صحيفة الاتحاد

تقارير

تمرد ساحل العاج.. تكلفة باهظة

هاجم نفر من الجنود المنشقين يوم 6 يناير ثكنة عسكرية في «بواكه»، وهي المدينة الثانية في ساحل العاج من حيث الأهمية بعد العاصمة أبيدجان، وتسببوا بموجة تمرد واسعة ترددت أصداؤها الصادمة قي كل أرجاء هذه الدولة التي تقع في غرب أفريقيا. والآن، وبعد انقضاء ست سنوات على نهاية الحرب الأهلية المدمرة، تستعيد ساحل العاج التي نجحت في إقامة الاقتصاد الأسرع نمواً في القارة الأفريقية، كابوس حكم العسكر بدلاً من القادة السياسيين، وباتت مهددة بخطر عودة الحرب الأهلية.
وقال موسى كوليبالي، وهو أحد مواطني «بواكه»: «استيقظنا على رعب سرى في أوصالنا لأننا لم نكن نعرف من أين تأتي أصوات إطلاق النار من البنادق».
وسرعان ما انتشر التمرد إلى سبع مدن أخرى في ساحل العاج بعد أن أقام الجنود الذين كانوا يرتدون الأقنعة، الحواجز ووعدوا الناس بزيادة الأجور وإغداق المكافآت المالية عليهم وبظروف معيشية أفضل. وبحلول صباح 7 يناير، وصل التمرد إلى العاصمة التجارية أبيدجان، وهو ما أصاب سكانها بذعر شديد.
وبعد أن سادت البلاد حالة من التوتر، توصلت الحكومة إلى اتفاق مع المتمردين تعهدت بموجبه بالاهتمام بمطالبهم بتحسين الأجور وظروف عملهم. وأعلن الرئيس «الحسن واتارا» عن هذه الوعود خلال خطاب تلفزيوني تم بثّه يوم 7 يناير. إلا أن هذه الاتفاقية التي لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، لن تكون كافية للتخفيف من قلق المستثمرين الذين أتوا إلى ساحل العاج خلال السنوات الماضية مدفوعين بنعمة الاستقرار السياسي النسبي الذي شهدته ساحل العاج. وإذا لم تتمكن الحكومة من استعادة حالة الهدوء فإن النمو المدهش لناتجها المحلي الإجمالي الذي بلغ 9% سنوياً منذ عام 2012، سيكون الضحية الأولى للتمرد العسكري الذي شهدته البلاد الأسبوع الماضي. وقال «واتارا» الذي سبق له أن شغل منصباً رفيعاً في صندوق النقد الدولي: لقد شوهوا صورة بلدنا بعد كل الجهود التي بذلناها لتحقيق التطور الاقتصادي، كما أن تعكير صفو الاستقرار قد يقضي على المكاسب الاقتصادية التي حققتها الدولة بصعوبة.
إلا أن هذه المكاسب بحدّ ذاتها، وطريقة توزيعها هي السبب الكامن وراء الأزمة الراهنة. وتشتهر العاصمة أبيدجان بالتناقضات المعيشية لسكانها، فهي مدينة الفنادق الفخمة والأكواخ الخشبية المهترئة، وهي مدينة المقاهي الراقية والأحياء الفقيرة المقامة على حدود مكبات النفايات. وتسابق المانحون في شهر مايو الماضي لتوظيف أكثر من 15 مليار دولار في برامج التنمية لساحل العاج، إلا أن 46% من السكان كانوا يعيشون في فقر شديد عام 2015 وفقاً لتقرير نشره صندوق النقد الدولي.
ولا تقتصر المعيشة المترفة هناك على الطبقة الجديدة لأصحاب رؤوس الأموال. ولقد انتشرت شكاوى عقب التمرد من الفجوة الواسعة التي تفصل بين مستوى معيشة النخبة العسكرية والطبقة الفقيرة. والرجل الذي لعب دور الوسيط في المفاوضات بين الحكومة والعسكر هو اللفتينانت كولونيل (المقدّم) إسحق واتارا المعروف أكثر باسم واتاو، وهو يجسّد هذا الرخاء الذي تتمتع به النخبة العسكرية، وهو الذي استغل منصبه العسكري الرفيع لكسب ثروة طائلة.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يثور فيها الجنود الناقمون على أوضاعهم. ففي عام 2014، نفذ نحو 9000 من الثوار السابقين تمرداً مشابهاً للمطالبة بإعادة صرف رواتبهم الموقوفة مع بقية العلاوات. وفي ذلك الوقت، وجد«رينالدو ديبان» وهو مدير«محموعة الأزمات الدولية»، جنوداً يعيشون ظروفاً قاسية وبعضهم لا يمتلك حتى شبكة مضادة للبعوض ولا سقفاً يحميهم. وعندما كرر زيارته للمنطقة مؤخراً وجد أن الأمور ما زالت على حالها.
وقال المحلل الأمني المتخصص بمنطقة غرب أفريقيا في معهد السلام الدولي آرثر بوتيليس: «أعتقد أننا نرى واتارا الآن وهو يدفع ثمن تأخره بإنجاز الإصلاحات التي وعد بها في القطاع الأمني».
وأشار مسؤولون حكوميون إلى قانون إصلاح المنظومة العسكرية الذي تم اعتماده العام الماضي والذي رصد بموجبه مبلغ 4.2 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتحسين الظروف المعيشية للجنود، وهو الرقم الذي أعلنته وزارة الدفاع في ساحل العاج. وكان من المفترض أن يتم العمل أيضاً ببعض الإصلاحات العسكرية الهيكلية، مثل التركيز على منع تسييس المؤسسة العسكرية وتفكيك طواقم المتمردين السابقين، إلا أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تضايق قادة عسكريين كباراً في الوقت الذي يكون فيه تأييدهم للرئيس مهماً من أجل استمرار حالة الاستقرار.

*محلل سياسي إيفواري مقيم في أبيدجان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»