الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المقاهي العربية تعيق التطبيع
المقاهي العربية تعيق التطبيع
28 أغسطس 2005


أحمد إبراهيم:
لا يترك الكيان الصهيوني شاردة ولا واردة تخص العرب إلا ويسارع إلى رصدها، وجمع المعلومات عنها، وتحليلها، بغية التعرف على أثرها وما تلعبه من دور في الحياة العربية، ليس بهدف (التعرف على الآخر) بالطبع بل بغية محاربتها والسعي إلى كسر شوكتها بكل الطرق·
ويبدو أن كل شيء في العالم العربي يخيف الكيان الصهيوني، وهذه عادة مشاعر المحتل والغاصب، يخاف من أقل حركة تصدر عمن احتل أرضهم واغتصب حقوقهم، وآخر صرعة في 'الخوف الإسرائيلي' تأتي هذه المرة من المقاهي التي يجلس عليها العرب للدردشة ليس إلا···كيف؟ ولماذا المقاهي؟ وما السر في خوفهم منها؟
ترصد إسرائيل وبصورة لافتة التحركات الثقافية والأدبية على الساحة العربية ، وهو الرصد الذي يجعلها معنية بكافة المراكز التي توجه هذه التحركات ، ومنها المقاهي الثقافية التي تعتبر مركزا هاما للحياة الثقافية العربية، مما دفع 'الكيان الصهيوني' إلى دراسة هذه المقاهي ورصدها وإصدار العديد من الدراسات والتقارير الصحفية عنها، حتى أن المعهد الإحصائي العام في 'الكيان' أشار إلى أن المعاهد والمراكز البحثية في (تل أبيب) أصدرت في الفترة من عام 1948 أي عندما تأسست إسرائيل حتى بداية العام الجاري 2145 دراسة عن المقاهي العربية ، وهي الدراسات التي تعنى بهذه المقاهي وتأثيرها في الرأي العام العربي ورصد أشهر الشخصيات المسؤولة في كافة المجالات سواء السياسية أو الاجتماعية أو الفنية ممن يترددون عليها·
ومن أبرز هذه الدراسات دراسة بعنوان ' المقاهي الثقافية العربية··· العقبة الأولى أمام التطبيع ' أصدرها 'المعهد الثقافي الإسرائيلي' بمدينة حيفا في الثاني والعشرين من الشهر الجاري ووضعها عدد من كبار الخبراء والمتخصصين في الشؤون العربية وعلى رأسهم شاؤول حزان أستاذ الأدب العربي في جامعة بن جوريون ، وشاؤول ابيثول أستاذ الأدب العربي في جامعة تل أبيب بالاشتراك مع عدد من الباحثين من صغار السن الآخرين·
دور قيادي
بداية توضح الدراسة أن المقاهي الثقافية العربية لا تعد مثل أي مقاهي أخرى في العالم، حيث شهدت ومنذ تأسيسها العديد من الاجتماعات والتحركات السياسية والاجتماعية الهامة التي حركت الشارع العربي بل وقادته فكرياً في العديد من المواقف خاصة فيما يتعلق بالكفاح ضد الاحتلال في مختلف الدول العربية·
وتشير إلى أن الحركة الفكرية والآراء السياسية لأي شعب من الممكن معرفتها من خلال ما يتم تداوله من أراء وأحاديث مختلفة في المقاهي ، وهي الأحاديث التي تعبر عن نبض الشارع وتعامله وتوجهه في أي قضية معينة ، بل وتعتبر المحرك الرئيسي لها ·
وتوضح أن أغلب المفكرين العرب ارتبطوا بمقاهٍ مثلت مركز الإبداع الفكري لهم مثل الروائي العالمي نجيب محفوظ الذي الذي كانت له صولات فكرية هامة في عدد من المقاهي المصرية ، ومثال ذلك مقهى ريش في قلب القاهرة وكذلك مقهى الفيشاوي الواقع في حي الحسين الشعبي·
ويذكر محفوظ كلا المقهيين في أحاديثه وكتاباته وأعماله الدرامية ، حتى أنه أشار في حوار تليفزيوني معه أن بداية فكرة رواية ' الثلاثية ' التي حققت له شهرة واسعة ليس فقط في مصر أو العالم العربي بل العالم كله كانت في مقهى الفيشاوي والجو الشعبي المرتبط بها ، وهو الجو الذي حقق لمحفوظ الدخول إلى جو الأسرة الشعبية المصرية التي تفرعت منها أحداث هذه الرواية ·
أهمية سياسية
