الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
صالح هواري: زهرة الحرية واحدة في كل العالم
27 أغسطس 2005


دمشق-عمّار أبوعابد:
من شاطئ بحيرة طبريا الفلسطيني إلى جنان غوطة دمشق، امتدت رحلة الشاعر الفلسطيني صالح هواري، وتكوّن هاجسه الشعري· ومع آلام مرحلة اللجوء تفجرت شجون الطفولة والشباب شعراً يفيض بغنائية عذبة حزينة، لفتت الانتباه إلى هذا الشاعر الطالع من عذابات الغربة وأشواق الحنين·
ولد صالح هواري على شاطئ بحيرة طبريا عام ،1938 ولجأ مع أسرته إلى دمشق بعد نكبة فلسطين عام ،1948 وبزغ نجمه الشعري في أوائل الستينات، وتألق بدءاً من العام 1968 مع قصيدته الرائعة (أنشودة الفارس الغريب) التي فازت بالجائزة الأولى في جامعة دمشق، وتوالت مجموعاته الشعرية الثلاث عشرة بدءاً من (المطر يبدأ العزف) و(أم أحمد لا تبيع مواويلها) و(أغاني أيوب الكنعاني) حتى مجموعته الأخيرة (طويت عليك جناحي)· وقد حاز العديد من الجوائز الأدبية السورية والعربية، وكان له حضوره المميز في مهرجانات الشعر العربية·
يمتاز شعره بالسلاسة والغنائية الشفافة مما جعل العديد من الملحنين يختارون قصائده لتكون أناشيد وطنية، وله أكثر من مائة نشيد وطني بينها نشيد جيش التحرير الفلسطيني·
صالح هواري متفرغ للشعر حالياً، وهو الآن مقرر جمعية الشعر في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وحول تجربته الشعرية وموقفه من الشعر كان لنا معه هذا الحوار:
* ظل الشعر الفلسطيني يمثل أحد روافع الكفاح الشعبي على مدى سنوات، فهل ترى أن دوره تغير، وما الذي يقوله الشعر الفلسطيني الآن؟
** انبثق الشعر الفلسطيني مواكباً مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار، وعاش رحلة النضال والنزوح والمعاناة، وساهم في صنع التاريخ الذي أضاء صفحاته المناضلون الفلسطينيون بما قدموه من تضحيات، واستطاع هذا الشعر أن يبلور تميزه من دلالته التاريخية وارتباطه بقضية شعب، تصدى لشتى أنواع الممارسات الصهيونية العنصرية المرتبطة بقوى الظلم والظلام في عالم أطبق عينيه عن رؤية الحق· وبفضل هذا التميز استطاع الشعر الفلسطيني أن يكتسب بعده الكوني وينتشر متجاوزاً خصوصيته في التعبير عن القضية الفلسطينية وانطلاقه إلى الفضاء الإنساني ينشر أجنحته الخضراء على كل مضطهد في العالم وقع ضحية الظلم· وها هو ذا يحمل مشعله ويقف على حافة الكون ليعلن بكل جرأة وتحد أن زهرة الحرية في كل العالم واحدة ولا بد للدفاع عنها أنى وجدت·
شك وتغيير
* ينظر البعض إلى الحداثة على أنها تجريب، والبعض الآخر يمارس الحداثة على أنها تقليد، فكيف تنظر إلى الحداثة؟
** إذا قلنا إن الحداثة تجريب فذلك يعني أنها دعوة إلى الخلق والتجاوز ونفض غبار النمطية والتكرار عن كاهل النص، لخلق فضاء تتحرك فيه مفردات النص بكل حرية، والذي يمارس الحداثة على أنها تقليد إنسان قاصر يطوف في فلك المحاكاة بأجنحة غير قادرة على تجديد ريشها، والحداثة برأيي وعي ثاقب بوجوب التغيير وجرف كل ترسبات السلفية السلبية، وهدم جدران المرحلة لإقامتها على أسس جديدة· ويعجبني رأي غالي شكري الذي يرى أن الحداثة تصور جديد للإنسان والكون، وهذا التصور هو وليد ثورة العالم الحديث في كافة المستويات الاجتماعية والفكرية والتكنولوجية· وحين تأتي الحداثة تأتي عصارة لعملية نقدية تؤدي إلى الشك في الأسس القديمة وعدم قدرتها على صنع التطور وتحقيق معنى الكشف·
* لماذا لا تكتب قصيدة النثر، وهل ترفضها؟
** قصيدة النثر عمل إبداعي يصعب الخوض فيه رغم تحلله من الوزن واتكائه على حرية الحركة، واحتياجه إلى أدوات فنية تناسبه· فعندما أعلنت قصيدة النثر ثورتها على كل التقاليد الشعرية الموزونة خسرت الإيقاع الخارجي لتربح الحركة الداخلية التي تتشكل في نسيج يسوِّر فضاء النص ويقود إلى إشاعة التوتر الذي يقود بدوره إلى صدمة الغرابة والغموض· وأنا معجب بكل نص نثري ممتلئ بالشعر بغض النظر عن الأمور الأخرى·
الألم المبدع
* في قصائدك مرارة عميقة وألم، فهل هذا وجع في الذاكرة وحنين أم تشاؤم؟
** حين أكتب القصيدة أغلي بهواجس الراهن الذي أكابد مرارته، وأعاني كثيراً وأنا أطلق الفكرة من إسار الروح المخضبة بألم الغربة القاسية· وما يزيد هذا الألم هو تلك الإحباطات التي تتناوش واقعنا العربي من كل جانب· والشاعر الحقيقي الذي يكتب بدمه وأعصابه لا يستطيع إلا أن يتأثر بكل هذا· وألمي هذا لا أعتبره سوداوية وتشاؤماً، إنه الألم المبدع الذي يقود الغيوم السوداء إلى شفة النبع المشققة بتجاعيد العطش·
* يتفق النقاد أن شعرك يمتاز بالعفوية والغنائية، وبعده عن الغموض والتعقيد، هل تراه أنت أيضاً كذلك؟ وكيف تكتب القصيدة؟ ومتى؟
** الشاعر الذي يحمل قضية واضحة كالشمس لا يمكن إلا أن يعبر عنها بأدوات فنية واضحة وخالية من الغرابة والإبهام· وأسعى دائماً من خلال قصائدي أن أبتعد قدر الإمكان عن التقرير والمباشرة، وأصوغ المعاني بصور شعرية تفوح منها نكهة الحداثة· وتظل الغنائية تلف قصائدي بخيوطها الشفافة، كما تلف الفراشة ضوء المصباح· أما كيف أكتب القصيدة ومتى، فأنا شاعر التدفق والهوس الداخلي الذي لا يهدأ، أكتب وأنا ماش، وأنا أنظر إليك، وأنا آكل أكتب، وأنا أكتب أكتب· الشعر يطاردني بعصاه الرحيمة وشيطانه الملهم أنى كنت· إنه الهذيان الذي يصنع من الفوضى مملكة خلاياها من زهر الألم وعسل الروح·
* هناك شعراء داخل فلسطين المحتلة عام ،1948 وهناك شعراء في الضفة والقطاع، وهناك شعراء في المنافي خارج فلسطين· بماذا يتميز الشعر في المناطق الثلاث، وما هو القاسم المشترك بينهم؟
** لا فرق بين شعر هؤلاء وهؤلاء، ما داموا يحملون القضية ذاتها· فكل منهم يغمس ريشته في محبرة الهم الفلسطيني الواحد، ويغني من أجل فلسطين ويتغنى بشهدائها وبطولات أطفال الحجارة الذين يتصدون بصدورهم العارية لمجنزرات الصهاينة· إن أجمل ما في الشعر الفلسطيني هو تلك القدرة الفائقة على التسلل إلى أعماق الوجدان بما يحمله من قوة على التأثير وجمال التصوير· والقاسم المشترك بين الشعر الفلسطيني في الضفة أو في القطاع أو في يافا أو في الشتات هو الصرخة الواحدة في وجه الاحتلال والإيمان بعدالة القضية والنضال من أجلها والإصرار على العودة وعدم الرضوخ لممارسات العدو· إنه شعر الحب والنضال والحق والثورة·
صحوة متأخرة
* لك عدة مجموعات شعرية صدرت خلال الأربعين سنة الماضية، هل حملت كل مجموعة تطوراً ما في شعرك؟
** طبعاً، فأنا في كل مجموعة أحاول أن أتجاوز المرحلة الفنية في التعبير إلى مرحلة أكثر تطوراً وتميزاً، ففي كل مجموعة تجد سمات جديدة في الشكل والأدوات الفنية التي حرصت دائماً على تجديدها وبث روح الحداثة فيها· أما ما ينظم مجموعاتي كلها فهو ذلك الخيط التعبيري الملتزم بقضايا الإنسان· وأقول لك: إنني في المدة الأخيرة جنحت إلى كتابة تجربتي الذاتية التي أغفلتها سنوات عديدة لانشغالي بكتابة القصيدة الوطنية الملتزمة· لقد صحوت متأخراً على نداءات تجربتي الذاتية، وكان علي أن ألبيها منذ فترة طويلة· غير أن نداء فلسطين كان الأغلب، قادني إلى نبعه قبل أن يقودني قلبي إلى قلبي· لذا كتبت القصائد الوجدانية التي تأخرت كثيراً عن تلبيتها·
* تكاد تكون من الشعراء الفلسطينيين القليلين الذين أعطوا للنشيد اهتماماً كبيراً حتى حفلت الإذاعات بأناشيدك، كم نشيداً كتبت؟ وماذا يدفعك لكتابة النشيد؟ ثم ألا تتسلل المباشرة إلى بعض شعرك؟
** كتبت عدة أناشيد وطنية وقومية لإذاعة دمشق، حيث كتبت نشيد (كل شيء للوطن/ كل شيء للقضية) ونشيد الزحف الكبير (بالعزم بالإصرار بالثبات) ونشيد جيش التحرير الفلسطيني· ولي أكثر من مائة نشيد ملحن ومؤدى في إذاعة وتلفزيون دمشق· والذي دفعني إلى كتابة الأناشيد هو إحساسي الوطني والقومي بوجوب المشاركة في مسيرة النضال العربي ضد أعداء الحياة· ومن وجهة ثانية حبي لكتابة الأغنية، كوني شاعراً ملتزماً تسود الغنائية معظم قصائدي· أما تسلل المباشرة على بعض شعري فذلك يعني أنه لا بد منها أحياناً لأن الإغراق في الرمز خاصة في الشعر يحدث هوة عميقة بين الشاعر والمتلقي· لذا اعتمدت التصوير في التعبير وخففت قدر الإمكان من التقرير·
ينبغي إخراج القصيدة من الخنادق إلى الحياة
إن الشعر الذي أفرزته المقاومة الفلسطينية شعر كفاحي يربط الكلمة بالممارسة النضالية ضد أساليب القمع والاضطهاد التي ارتكبها المحتلون الصهاينة· وقد أجمع الشعراء المقاومون أن الكفاح المسلح طريق للخلاص من الوجود الصهيوني على أنه اغتصاب آثم للحق الفلسطيني المشروع، وظلت القصيدة الفلسطينية مرافقة للمقاوم الفلسطيني أنى ذهب تستقي من كفاحه معانيها وصورها ودلالاتها· ولكن بقاءها معه في الخندق قد خلع عليها رداء المباشرة أحياناً، وخلع عنها ألقها الفني فغدت خطاباً سياسياً تعوم على سطحه رغوة الحماس التي سرعان ما تنطفئ عند أول هبة ريح· لذا فأنا مع الذين يطالبون بخروجها من الخنادق إلى فضاء الحياة الإنسانية لتستطيع أن تخفق بأجنحتها بكل حرية وترصد قضايا الإنسان المعاصر الواقع تحت إرهاصات الزمن الذي كبلته قيود الإمبريالية الظالمة فأدمت ساعديه· وبهذا تكون قد نفضت عن كاهلها رماد الأيديولوجية والشعاراتية وانطلقت إلى أعماق الكون تكتب شرطها التاريخي بريشة الفن الحقيقي المبدع البعيد عن التقريرية الفجة·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©