الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
زيارة بابا الفاتيكان للمعبد اليهودي وإسرائيل والصراع المكتوم هل هي بداية التراجع أمام الضغط الصهيوني؟
28 أغسطس 2005


روما: منار محمد:
على مدى قرون كان المسيحيون يعتبرون اليهود مسؤولين عن دم السيد المسيح، وكان اليهود ـ ولا يزالون ـ يعتبرون جميع المسيحيين مهرطقين، بينما يعرضون بالسيد المسيح عليه السلام، ويعتبرونه ابناً غير شرعي حملته أمه وهي حائض، وهكذا فإن طبيعة معتقدات الطرفين قد جعلتهما دائماً في حالة عداء، الفاتيكان من ناحيته كان قد عارض منذ البداية قيام دولة إسرائيل، وناصر الحق العربي إلى أن كان عام ستة وثمانين حين فوجيء العالم بالبابا الراحل 'يوحنا بولس الثاني 'وهو يقوم بزيارة معبد يهودي ثم يلتقي بالحاخام الأكبر في إسرائيل، ليتطور الأمر عام أربعة وتسعين نحو إقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين، وفي ظل بعض الانتقادات الخجولة لهذه الخطوات بادر البابا بزيارة المسجد الأموي عام ألفين وواحد، معلناً بداية مرحلة ما أسماه بالحوار بين الأديان، لكن المراقبين اعتبروا أن يوحنا بولس الثاني قد غازل الصهيونية لتسانده في التخفيف من عزلة الكنيسة الكاثوليكية وسط أوروبا العلمانية، بعد أن كان قد حقق بعض النجاح بفضل مساندته الغرب في حربه ضد الشيوعية· ومع رحيل يوحنا بولس الثاني، واختيار بندكت سادس عشر خلفاً له، وهو المعروف بمحافظته وتشدده بدأ الغموض يلف العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل، خاصة وأن البابا الجديد قد تحاشى أية تصريحات علنية فيما يتعلق بملف الصراع العربي الإسرائيلي، رغم أنه كان قد قبل دعوة لزيارة إسرائيل·ثم بدأ التطور العلني في ملف العلاقات بين الإسرائيليين والبابا الجديد عندما انتقدت إسرائيل الفاتيكان على خلفية أنه لم يدن العمليات التي قام بها مسلحون فلسطينيون ضدها في معرض انتقاده للعمليات الإرهابية الأخيرة في انجلترا والعراق ومصر والأردن، وكان الرد حازماً حين صرح الفاتيكان معلناً أنه لا يتلقى دروساً من تل أبيب حول ما يجب عليه قوله أو عمله، لكن وخلال أقل من أسبوعين كان البابا بندكت السادس عشر يزور معبداً يهودياً خلال رحلته إلى مسقط رأسه ألمانيا، بل ويشارك في صلاة عند نصب تذكاري لضحايا المحرقة، فيما وصفه البعض بأنه نوع من الاعتذار، والتراجع عن الموقف السابق، بينما وصفه البعض الآخر بأنه محاولة من جانب الفاتيكان للفصل بين العلاقات مع اليهود كأتباع ديانة، وبين إسرائيل كدولة، وفي اليوم الثالث من رحلته التي استمرت أربعة أيام بادر البابا بلقاء قادة الجالية الإسلامية في ألمانيا، فهل كان ذلك محاولة لإضفاء التوازن على زيارته المعبد اليهودي أم أن الزيارتين تأتيان ضمن مسيرة الحوار بين الأديان التي كان قد بدأها سلفه؟
ما هي حقيقة العلاقات اليوم بين إسرائيل والفاتيكان؟ هل هي صراع الأضداد بين عدوين يتظاهران بالتفاهم؟ أم هي مجرد مناورات لإخفاء التحالف المسيحي اليهودي ضد الإسلام والآخرين توافقاً مع نظرية صراع الحضارات؟ أم أن خطوات الفاتيكان ليست إلا صراعاً من أجل البقاء في عالم يبتعد باضطراد عن الروحانية؟
الخلافات بين الفاتيكان وإسرائيل نوعان: الأولى على المستوى العقائدي، وهي خلافات بين الكاثوليكية وبين اليهود عامة، والثانية سياسية، وهي بين الفاتيكان وإسرائيل كدولتين لهما بعد ديني، حيث تتقاطع بعض مصالحهما·
