذين باتوا ينظرون إليه كمنصة ووجهة مفضلة، ويرغبون في تدشين عروض أفلامهم الجديدة على شاشات دبي السينمائي. وأوضح أن السنوات التأسيسية الأولى من عمر المهرجان كانت بمثابة تجريب للأدوات التنظيمية، ومراقبة وقياس الإقبال وتجاوب السينمائيين والجمهور معه، وهي فترة كما أشار شكلت منطلقا ومنصة للقائمين عليه من أجل توسيع رقعة المهرجان وزيادة أنشطته وبرامجه بشكل متدرج، ولا يسعى لحرق المراحل وتحقيق النجاح بضربة واحدة. وأوضح أمر الله أن الأفلام المنتجة أو المموّلة والأخرى المصورة في الإمارات أصبح لها حضور قوي ومؤثر وملحوظ في جدول العروض، وقال إن تواصل الإعلام والجمهور والسينمائيين الشباب مع دورات المهرجان منذ انطلاقته وحتى الآن، ساهم وبشكل تراكمي ومتدرج في خلق هذا الوعي بأهمية الصناعة والإنتاج بدلا من الاستهلاك والاستقطاب والعرض فقط، مشيرا إلى أن هذا الوعي الجديد انتبه أيضا لأهمية السينما ولقدرتها وتأثيرها في إيصال الاسم المحلي أو الجهة المنتجة المحلية إلى آفاق ومشاركات حوارات فنية وثقافية مع الحواضر السينمائية الكبرى في العالم، وأضاف أن اسم دولة الإمارات سواء في حقل الإخراج أو الإنتاج والدعم بات مرافقا لمعظم الأفلام التي يعرضها المهرجان في دورته الحالية، مؤكدا أن الأمر يبعث على الثقة بازدهار صناعة السينما الإماراتية خلال السنوات القليلة القادمة، خصوصا مع اتجاه كثير من المخرجين الإماراتيين المتميزين في حقل الأفلام القصيرة إلى العمل وبشكل جدي على تقديم أعمال روائية طويلة، تمنى مسعود أمر الله أن تعرض ذات يوم في حفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي. وألمح أمر الله إلى التأثيرات الإيجابية لفوز دبي بإكسبو 2020 على المهرجان التي ستتضح من خلال العلاقة التبادلية بين المهرجان وبين هذا الحدث الثقافي والتسويقي الضخم وستتشكل ملامحه قريبا في نمو وثراء المرافق السينمائية وتطور النشاطات الثقافية والمنشآت العمرانية والأفكار الإبداعية القادرة، حسب قوله، على تأمين قوة دفع إيجابية فيما يتعلق بصياغة ملامح حضارية متقدمة في المكان. وأضاف أمر الله أن مهرجان دبي هو جزء من منظومة متكاملة في دبي والإمارات، مشيرا إلى أن فوز دبي بتنظيم إكسبو 2020 سوف يحمّل القائمين على مهرجان دبي السينمائي مسؤولية مضاعفة، لبذل مجهود أكبر وتقديم ما هو أكثر جودة وأكثر إبداعا وتميزا مقارنة بما تم تقديمه في الدورات السابقة، من أجل إثبات أحقية مدينة دبي في استضافة هذا الحدث العالمي الكبير. مهرجان الخليج السينمائي انطلق مهرجان الخليج السينمائي في دبي عام 2008 بهدف احتضان الرؤى والأفكار السينمائية للمخرجين الشباب الهواة منهم والطلبة والمحترفين في الإمارات ودول الخليج، وتحقيقا لنواياه الفنية في منح الفيلم الخليجي فضاء تفاعليا مع جمهور بات يستكشف ملامح مغايرة لأفلام تعبّر عن خصوصيتها وعن جرأتها أيضا في البحث والمغامرة ومحاورة القضايا الحية والملموسة. ورغم مرور ست سنوات على انطلاق مهرجان الخليج السينمائي، إلا أنه استطاع في هذه الفترة الوجيزة والمكثفة أن يختصر تراكم الخبرات التنظيمية، وطول المسافة الزمنية المرهقة التي قطعتها مهرجانات أخرى عريقة في الوطن العربي، ومن خلال نظرة بانورامية لأرقام وإحصائيات الدورة الأخيرة من المهرجان، يمكن للمتتبع أن يكتشف وبسهولة وجود وعي فني مختلف بدأ يتشكل حول قيمة وأهمية إنتاج الفيلم السينمائي في المنطقة، ووعي وانتباه ساهما بدورهما في صياغة حالة فنية وتفاعلية جديدة في المكان، وتهيئة جيل سينمائي واعد قوامه صناع الأفلام أنفسهم سواء أكانوا طلبة أو هواة أو محترفين، والذين وجدوا في هذا العرس السنوي مناخا إبداعيا مشجعا ومشمولا أيضا بالمنافسة، وإثبات الموهبة الذاتية وتطويرها وتعزيز إمكانات هذه الموهبة في الدورات القادمة من عمر المهرجان. وكما يشير عبدالحميد جمعة رئيس المهرجان، فإن هذا التجمع السينمائي الحاشد تحول إلى منصة فريدة للاكتشاف، وتفجير الطاقات والإبداعات، وبات حاضنا