الاتحاد

تقارير

الصين: مراجعات للنظم النووية

انضمت الصين إلى كل من ألمانيا وفرنسا وروسيا وغيرها من الدول التي أبدت التزاماً بمراجعة برامجها للطاقة النووية في أعقاب الأزمة النووية التي تسبب بها الزلازل والتسونامي اللذان ضربا اليابان مؤخراً. ومن جانبه أعلن رئيس الوزراء الصيني ون جيابو الأسبوع الماضي أن بلاده سوف تفرض حظراً على بناء محطات طاقة نووية جديدة، في ذات الوقت الذي تعمل فيه على تحديث معايير سلامة محطاتها النووية الحالية. غير أن تزايد حاجة الصين إلى الطاقة النووية، يرجح استمرار التزامها بتوسيع شبكة محطاتها النووية. ففي العام الماضي تفوقت الصين على الولايات المتحدة لتصبح الدولة الأكبر استهلاكاً للطاقة عالمياً. وتعتمد الصين على موارد الطاقة الأحفورية لتوفير نسبة 91 في المئة من حاجتها للطاقة، علماً بأن الجزء الأكبر من هذه النسبة يتوفر للصين من موارد الفحم الحجري التي تعرف بأنها الأشد تلويثاً للبيئة.
وقال الرئيس الصيني هو جنتاو إن بلاده بحاجة لتوفير نسبة 15 في المئة من إجمالي الطاقة المستهلكة محلياً من موارد الطاقة المتجددة بحلول عام 2020. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تعمل الصين على تطوير محطات توليد طاقة الرياح والشمس والمياه. ولكنها تتفوق على جميع دول العالم الأخرى في سرعة بنائها لمحطات توليد الطاقة النووية. فهي تعمل حالياً على تشغيل 13 مفاعلاً نووياً، بينما يستمر بناء 27 مفاعلاً آخر، مع التخطيط لبناء 150 مفاعلاً في المستقبل القريب.
وعلى حد قول مارك هيبس -خبير السياسات النووية بمؤسسة كارنيجي للسلام العالمي- فإن الصين تسرع في بناء مفاعلاتها النووية كما لو كانت تخبز كعكعات حامية خلال فترة تراوحت بين 5 و10 سنوات فحسب. وتعادل مشاريع محطات الطاقة النووية الجديدة حالياً في الصين حوالي 60 في المئة من جملة هذه المحطات عالمياً.
لكن عقب الكارثة النووية التي تعرضت لها اليابان مؤخراً، من المرجح أن تكون السوق الصينية أكثر أهمية بالنسبة لبعض الشركات العالمية، لاسيما "ويستنج هاوس" التي تعمل على تصميم الكثير من المفاعلات النووية الصينية الجديدة.
وفي المقابل يتوقع دونالد ستراتزهايم -محلل رئيسي للشؤون الصينية بمعهد الدراسات الدولية- أن تفرض غالبية الدول المتقدمة حظراً مؤقتاً على مشاريع الطاقة النووية الجديدة حتى تتعلم هذه الدول الدروس المفيدة التي يمكن استخلاصها من الكارثة اليابانية. وعلى عكس هذا الاتجاه العالمي، فمن المتوقع في الصين العمل على تلبية تزايد الحاجة إلى موارد الطاقة. وهذا ما يزيد اهتمام الشركات المستثمرة في مجال الطاقة النووية بحاجة السوق الصينية، نظراً لعلم هذه الشركات بأن السوق الصينية هي التي يعول عليها في النمو النووي على المدى البعيد.
غير أن الدخول إلى السوق الصينية له تكلفته الباهظة، حيث تطالب السلطات الصينية الشركات الأجنبية بإنشاء شراكات مع الشركات المحلية، ونقل التكنولوجيا المتقدمة إليها. ورغم المساعدات الأجنبية التي تقدم إلى الصين في هذا المجال، فإن صناعة تكنولوجيا الطاقة النووية هناك لا تزال متخلفة إلى حد ما. فمعظم المفاعلات تبنى بتصاميم قائمة على تكنولوجيا لا يقل عمرها عن 30 عاماً. كما يتركز بناء هذه المفاعلات في الساحل الشرقي من الصين، ما يعرض هذه المنطقة لخطر التسونامي كما يقول الخبراء. إلى ذلك تبقى الأسئلة المتعلقة بما إذا كانت الصين قادرة على توفير العمالة المحلية المؤهلة لتشغيل هذه المفاعلات، ومدى قدرتها على فرض نظم ومعايير السلامة اللازمة.
صحيح أن الصين قطعت شوطاً كبيراً في تأهيل وتدريب المهندسين المحليين، غير أن ذلك ليس كافياً على حد قول "يان فوكيانج"، المستشار الرئيسي لشؤون البيئة والطاقة بمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية. فلا تزال الصين بحاجة إلى بذل مزيد من الجهد في تأهيل كادرها النووي المحلي. وبخلاف ذلك، وفيما لو حدثت كارثة نووية هناك، فلن يكون ثمة أحد قادراً على التعامل معها.
ومن جانبه لاحظ "الاتحاد النووي العالمي" في تقرير له عن صناعة الطاقة النووية الصينية، أنه في حين يمكن تدريب الطاقم الفني المحلي في مدة تتراوح بين 4 و8 سنوات، فإنه من المتوقع أن يستغرق بناء ثقافة سلامة التشغيل النووي مدة أطول من تلك بكثير. وتنعكس هذه المعضلة بوضوح الآن على مستوى التنظيم والرقابة، حيث تقل رواتب العاملين في أقسام الرقابة والتنظيم عن نظرائهم من العاملين في مجال الإنتاج والتشغيل، بينما تنخفض القوة العاملة في الصناعات الصينية نسبياً.
يضاف إلى هذه المشاكل، تأثير ممارسات الفساد على هذه الصناعة في الصين. فقد فصل رئيس "شركة الصين الوطنية النووية" كاجان ريكسن من منصبه في عام 2009، بسبب ما وصف بأنه "انتهاك إداري خطير"، وهو وصف كثيراً ما يتم استخدامه هناك في إشارة للفساد. ثم صدر حكم بالسجن المؤبد بحق رئيس الشركة نفسه في نهاية الأمر.
ويذكر أن محطة "دايا باي" -التي تعد إحدى أقدم محطات الطاقة النووية الصينية، وتقع في محافظة جوانج دونق التي لا تبعد كثيراً عن هونج كونج- شهدت وقوع عدة حوادث طفيفة العام الماضي. وبسبب ضعف نظام التبليغ عن هذه الحوادث، لم تتمكن الشركة الوطنية التي تتولى إدارته من تشخيص الأسباب التي أدت إلى تلك الحوادث بعد.
ونظراً لهذا الفشل الرقابي التنظيمي المتعلق بإجراءات السلامة، فقد رحب منتقدو الطاقة النووية بالحظر المؤقت الذي ستفرضه الصين على إنشاء مفاعلات جديدة، إلى جانب مراجعة نظم السلامة والرقابة الحالية.

بنجامين هاس- بكين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. تي. سي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا