ثماني عشرة دورة متعاقبة لجائزة الأم المثالية يقدمها رواق عوشة بنت حسين في دبي، جائزة أرادت بها الابنة تخليد ذكر والدتها المثقفة، تلك المرأة التي جادت بالعلم في زمن الجهل والأمية، يحمل اليوم رواق عوشة بنت حسين اسمها، لتكمل به مسيرة الأم التي تعلمت ونشرت المعرفة بين بنات جيلها وحرضت الأبناء والصديقات على تثقيف أنفسهم وأبنائهم. رواق عوشة بنت حسين مؤسسة وطنية إماراتية تعنى بشؤون الثقافة الوطنية، وغاية أهدافه الارتقاء بالحالة الإنسانية الإماراتية للوصول إلى مجتمع ناجح، تنمو فيه روح الانتماء والمحبة والإخلاص، وروح المبادرة هي أساس بنائه. تأسس الرواق بجهود فردية قادتها روح شابة هي روح الدكتورة موزة غباش التي ترعرعت في حضن أم كان همها أن ترى أبناءها ذوي علم وذخيرة فكرية. تقول الدكتورة موزة متحدثة عن أمها الراحلة: والدتي واحدة من سيدات الرعيل الأول في الإمارات، اسمها عوشة بنت حسين بن ناصر بن لوتاه، عاشت في الفترة من عام 1939 وحتى 1992، في ذلك الوقت حتى عام 1940 كانت المنطقة تعاني نتائج الحرب العالمية الثانية، وانقطاع الإمدادات عن منطقة الخليج، وكانت دائماً رحمة الله عليها تخبر أبناءها عن تلك الأيام العصيبة، ورغم صغر سنها كانت مكلفة بإدارة شؤون الأسرة والقيام بسمؤولياتها، ما أعطاها الحنكة والخبرة المميزة، خاصة أن أسرتنا كانت بمفوم الزمن السابق أسرة ممتدة تشمل عشرات البيوت، وكان جدي لأمي رحمه الله هو الرجل الأكبر والمسؤول عن كل هذه الأسر، كانت أمي تصف لنا سعيها لتوفير الرزق للفقراء الذين يأتون طالبين الطعام، أو حتى التغاضي عمن تراه يسرق التمر من المخازن. تعلمها القراءة والكتابة تكمل الدكتورة موزة حديثها عن أمها قائلة: تعلمت عوشة بنت حسين القراءة والكتابة هي وأخواتها على يد أحد رجال الدين، ولم يكن من المعيب أن تتلقى المرأة العلم على يد الرجل، لكنها سابقة لم تسبقها إليها امرأة أخرى، وكان ذلك بإصرار ودعم قوي من والدها، وقد وظفت تلك القراءة لتبني وعياً مبكراً، فبعد عودة أسرتها، أسرة آل لوتاه إلى دبي تقريباً في 1948م، وزواج عوشة من والدي عبيد بن غانم بن غباش، توفر للسيدة عوشة الحصول على كتب ومجلات، فكانت تحصل على مجلة “آخر ساعة” و”المصور” وأيضاً “روزاليوسف” و”مجلة” و”صباح الخير”، بالإضافة إلى استماعها وبشكل منتظم إلى إذاعة صوت العرب، التي كانت إذاعة موجهة من الجمهورية العربية المتحدة (الاسم الذي أطلق على اتحاد بين مصر وسوريا استمر ثلاث سنوات ثم حملته مصر قبل تغيير اسمها إلى جمهورية مصر العربية). أصبح صوت المذيع المشهور لصوت العرب أحمد سعيد مألوفا لديها، وهو ينقل أفكار جمال عبد الناصر وأخبار الثورة في مصر، ولذا فقد أطلقت اسم أحمد سعيد على أول مولود في المنزل، وكان المولود ابناً لابنة زوجها وبعدها بسنوات أسمت مولوداً لها باسم جمال، وقد تساءلت الدكتورة موزة كيف لامرأة من دبي في بداية الخمسينيات، أي حين كانت دبي وبقية الإمارات معزولة عن العالم، لا يربطها به إلا جهاز مذياع ولا يوجد بريد أو تلغراف للناس للتواصل، إلا عبر المعتمد البريطاني الذي يدقق في كل شاردة وواردة، كيف لها أن تستطيع أن تكتب لجمال عبد الناصر؟