للمواهب الخليجية ومظلة تأخذها من الحيز الجغرافي الواحد إلى مهرجانات ومحافل أكبر وأوسع. ويقول جمعة: «مهرجان الخليج كان ولا يزال الأخ الأكبر والراعي الأول لسينمائيي المنطقة، فكانت لهم المسابقة الخليجية ومبادرة إنتاج وتمويل الأفلام القصيرة بالتعاون مع سوق دبي السينمائي، وسوق السيناريو، بالإضافة إلى العديد من الندوات وورش العمل والدورات التخصصية». ويضيف: «خلال السنوات الماضية من عمر المهرجان، خطونا خطوات جريئة، ووضعنا سينما الخليج نصب أعيننا، فكرمنا مخضرميها، واحتضنا شبابها، تحاورنا معهم، سمعناهم، رأينا أعمالهم، وتعلمنا منهم». إن الخط الذي انتهجه مهرجان الخليج السينمائي جعله يكتسب صفة حميمية وصبغة شعبية متخلصة من النمط الرسمي والصارم للمهرجانات السينمائية الكبرى في المنطقة، ويستشعر المرء وهو يجول في ردهات المهرجان أو يشاهد عروض الأفلام في الصالات أو عندما يحضر الندوات المسائية، أن ثمة صحبة وصداقة تراكمت بين السينمائيين المشاركين في الحدث خلال السنوات الست الماضية، وأن هذه الصحبة والشفافية في التواصل تمكنت من تذويب العوائق الثقافية والاختلافات الفكرية الفنية التي باتت تعزل صناع الأفلام عن بعضهم، في المهرجانات الكبيرة والمزدحمة ببرامج متشعبة لا يمكن ملاحقتها كلها أو الاستفادة الكاملة من مزاياها. سوق دبي السينمائي يعد من المنصات المهمة في الإمارات والشرق الأوسط لدعم المشاريع السينمائية الإماراتية والعربية في المنطقة والترويج لها في المجالين الإقليمي والدولي، وتهدف هذه البيئة التنظيمية والتسويقية إلى إثارة النقاشات الثقافية والنقدية بين الخبراء السينمائيين وبين الشباب المقبلين على عالم الأفلام من جانبها الإنتاجي وليس الاستهلاكي فقط. ويشير سامر حسين المرزوقي مدير سوق دبي السينمائي، وهو جهة غير رسمية تابعة لحكومة دبي، إلى أن فكرة هذه المبادرة السينمائية انطلقت قبل ست سنوات تحت شعار أو عنوان عام هو: «من السيناريو إلى الشاشة»، من أجل دعم السينما المحلية والخليجية والعربية، وخصوصا الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة التي تحتاج كما أوضح المرزوقي إلى صناديق تمويل وإلى متابعات إجرائية متكاملة، وتكتسي بالصبغة الاحترافية حتى يستطيع الفيلم أن يحقق حضورا دوليا وجماهيريا يتناسب مع قيمته الفنية والجمالية، ومتلائما أيضا مع الجهود الكبيرة التي بذلت لتنفيذه. وأشار المرزوقي إلى أن السوق يحتضن برامج ومبادرات تعمل بشكل مستقل ولكنها في النهاية تسعى لتحقيق الهدف العام وهو وصول الفيلم إلى الشاشة، بعد الانتهاء من كافة الخطوات التي ساهمت في خروج الفيلم إلى النور واكتماله، ومنها: برنامج (مبادلة) الذي يركّز على دعم الفكرة الأولية أو المبدئية لقصة وموضوع الفيلم، من خلال الشراكة والتعاون مع جهات سينمائية عربية وأوروبية معروفة، وإقامة ورش عمل متخصصة ومتعلقة بكيفية تحويل الفكرة أو القصة إلى سيناريو متماسك وقياسي وقابل للتنفيذ تقنيا وسينمائيا، وبرنامج «تقاطعات» الذي يقام في شهري مايو وديسمبر في مختبر الأفلام بمدينة تورينو الإيطالية، ويوفد البرنامج عددا من السينمائيين المحليين والعرب الذين يملكون أفكارا سينمائية طموحة كي يشاركوا في الدورات التي يقيمها هذا المختبر السينمائي المهم، من أجل تطوير هذه الأفكار وتتبع مراحلها المتسلسلة حتى تصل للنضج البنائي والموضوعي المطلوب، قبل الشروع في تحويل الفكرة إلى الصيغة السينمائية حسب الشروط المتعارف عليها في هذا الحقل الفني المستقل والمستفيد في ذات الوقت من الفنون الأخرى. وأكد المرزوقي أن سوق دبي السينمائي خلال السنوات الست الفائتة استطاع أن يدعم الأفلام المحلية والعربية الطويلة، وساهم في رفد المشهد السينمائي في المنطقة بمائة وسبعين فيلما، وهو رقم يدل ويؤشر كما أوضح المرزوقي على أهمية هذا البرنامج ودوره الحيوي في ولادة وظهور أفلام عربية مستقلة ومتميزة فنيا، واستطاع أغلبها أن يحوز جوائز عديدة في المهرجانات العربية والإقليمية وكذلك الدولية.