وتوضح الدراسة أن المقاهي المصرية كانت وما زالت تمثل أهمية كبيرة في مصر ، ليس فقط من الناحية الفكرية فقط بل من الناحية السياسية ، وعلى سبيل المثال باتت المقاهي في القاهرة الآن مركزا للمرشحين للانتخابات السياسية ، بل وأطلقت بعض المقاهي على نفسها أسماء سياسية تناسب ارتفاع حرارة المناقشات السياسية في مصر الآن ·
ومن هذه المقاهي مقهى كفاية الذي افتتح أخيراً والذي يرتاده أعضاء حركة كفاية السياسية المعارضة، ومقهى الوفد ومقهى التجمع واللذان يعتبران أحد أهم المقاهي السياسية التي يرتادها الساسة المصريون ·
وترى أن ارتباط المصريين بالتحديد بالمقاهي يعتبر ارتباطا تاريخيا وهو ما جعلها تمثل أهمية كبيرة لهم ، وتستشهد بموقفين أساسيين مثلت المقاهي فيهما تحركا سياسيا كبيرا في الدول العربية ، الأول هو ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي في مصر حيث كانت المقاهي الشعبية في كل من أحياء الحسين والأزهر والسيدة زينب والغورية ، وجميعها من الأحياء الشعبية في القاهرة ، الملتقى الأول والأهم لكافة القائمين والمشتركين في مظاهرات 1919 ضد مصر والتي اندلعت بعد نفي الزعيم المصري سعد زغلول إلى جزيرة مالطة مباشرة ·
بالإضافة إلى ثورة يوليو المصرية عام 1952 والتي كشف القائمون عليها سواء في مذكراتهم أو خلال الأحاديث التي أدلوا بها في الإذاعة أو التليفزيون أنهم كانوا يجتمعون في كثير من الأحيان في المقاهي خوفاً من تحركات البوليس السياسي التي كانت ترصد أي تحركات سياسية مريبة في الشارع ·
مقاهي حماس والجهاد
ولم يتوقف الأمر عند مصر فقط حيث تعرض الدراسة للعديد من المقاهي الفلسطينية التي شهدت ولادة الانتفاضة الفلسطينية سواء الأولى عام 1987 أو الثانية عام 2000 ،وتذكر في هذا الصدد عددا من المقاهي سواء بالضفة الغربية أو قطاع غزة أو حتى عدد من المقاهي داخل 'إسرائيل' نفسها ، وهي المقاهي التي شهدت بدورها ثورة عرب إسرائيل ضد حكومة تل أبيب بسبب تعاملها العنصري مع الفلسطينيين ، وهو ما أدى لاندلاع هاتين الانتفاضتين ضد 'إسرائيل' ·
ومن أبرز هذه المقاهي مقهى النصر والحرية في الضفة الغربية ، والمروج وسيتي في داخل إسرائيل نفسها ، والتي تمثل مركزا هاما تجتمع فيه القوى السياسية الفلسطينية سواء الساسة أو المفكرين أو الفنانين بصورة دورية ·
وتكشف الدراسة أن رؤساء أجهزة المخابرات الإسرائيلية منذ أيسار هارئيل أول رئيس للمخابرات الإسرائيلية والذي تولى قيادتها منذ عام 1948 حتى عام 1952 عنوا بهذه النقطة ، وطالبوا العملاء التابعين لهذه الأجهزة بمتابعة ورصد اتجاهات الرأي العام في المقاهي الفلسطينية ·
غير أن أهم رئيس للمخابرات عني بهذه النقطة بالتحديد كان يعقوب بيري الذي تولي رئاسة المخابرات الإسرائيلية في الفترة من عام 1988 حتى عام 1994 وأقام وحدة مراقبة المقاهي ، وهي الوحدة التي عنيت برصد الآراء حول إسرائيل وما يقال عنها خاصة وأنها تحولت إلى مركز فكري هام لمعاداتها وتوجيه الانتقادات لها ·
ولعل هذه الأهمية بالنسبة للمقاهي الفلسطينية تبرز مع القرار الإسرائيلي العسكري الذي يطالب بأن تكون المقاهي أول الأماكن التي تغلق بعد أي اجتياح إسرائيلي للمناطق الفلسطينية ، بل وتحظر إسرائيل على كافة أصحاب المقاهي في المناطق الفلسطينية فتح أبوابهم أمام الرواد في أوقات التوتر السياسي أو العسكري المختلفة ·
ولعل ما عبر عنه اللواء دان هارئيل رئيس القيادة الجنوبية العسكرية في الجيش الإسرائيلي أبرز دليل على هذا حيث أكد أن المقاهي الفلسطينية هي مراكز عسكرية موجهة ضد إسرائيل وتحرض على كراهيتها وذلك قبل أن تكون مراكز اجتماعية أو ثقافية يروح الفلسطينيون عن أنفسهم بالجلوس عليها ·
وزارة الدفاع الإسرائيلية أشارت في تقرير لها صدر في يناير من عام2005 إلى أن 547 عملية عسكرية قام بها الفلسطينيون تم الاتفاق على القيام بها في المقاهي ، وهي الاتفاقيات التي رأى قادة الفصائل المسلحة الفلسطينية أن المقاهي ستكون المكان الأمثل لها ، الأمر الذي يفسر الكراهية التي يكنها القادة العسكريون في إسرائيل لهذه المقاهي وتخوفهم منها ·
كراهية إسرائيل
المثير أن الدراسة تزعم أن أغلب المقاهي العربية تحولت الآن لمراكز أساسية لكراهية إسرائيل خاصة وأنها باتت تقدم حالياً البرامج السياسية في الفضائيات العربية لمرتاديها ، وهي البرامج التي تبث ، وكما زعمت الدراسة ، عشرات البرامج المناهضة لإسرائيل والتي تكشف انتهاكاتها ضد الفلسطينيين ، الأمر الذي يثير حالة من الغضب الشعبي والتفاعل العربي السلبي ضد إسرائيل ، وهو التفاعل الذي يزيد من كراهية العرب لإسرائيل ويضع العراقيل المختلفة أمام تعايش إسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة ، وهو هدف هام للغاية تسعى تل أبيب للقيام به وترصد إمكانياتها المختلفة والمتعددة لتحقيقه ·
وتضيف أن هذه الأجواء التي تعيشها المقاهي لن تساعد على التطبيع مع إسرائيل وما وصفته ب' العهد القادم ' للمنطقة خاصة في ظل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة ، وهو الانسحاب الذي تتوقع تل أبيب بعده تطبيع قوي للعلاقات مع الدول العربية · وتطالب الدراسة بضرورة حث كافة الدول العربية الراغبة في إقامة علاقات مع إسرائيل على إغلاق أي مقهى فكري يعارض وجود إسرائيل في الشرق الأوسط والتطبيع معها · اللافت أن هذا الطلب تقدم به رئيس الوزراء الراحل مناحيم بيجن إلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات إبان الاتفاق على البنود المختلفة قبيل التوقيع على معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل حيث طالب بضرورة إغلاق عدد من المقاهي المعينة في القاهرة بدعوى أنها ستمثل خطراً سواء على جو التعايش والإخاء الذي ترغب إسرائيل في إشاعته في القاهرة ، بجانب أنها ستمثل خطرا على أي إسرائيلي قادم للقاهرة · غير أن السادات رفض هذا الطلب وطالب بضرورة إغلاق إسرائيل كافة المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة بالمثل واصفاً هذه المستوطنات بالمحرض الرئيسي على كراهية العرب ·
وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن هذه المقاهي باتت تمثل عقبة ' فكرية' تمنع العرب من التعايش والقبول بوجود إسرائيل ، الأمر الذي يفرض ضرورة إغلاقها كما سبق ذكره أو تضييق الخناق عليها بأي وسيلة خاصة مع الشعبية التي تحظى بها في الفكر العربي ، كون كل العرب جلسوا في حياتهم على المقاهي ·
المستفز أن الدراسة تشير إلى أن القسم الإعلامي في الخارجية الإسرائيلية يعمل ومنذ فترة وجيزة على نشر إعلانات تحريضية ضد هذه المقاهي في بعض الدول الأوروبية وأمريكا ممن يقبل مواطنوها على زيارة المنطقة من أجل حثهم على عدم ارتياد مقاه معينة في الدول العربية بدعوى أن هذه المقاهي تعتبر مقاهي تحريضية وساهمت في إلحاق أضرار كبيرة لإسرائيل ، ونشر القسم عدد من هذه الإعلانات في بعض من الصحف ووسائل الإعلام في هذه الدول ·
وتأمل الدراسة وفي لهجة عنصرية أن تساهم هذه الجهود في تكبيد هذه المقاهي وأصحابها خسائر كبيرة تمنعهم من الاستمرار في عملهم ومن ثم التحريض على إسرائيل ·
وبالتالي تعكس هذه الدراسة الكراهية الإسرائيلية للثقافة العربية ، وهي الكراهية التي دفعتها إلى المطالبة لإغلاق أحد أبرز المنابر الفكرية التي يرتادها المثقفون وإعلان الحرب عليها متناسية العديد من بؤر التحريض على العرب وكراهيتهم المنتشرة في إسرائيل ، الأمر الذي يعكس العنصرية الإسرائيلية والكراهية التي تبديها لهذه الثقافة·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©