، تؤيده في تأميمه لقناة السويس ومقاومته للعدوان الثلاثي على مصر، وتتواصل معه وكانت رسائلها تقرأ في صوت العرب بصوت أحمد سعيد، وقد احتج بعض أفراد أسرتها على سماع اسمها في الإذاعة. أفكارها تكمل الدكتورة غباش عن أمها قائلة: لم تجد أمي من كان يمكنه أن يؤثر فيها ويدفعها لتكون على ماكانت عليه من العلم والمعرفة، وحين تتأمل محيطها لا ترى أحداً فوالدها الشاعر حسين بن ناصر كان قد توفي وزوجها - والد الدكتورة موزة رحمه الله - لم يكن يقرأ أو يكتب، وكان يعمل مع حكومة دبي ومع المعتمد البريطاني، وقد توفي عام 1990 قبل وفاة عوشة نفسها في 1992، وقد عاشت حياتها ضمن محيط محافظ، ومع ذلك تذكر الدكتورة موزة أنها مارست دورها ضمن مجتمع خليجي، وحررت عقلها بإرادة حرة ورسخت في نفسها ومن حولها احترام الذات، سواء كانوا نساء أو رجالاً. لذا كم كانت تستفزها البرامج التي تتحدث عن تخلف المرأة أو المطالبة بحقوقها، وكانت تقول إن الإنسان تولد معه حقوقه، وهو الذي يختار أن يمارسها أو يتركها لمجتمع يمنحه جزءاً ويأخذ جزءاً آخر أو يسحبها كلها، ولذلك ومن خلال الرواق الذي أسسته الدكتورة موزة باسم والدتها وتخليداً لدورها، يقدم الرواق في كل عام ومنذ عام 1992 جوائز لكل من الأم المثالية والأب المثالي والمعاق المبدع، تحفيزاً وأملاً لكل من يؤدي واجبه حتى نصل بوطننا إلى أسمى درجات الأخلاق والإنسانية. تأسيس الرواق تواصل الدكتورة غباش القول بأنها منذ رحلت والدتها، قررت الأسرة إبقاء اسمها من خلال أنشطة رواق عوشة بنت حسين، الذي كان أول مؤسسة محلية يطلق عليها اسم امرأة في الدولة وهو اسم والدتها، ومنذ افتتاحه قبل أكثر من 18 عاماً، وهم في اجتهاد لتحريك المياه الثقافية، وقد قدم الرواق المئات من الدراسات الميدانية، ونشر أكثر من 45 كتاباً لمثقفين عرب، وشاركت أسرة الرواق من خلاله في العديد من المؤتمرات، إلى جانب الكثير من الأعمال والمساهمات التي تعالج قضايا جوهرية. أم الدكاترة! علاقة عوشة بنت حسين رحمة الله عليها مع أبنائها كانت كافية ليحصل أربعة منهم على درجة الدكتوراه، وتصفها الدكتورة موزة بأنها أم شمولية في التربية، ومتعمقة في القراءة لنفسها ولأبنائها ومن حولها، وقد اعتمدت في حياتها على نفسها حين كان بيتها مفتوحا للأبناء ومن ثم للحفدة، وكانت تنفق على تعليم أبنائها في الخارج من مدخراتها ومن دخل العقار الذي كانت تملكه، ولم تكن بمعزل عمن كان يقصدها لطلب المساعدة، حيث كانت تساعد بصمت.