على المستوى العقائدي يؤمن اليهود بأسطورة تؤكد أنهم شعب اللَّه المختار وأن غيرهم من البشر هم من الحيوانات التي خلقت من نطفة حصان من أجل خدمة اليهود، وإنما خلقوا على هيئة إنسان ليكونوا لائقين بخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم، وهو ما يفسر الإصرار على نقاء الجنس اليهودي ـ هذا إذا أجزنا هذا المصطلح ـ من خلال التشدد في قوانين الزواج للحيلولة دون زواج اليهودي واليهودية من غير اليهود، وفي هذا الإطار لا يعترف اليهود بالسيد المسيح ولا بأتباعه، ويعتبرونهم أعداءً ، لكنهم يؤجلون مواجهتهم، وتؤكد تعاليم التلمود على أن الأضحية الوحيدة الضرورية، بعد هدم الهيكل في القدس هي إفناء المسيحيين حيث الهدف الوحيد من جميع نشاطات اليهود وصلواتهم عندها سيكون هو تحطيم الديانة المسيحية، وبالمقابل يعتبر المسيحيون كافة اليهود مسؤولين عن دم السيد المسيح، هذه الكراهية المتبادلة تبلورت على شكل صراعات ممتدة، بعضها بين اليهود والكنيسة البروتستانتية، على خلفية الاعتقاد بتحول نحو ربع مليون يهوديٍّ من يهودِ أوروبا الشرقية خلال القرنين الماضيين إلى المسيحية، وبعضها بين اليهود والفاتيكان الذي يتهمه اليهود بعدم الدفاع عنهم إبان المذبحة على يد النازي· وعلى المستوى السياسي: يعرف الصهاينة أن الفاتيكان قد عارض وجود إسرائيل منذ البداية، منذ أن رفض البابا بيوس العاشر دعم تيودور هرتزل الأب الروحي للحركة الصهيونية، ومروراً بتوجيه الفاتيكان مذكرة رسمية لعصبة الأمم المتحدة عام اثنين وعشرين ينتقد فيها فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم معارضة الفاتيكانُ تطبيق وعد بلفور وإقامة الكِيان الصهيوني، وتوجيهه مذكرة إلى الحكومة الأميركية عام ثلاثة وأربعين يعبر فيها عن معارضته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وهو الموقف الذي ظل عليه الفاتيكان حتى قيامِ إسرائيل عام ثمانية وأربعين·
يقول رانييري دي ماريا الأستاذ بجامعة روما: حتى ذلك الوقت كان الفاتيكان هو الدولة الوحيدة التي يعترف العالم له بسلطة روحية خارج حدودها، لكنها دولة رمزية تفتقد للقوتين الاقتصادية والعسكرية، وليس للغرب أية مصلحة في التفاهم معها، وبقيام إسرائيل تكونت دولة جديدة تتعدى حدود السيطرة الروحية على أتباع الديانة التي افترضت أنها تمثلها، وتعلن هذه الدولة أحقيتها في ضم أتباع من خارج حدودها، ومنحهم الجنسية، ولها دور اقتصادي وعسكري، والأهم من ذلك أنها تمثل أهمية كبرى للعديد من القوى الرئيسية في الغرب فيما يتعلق بتحقيق المصالح الاستراتيجية وحمايتها، وهنا أصبح الفاتيكان في وضع صعب فيما يتعلق بموقفه من تلك الدولة، ومع استمرار اسرائيل في تدعيم ركائزها بدأ الفاتيكان يفكر في إعادة حساباته فيما يخص علاقاته معها، ولذلك لم يقابل الإسرائيليون أية خطوات إيجابية من قبل الفاتيكان بمثلها، وإنما استمروا على موقفهم المتشدد في تعاملهم مع المسيحية، فأصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً يمنع قراءة جميع النصوص المسيحية، أو حيازتها بما في ذلك الإنجيل، حيث يعاقب بالحبس كل من توجد نصوص مسيحية في حوزته أو يطبع أو يوزع أو يستورد مطبوعات قد تشجع على اعتناق المسيحية· ويشير جورج حداد الكاتب المسيحي والخبير بالشؤون المسيحية، إلى خطورة القبول المسيحي لليهود اليوم رغم تحجر مواقفهم ورفضهم المطلق للمسيحية، ويرى أن ما يحدث اليوم من مظاهر للتفاهم ليس أكثر من التفاف يهودي على المسيحية من أجل تدميرها من الداخل، وإلا فما معنى أن يغير الفاتيكان من موقفه تجاه اليهود مئة وثمانين درجة بينما لا يغير اليهود من موقفهم الرافض للمسيحية شيئاً·
