الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الإعلام عرض بكائيات المستوطنين وتناسى أصحاب الحق الشرعيين
27 أغسطس 2005

شكل السماح للعشرات من محطات التلفزة من كل قطر في العالم لتغطية 'إخلاء المستوطنات' استراتيجية مفادها تحويل المادة الإعلامية المصورة اليوم إلى 'أرشيف سياسي ثمين' مقابل تصاعد المطالبة العالمية بعدم التوقف عند الانسحاب من غزة مستقبلاً·
وفي إطار هذه الاستراتيجية مثلما شدّد المحرّرون الإسرائيليون على عرض فيديوهات قديمة لإخلاء مستوطنة 'ياميت' من سيناء اثناء تداول قانون 'إخلاء المستوطنات' في الكنيست كضرورة للتعبير عن 'صعوبة وعناء' الجيش الإسرائيلي والمستوطنين على حد سواء في ترجمة هذه الخطوة على أرض الواقع·
للإعلام المحلي الإسرائيلي الدور الرئيسي طبعًا· فهذه 'البكائيات' التي عرضت على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف اليومية والتي رافقتها موسيقى شرقية حزينة (فجأة شرقية!)، لا يغيب عنها طابع 'الخلفية' المهنية· فلم يرافق 'مصنع التقارير الحزينة' أي تفاصيل عن حقيقة الأرض التي أقيمت عليها هذه المستوطنات إلا في بعض 'مقالات الرأي' التي لا تعبر إلا عن رأي كتابها·
فأين اختفت التفاصيل الواقعية منها والتقنية؟ ولماذا لا يذكر هؤلاء أن مساحة المستوطنات تقع على ثلث مساحة قطاع غزة المحتل؟ لماذا لم يقل هؤلاء إن المستوطنين يستولون على 25 في المائة من مجموع مصادر المياه في قطاع غزة؟ أين اختفت كلفة حراستهم وتنظيف حدائقهم على يد عمال أجانب من تايلندا؟ أليس هذا هو جزء من الإخلاء؟ ولماذا اختفت فجأة قضية التعويضات الهائلة التي نالها هؤلاء؟ لا بل والأنكى أن الإعلام يلاحقهم الى الفنادق التي انتقلوا اليها وينشر 'تحقيقات' مفادها بأن فندق 'غصن الزيتون' (خمس نجوم) في القدس الذي انتقل اليه بعض المستوطنين تنقص حفاظات لأطفال المستوطنين ويرافق التقرير طبعًا موسيقى شرقية حزينة·
لا يهم اليوم ما إذا كانت دموع المستوطنين المنهمرة على أطلال ليست لهم، هي دموع تماسيح أم لا، كما لا يهم تعاملهم مع الجنود· فلا ثمن للنقاش أصلاً في الوقت الذي تنقل هذه الدموع ليس فقط لتحتل القنوات الإسرائيلية انما العالمية أيضًا· فمثلاً صحيفتا 'الجارديان' و'الاندبندنت' البريطانيتان (اليساريتان) والمهتمتان بشؤون الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي نشرتا على الصفحة الأولى صورًا لأطفال المستوطنين يبكون على بيوتهم المهدومة على يد أهاليهم· كان التقرير إسرائيليًا بموجزه وسياقه ويعرض 'معاناة' هؤلاء بترك بيوتهم، لإثبات مقولة 'التنازلات المؤلمة' التي 'ضحى' بها شارون على أبواب غزة· مخرجين المادة الإعلامية من سياقها التاريخي لتكون هدية لرئيس الوزراء في المملكة المتحدة الحليف المستقبلي المهم·
وسبق أن كتبت 'الجارديان' في كلمة التحرير بأن على كل العالم دعم شارون 'لاجتياز هذه المرحلة الصعبة'· مقالات ما هي إلا هدية لشارون متناسية القانون الدولي الذي يحظر الاستيطان مع توقيع بريطاني أيضًا عليه!
في حال طرق الباب القانوني للقضية، فهل يسمح القانون الذي اتخذ في الكنيست للمجندين بالبكاء مع المستوطنين والتحدث إلى الإعلام بأن هذه المهمة صعبة وهم ينفذونها رغمًا عنهم؟ اليست هذه خيانة للقانون؟ أم أنّ المؤسسة الإسرائيلية معنية بإظهار 'مطاطية القانون' ودموع هؤلاء الجنود مستغلين الإعلام لاظهار الجندي الإسرائيلي بصورته الحنونة وليست صورة القامع المحتل· أين القناصة الذين ظهروا في تحقيق 'يديعوت أحرونوت' قبل عام وتحدث أحدهم بانه يشعر 'بالنشوة' عند قتل الفلسطيني؟ اليس هو من نفس الجيش الأخلاقي؟ وأين الجنود الذين تصوروا بجانب جثث الفلسطينيين؟ فجأة كلهم حنينون مجردون من السلاح وبخدمة الإعلام!
ما ينقله الإعلام اليوم لا يعبر إلا عن صورة قاتمة وموحشة تختزل معاناة شعب على هذه الأرض· وتمامًا كما كانت هذه الخطة 'أحادية الجانب' رافقها الإعلام بتغطية 'أحادية الجانب'· فحين نجتث القضية من سياقها نستطيع منحها المعنى الذي نريد في الوقت الذي نريد ونوظفها في خدمة من نريد· خاصة في ظل غياب إعلام عربي موضوعي وحقيقي يخدم القضية الفلسطينية كما يخدم الإعلام العبري قضيته·
أما الرواية الفلسطينية حول عدم شرعية المستعمرات وبقاء المعابر والموانىء تحت سيطرة الاحتلال، وفظائع المستعمرين وهوية ارض قطاع غزة التي تعرضت للسطو المسلح عام 1967 على يد الإسرائيليين الذين سبق وهجروا آلافًا مؤلفة من اللاجئين فيها من بيوتهم داخل اراضي 1948 فقد غابت بشكل شبه كامل· وقد وصل الى اسرائيل نحو 4 آلاف صحافي من العالم بينما هبط يوميًا 200 آخرون للمشاركة في تغطية العملية التي تخللتها فصول مسرحية متفق عليها بين الجيش وقادة المستوطنين الذين ما انفكوا 'يتخاصمون' ويتعانقون بتأثر درامي·
وليس سرا ان عدد المستعمرين في بعض مستعمرات غزة لم يتعد أصابع اليد الواحدة وفي الأيام الأولى للإخلاء كان الكثيرون منهم قد غادروا طواعية لكن الجيش ظل يدفع بالمزيد من قواته المعززة ويضاعف من جنوده ضمن مساعي التهويل الدعائية وكأنه يوشك على دخول معركة بينما كان يخطط في الواقع لاحتلال عدسات التلفزة، وقد نجح بذلك إلى حد كبير · وفي كثير من التقارير اليومية لشبكات 'السي· إن· إن' و'الفوكس نيوز' و'سكاي نيوز' وغيرها تعددت القصص والوجوه الصحافية لكن رسالة السطر الأخير بقيت واحدة: 'كارثة' اقتلاع صاحب الدار وأولاده من منزل بناه وأقام فيه بجوار مزرعته عشرات السنين· وعلى سبيل المثال كانت هذه الشبكات تبث احيانا بعض صور المنازل والمنشآت التي احرقها او اتلفها المستعمرون لكن دون تعليق او تفسير، ودون ان يتم فضح نزوع المستوطنين للعنف، ودون الإشارة الى عدم قانونية استيطانهم بموجب قرارات الشرعية الدولية·
لا شك أن الحرب الإعلامية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي حول 'فك الارتباط' في جولتها الحالية تعدم تكافؤ الفرص لحظة انطلاقها لأسباب موضوعية· ففي الشوط الأول من هذه المواجهة الإعلامية كان من الطبيعي ان تتركز الكاميرات على القصة الجارية لا في تقارير ارشيفية سيما وانها تنطوي على مختلف عناصر الدراما الصحافية من دموع ونار ومشادات كلامية وجسدية وهالة 'تاريخية'· كما ان سيطرة الاحتلال على حركة الصحافيين ومنع المراسلين الفلسطينيين (700 مراسل) العاملين في الصحافة الدولية من مغادرة مدن القطاع ودخول المستعمرات قد أثر على النتائج النهائية لتغطية الحدث· وربما تجد من يقول إن أغلبية الإعلام الأميركي والأوروبي متعاطف بطبيعة الحال مع الموقف الإسرائيلي جراء اعتبارات غريبة، ومع ذلك لا بد من ملاحظة النجاح الإسرائيلي في الجانب الإعلامي من الإخلاء ومحاولة الإفادة منه·
وقبيل بلوغ ساعة الصفر كان الإسرائيليون قد اعدوا خطة إعلامية ليست خارقة لكنها عملية ومفيدة وتساعدهم في كسب نقاط مع بدء موسم الحصاد السياسي الوشيك· بداية أدرك الاحتلال (مكتب الناطق بلسان الجيش) حيوية تيسير المهمات التقنية وتوفير الأدوات اللوجستية المطلوبة للبث الالكتروني بدءا من تشكيل مركز إعلامي دولي وترتيب مؤتمرات صحافية مكيفة، مرورا بتنظيم سفريات منظمة ومجانية وتوزيع المشروبات، وانتهاء بتقديم الشروحات الذكية التي تسوق كعلاقات عامة لا كنشاط دعائي يستهدف التأثير على التغطية ذاتها مباشرة· وأردفت منظمات يهودية مختلفة هذا المجهود الرسمي بتوزيعها 'هويات' وأنواعا من الحلوى تحمل اغلفتها عناوين مواقعها على الشبكة العنكبوتية مليئة بالشروحات حول حجم الألم الناجم عن تصفية 'مشاريع العمر الناجحة' في المستوطنات· وفي المقابل لم تستنفد السلطة الفلسطينية كل إمكانياتها لتسويق الرواية الفلسطينية والتأثير على تقارير الإعلام الغربي ودفعه لموازنتها· ويبدو ان سلسلة إجراءات عفوية قد حلت مكان استراتيجية إعلامية متكاملة تقتضيها الظروف والمعركة المقبلة على مصير الضفة الغربية طالما ان البندقية ليست السلاح الوحيد في المواجهة· أما ان يركن الفلسطينيون لعدالة قضيتهم فهذا غير معقول فالمحق عليه ان يكون حكيما ايضا، سيما وان سالب الحق يتمتع بقدرة فائقة على 'خربطة' الأوراق وتزوير الحقيقة· حتى الآن لم يرق الجهد الإعلامي الفلسطيني والعربي الى المستوى الكافي لموازنة قصة تفكيك المستعمرات عبر تجهيز تقارير مهنية وحقيقية عن جرائم الاحتلال منذ بداية تهجير أهالي غزة·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©