عصر الانفتاح
يقول الصحافي ماوريتزيو توريالتا: أولاً: يجب ألا نبالغ في وصف الخلاف بين اليهود والمسيحيين، فقد كانت وما تزال هناك خلافات أيضاً بين المسيحيين بعضهم وبعض، وهناك أكثر من أربعة آلاف فرقة مسيحية، ثانياً: مسيرة التفاهم التي بدأها يوحنا بولس الثاني لم تكن باتجاه اليهود وحدهم إنما توجهت بالأساس نحو التفاهم مع البروتستانت، ففي عام اثنين وثمانين زار البابا يوحنا بولس الثاني بريطانيا، في زيارة مفعمة بالمعاني التاريخية، وقد زاد من أهمية تلك الزيارة أنها تمت أثناء أزمة جزر فوكلاند، ولأول مرة منذ ما يسمى بحركة الإصلاح الديني، التي أدت إلى نشأة الكنيسة البروتستانتية وانفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية، التقى الحبر الأعظم بكبير أساقفة كانتربيري، آنذاك، روبرت رونسي·
لقد كان ذلك ضمن توجه نحو قبول الآخر، والتغيير السلمي ورفض العنف، وهو نفس التوجه الذي سلكه البابا إزاء الحرب على العراق، فقد وجه انتقادات لاذعة للنزاع الذي سبق الحرب، وحاول استخدام نفوذه لتجنب وقوعها، وبعد الحرب دعا إلى منح الشعب العراقي الدور الرئيس في إعادة بناء بلاده، كما ركز البابا في خطبه على الحروب المنسية في أنحاء العالم، وبصفة خاصة الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط، وإفريقيا، ومنطقة القوقاز، وأميركا اللاتينية·
لقد بدأ الانفتاح على أصحاب المعتقدات الأخرى منذ دعا البابا يوحنا الثالث والعشرين إلى عقد المجمع المسكوني الثاني ما بين عامي اثنين وستين وخمسة وستين، تحت عنوان العلاقات بين الكنيسة وغير المسيحيين، كان المسلمون غائبين تماماً والدول العربية ما تزال في حالة مخاض، وبعضها كان مازال تحت الاستعمار، ومصر الناصرية كانت منخرطة في حرب اليمن وتحت التهديد الإسرائيلي، كما أن الجاليات الإسلامية في أوروبا كانت إما لم تتكون بعد أو ما تزال في حالة تكون، وهكذا تحولت مناقشة العلاقات بين الكنيسة وغير المسيحيين إلى العلاقات مع اليهود تحديداً، وهنا تمكن أحد الكرادلة ـ وهو ألماني ـ من وضع فصلٍ خاص باليهود على جدول الأعمال، يتعلق بالمطالبة بإعفاء اليهود وتبرئتهم من مسؤولية صلب المسيح التي يعتقدها النصارى!
وبعد الكثير من الضغوط والمناورات، نجح اليهود في الثامن والعشرين من نوفمبر عام خمسة وستين في استصدار وثيقة التبرئة من الفاتيكان حيث أعلن البابا بولس السادس في ختام أعمال المؤتمر قرار التبرئة، وعندما تحدث اليهود عن صمت الفاتيكان حيال المذبحة النازية ضدهم أصدر الفاتيكان وثيقة أسماها البابا الراحل 'نحن نتذكر'، للاعتراف بالذنب وطلب الصفح والمغفرة، يعتذر فيها لليهود عن موقف الفاتيكان أثناء المذابح النازية!·· وكانت فكرة إصدار الوثيقة قد أخذت طريقها للتنفيذ، خلال مؤتمرٍ عقد في روما عام سبعة وتسعين، قيل أنه سيراجع ويعدّل عدة نصوص دينية في العهد الجديد 'الإنجيل' لتحاملها على اليهود، كما سيتم تعديل إنجيلي 'متى' و 'بولس' وقصة التلاميذ برمتها!!
يقول القس روبرتو لاورينزو: نعم هذا إصلاح فكري ونصي، ونحن ننتظر نفس الشيء من اليهود، وليس فقط اليهود بل أيضاً المسلمين، وزيارة البابا بيندكت السادس عشر إلى ألمانيا تضمنت زيارة للمعبد اليهودي ولقاءً مع القيادات الدينية الإسلامية لتشجيع الطرفين على التواصل مع الكنيسة·
العرب غائبون
لقد كان الفاتيكان حساساً باستمرار إزاء الدولة الصهيونية بسبب حرصه على عدم تعريض علاقاته بمسيحيي الشرق من جهة والدول العربية من جهة أخرى إلى ما يعكّر صفوها، في المقابل كانت تل أبيب تلح وتصر على تمتين العلاقات بينها وبين الفاتيكان لجهة استكمال تحسين صورتها الكاملة في العواصم الغربية وكسب الرأي العام في الغرب، لذا فإن الضعف العربي هو الذي فتح الباب في النهاية لعلاقات كاملة بين الفاتيكان وإسرائيل·
يقول الناشط اليساري فاليريو بوفارديتشي: لقد كانت مؤسسة الفاتيكان هي أول مؤسسة في الغرب تستقبل وجوهاً فلسطينية وعربية كانت ممنوعة من دخول العواصم الغربية، وقد دعا الفاتيكان إلى تدويل القدس ومعنى ذلك إعتبار القدس ملكاً للأديان السماويّة الثلاثة وهي الإسلامية والمسيحية واليهودية، وظلت تل أبيب تتهرب من هذه الفكرة وتعتبرها طوباوية باعتبار أن الفكر الصهيوني قائم على فكرة أن القدس التي فيها هيكل سليمان هي ملك تاريخي لليهود، كما أن قسماً من العرب قد رفضوا الفكرة أيضاً باعتبار أن تدويل القدس يجعل قضية القدس شأناً دولياً وليس عربياً وإسلامياً!
مبادرات الفاتيكان لم تكن فقط باتجاه اليهود وإنما أيضاً باتجاه المسلمين، فقد بادر البابا يوحنا بولس الثاني بأول زيارة يقوم بها رئيس للكنيسة الكاثوليكية في التاريخ إلى مصر ، التي تضم أكبر مجتمع مسيحي في الشرق الأوسط من حيث العدد، وإن كانت غالبيتهم من الأقباط، حيث زار جبل سيناء وأقام قداساً في دير سانت كاترين، وهناك دعا إلى حوار بين المسيحيين والمسلمين واليهود، كما تضمنت جولته عام ألفين وواحد سوريا، تلك الجولة التي أراد أن يتبع فيها خطى القديس بولس، حيث زار المسجد الأموي ليصبح أول بابا على الإطلاق يدخل مسجداً·
وإذا كان الكيان الصهويني قد نجح في الحصول على اعتذار رسمي من الفاتيكان لليهود، فقد كان هذا نتيجة الجهد اليهودي، وإذا كانت الكنيسة الغربية قد قتلت مليون مسلم في إسبانيا، وشردت وطردت مليوناً ثانياً، ونصرت مليوناً ثالثاً بسبب محاكم التفتيش، ولم يعتذر الفاتيكان رغم ذلك للمسلمين، فهذا سببه الغياب العربي والإسلامي، وليس الفاتيكان وحده الذي لم يعتذر للعرب أو المسلمين، فالدول الغربية كلها اعتذرت لليهود عن الهولوكوست، ودفعت لهم التعويضات المالية والمعنوية، بينما لم تعتذر للشعوب العربية والإسلامية عن فترات الاستعمار الطويلة، هذا بسبب الضعف العربي ليس إلا·
اختطاف اليهودية
الصراع بين اليهود والكنيسة البروتستانتية انتهى بالتفاهم بين الجانبين، وبموجب هذا التفاهم ساهمت الكنيسة البروتستانتية في مد الجسور بين إسرائيل والحكومات الروسية ما بعد العهد الشيوعي، لقد كان ذلك مثالاً صارخاً على قيام إسرائيل باختطاف القضايا اليهودية من أجل تحقيق المكاسب المتوالية، وبخلاف إدارة إسرائيل لعلاقتها مع العواصم الغربية وخاصة واشنطن على أساس المصالح المتبادلة، والقواسم الاستراتيجية بين الطرفين، تدير إسرائيل علاقتها مع الكنائس المسيحية على أساس تحويل أية خطوات تتخذها تلك الكنائس باتجاه الانفتاح على اليهود إلى إجراءات تخدم الفكرة الصهيونية الأساسية، وهي بذلك تحاول الدمج بين اليهودية كدين ومعتقد وبين إسرائيل كدولة ذات مصالح·
وبالتنسيق التام بين مجموعات الضغط المتكونة من الناشطين اليهود داخل المجتمعات الأوروبية وبين السياسة الإسرائيلية ذاتها تم تحقيق ذلك الهدف، بدءاً من إعلان رئيس أساقفة بالتيمور في نيويورك الكاردينال لورنس شيهان عام تسعة وستين وثيقة أقرها الفاتيكان عن العلاقات اليهودية الكاثوليكيّة، تنص على وجوب اعتراف الكاثوليك بالمعنى الديني لدولة إسرائيل بالنسبة لليهود، أي تفهم واحترام صلة اليهود بتلك الأرض، وهو الفكرة التي جعلت اعتراف الفاتيكان بدولة إسرائيل عام اثنين وثمانين يتضمن وصفها بحق اليهود، وليس باعتبارها أمراً واقعاً، ومروراً بإصدار الفاتيكان كتاب يذكر المسيحيين بأن المسيح عبراني وأنه سيكون كذلك دائماً، وتدعو كاثوليك العالم لفهم تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم، وانتهاءً بما تبلور عام اثنين وتسعين من تكوين لجنة عمل ثنائية دائمة تلتقي دورياً تهدف إلى جعل العلاقات طبيعية بين إسرائيل والفاتيكان، تبعها منح البابا أعلى وسام في مجال العلوم لعالم رياضيات إسرائيلي من معهد وايزمان، ثم التبادل الدبلوماسي مع إسرائيل على إثر توقيع الفلسطينيين اتفاقات أوسلو، وهكذا تحولت العلاقات بين الكاثوليكية واليهود إلى علاقات بين الفاتيكان وإسرائيل·
صراع الحضارات
إن فكرة صراع الحضارات هي فكرة يهودية بالأساس ، وقد بشر بها كيسنجر وغيره من القيادات اليهودية قبل هيننجتون، فالأسطورة اليهودية تبشر بمعركة هرمجدون النووية في سهل مجدو في فلسطين، بعد هدم المسجد الأقصى، حيث ستكون المواجهة الكبرى حسب الأسطورة بين اليهود يؤازرهم البروتستانت وبين المسلمين، وهو ما يكاد يتطابق مع فكرة صراع الحضارات التي تضع كلاً من اليهود والمسيحيين في مواجهة المسلمين، ويقوم اليهود بتجنيد البروتستانت في الغرب من خلال نشرهم لفكرة أن السيد المسيح سيظهر في القدس ليحكم العالم، بعد ظهور إشارات متعلقة بالشعب اليهودي، وبالتالي فإن قيام إسرائيل هو أعظم خطوة نحو تحقيق الأسطورة، بحيث يطالب هؤلاء البروتستانت مراكز القرار السياسي الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ثم يشجعون على إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، وقد وضع الصهاينة مجسماً للهيكل، يتم تأهيل كهان الهيكل وتدريبهم في معهد ديني خاص في القدس، ويجمع اليهود البروتستانت في أوروبا وأميركا الأموال الطائلة من أجل إعادة بناء الهيكل·
لكن فكرة صراع الحضارات تعتمد على اعتبار أن انضمام جميع المسيحيين للمعسكر الصهيوني هو أمر محتوم، لكن لابد من الإشارة إلى أن الكثيرين من الرموز المسيحية يعارضون الفكر الصهيوني بشدة، فهذا رئيس الكنائس الإنجيلية في فرنسا القس جان أرنولد دو كليرمون يصرح خلال عيد الأضحى المبارك قائلاً: إننا في أجواء عيد، ولكن العيد يأتي هذه السنة وقلوبنا يعتمرها الأسى والحزن لما يعانيه أبناء شعبنا في فلسطين من قهر وضيق وعدوان يمارسه عليهم المحتل الإسرائيلي في ظل صمت عالمي مريب يتستر وراء حجج واهية تقود إلى جعل الضحية جلاداً والجلاد ضحية، وهذا الأب جورج مسوح مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في جامعة البلمند يبين موقف المسيحيين المشارقة من المسلمين الرافض للعنصرية الصهيونية، قائلاً: لقد بدأ بالمسيح عهد جديد لا يقوم على التمييز العرقي أو الإثني أو القومي، وأخيراً هذا الأنبا شنودة بابا الأقباط الذي لا يعترف بوجود إسرائيل، ولا يسمح للأقباط بزيارة القدس ومعالمها الدينية وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويعتبر أن فلسطين بلد عربي مسلم يتعايش فيه المسلمون والمسيحيون بمحبة وأمن وسلام، بل هناك من اليهود من يعارض الفكرة الصهيونية ذاتها، وهناك في الولايات المتحدة حركة يهود ضد الصهيونية، كما أن هناك أصواتاً يهودية أخرى تعارض وجود دولة إسرائيل·
الصدام الأخير
ربما كان استدعاء إسرائيل سفير الفاتيكان لديها بدعوى استيضاح سبب عدم ذكر البابا لإسرائيل في سياق إدانته للإرهاب مجرد بالونة اختبار لقياس رد الفعل، فقد قالت إسرائيل إن البابا لم يذكر تفجيراً انتحارياً وقع في نتانيا وأسفر عن مقتل خمسة إسرائيليين، وهو ما سيفسر حسب الخارجية الإسرائيلية عن منح الشرعية للهجمات الإرهابية على اليهود، لكن الفاتيكان رفض الانتقادات الإسرائيلية، واعتبر أنه لا يمكنه إدانة كل هجوم يقوم به المسلحون الفلسطينيون ضد إسرائيل لأن الردود الإسرائيلية العسكرية غالباً ما تشكل خرقاً للقانون الدولي، وجاء في البيان الذي صدر عن المكتب الإعلامي للفاتيكان: لذا سيكون من المستحيل إدانة الأول 'الهجمات على إسرائيل'، والسماح للثاني 'الرد الإسرائيلي' أن يمر دون انتقاد، وهنا صمتت الخارجية الإسرائيلية، ولم تعلق عليه·
يقول الباحث أومبرتو جاننيني: إن رد الفاتيكان الحازم على الانتقادات الإسرائيلية التي تعرض لها على خلفية أنه لم يدن العمليات التي قام بها مسلحون فلسطينيون ضد إسرائيل قد أوضح أن البابا الجديد لن يسهل ابتزازه إسرائيلياً، أولاً لأنه ألماني تعرض شخصياً للاضطهاد النازي، وبالتالي فلا مجال لابتزازه بقصة الهولوكوست، وثانياً لأنه يعرف أن التقارب مع إسرائيل لن يفيده كثيراً فيما يتعلق باستعادة الحضور داخل أوروبا العلمانية، خاصة في ظل إدراك أوروبي متعاظم لحجم التهديد الإسرائيلي للفلسطينيين والعرب، على عكس ما كانت تشيعه إسرائيل من تهديد العرب لبقائها منذ أربعين عاماً، هذا الوضع الجديد يوفر للبابا قدراً من الحرية في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي· ويرجع جاننيني دعم البابا يوحنا بولس الثاني للحرب الغربية ضد الشيوعية لأسباب متنوعة، أولاً: لأنه شخصياً كان أحد ضحايا الاضطهاد السوفيتي، وثانياً: لأن حرب الإلحاد السوفيتي كان يخدم في الأساس الفكرة الروحية التي يفترض أنه يمثلها، ثالثاً: أنه كان في حاجة لبعض الدعم الغربي لتغطية مقاومته للتيارات العلمانية من خلال دفاعه عما اعتبره مسيحياً أو أخلاقياً، فهو قد عارض القوانين التي تسمح بالطلاق، ورفض الإجهاض، وزواج المثليين، وحقوق غير المتزوجين، عوضاً عن رفضه تجارب الإخصاب، وهي الأمور التي ما كان يمكنه الدفاع عنها لو لم يكن رجل الغرب المؤثر في حربه ضد الشيوعية، والتقارب مع إسرائيل كان نوعاً من البرجماتية التي فرضتها ظروف الفاتيكان، فهل يتحرر البابا الجديد من تلك القيود، ويعيد التوازن لعلاقة الفاتيكان بكل من إسرائيل والعالم العربي؟

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©