الثلاثاء 24 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المنجد يعيدنا إلى الفراش الوثير
المنجد يعيدنا إلى الفراش الوثير
26 أغسطس 2005
بيروت ـ عماد ملاح:
التنجيد من الحرف القديمة، وصاحب هذه الحرفة كان يجول في الأحياء والشوارع والقرى، منادياً على حرفته: ' منجد ··· منجد '، وهو كان يحمل أدوات المهنة اللازمة، اذا كان يقوم بعمله في منازل زبائنه·
اليوم حرفة التنجيد في طريقها الى الإنقراض إلاّ في ما ندّر، في القرى وبعض الاحياء الشعبية، بعدما دخلت الفرش والألحفة المصنعة البيوت على نطاق واسع وشبه شامل·
هناك من يرى عكس هذه المقولة، حيث يعتقد ان هذه المهنة مستمرة لارتباطها بتفاصيل حياتنا اليومية، وميل الناس الى الراحة والرفاهية· إلاّ أنه في زمن الغلاء يوازن المنجد بين أجره ونفقاته فيرفع اجره، وترتفع أثمان القماش والقطن والصوف· لذلك يصبح الزواج معضلة، ومسكين ذاك الذي ينظر في النتائج بعد ذلك، من دون النظر في الاسباب!عندما نشاهده يجذب انظارنا الى قوسه الطريف، وهو 'يندف' القطن أو الصوف، والى يده الرشيقة وهي تشكل بالأبرة، أشكالاً ورسوماً على فراش او لحاف·
المنجّد صاحب حرفة متجول، يحل ضيفاً على كل المصاطب و'الصالونات'، يجوب الشوارع والازقة، ويحمل في صوته وعداً بجديد·
اليوم نراه استقر في محل مزدان بالقماش والقطن والصوف، ولا نرجع اليه حتى ينجز عمله، ففي محله الضيق مندف آليّ يهدر وغبار يتكدّس، ولا مكان تجلس فيه، من اجل ان تمتع النظر بقوس ومدقّة يندف بهما، أو يد رشيقة ترسم وتبدع· فالقوس المشدود بوتر فولاذي، المنتهي بلوح خشبي مخرّم، لم يعد يفي بالحاجة، فتقاعد ثم انقرض، وحل محله مندّف آلي يندف في دقائق ما يندفه القوس في يوم·
والمنجد الذي يتفنن في تشكيل زوايا اللحاف وتزيينه بما طاب من الرسوم، تنافسه اليوم آلة تنجيد ولكنها، كما يقول المنجدون، مثل 'التران' لا تحيد عن السكة ولا تحسن الرسم والتنويع· غير ان استقرار المنجدين ليس عاماً، فما زال بعضهم يجوب الشوارع والازقة، باحثاً عن رزقه، حاملاً وعداً بجديد وفألاً ، لكن الذي تغيّر كثير·
فالمنجد يخسر باستمرار بساطته وعفويته ويصبح تاجراً، والصوف المعتبر حشوة مثالية، يزاحمه القطن المستخرج من الثياب المستعملة، ويندر ان تفكر ربّة بيت بتجديد الفرش و'التكايا'، قبل ان تهلك ويصعب استخدامها· ومن كان يعد لزواجه عدداً كبيراً من اللحف والفرش 'والتكايا'، اكتفى بالقليل، او عزف عن الزواج لكثرة الأكلاف، الاّ من كان ميسوراً، وما أقل الميسورين في أيامنا·
ومن حسن الطالع ان التنجيد مهنة لا تنقرض، لارتباطها بتفاصيل حياتنا اليومية، وهي آخذة بأسباب التطور، لسعي الانسان الدائم الى الرفاه، ولا يزال الفراش شرطاً من شروط الاستقرار والتحضر، وليس مستهجناً أن اول ما يفكر المهجر في نقله الفراش، يشدّه الى ظهر دابة او سطح سيارة· والفراش الذي توّحد شكله في العالم وتوحدت وظيفته، يتسم في كل مجتمع بخصائص قليلة تميزه، فاللبناني ينوّع ويكثر، فينجد فراشاً عربياً ومسنداً وتكايا يسميها 'يستقيات'، ويغطي كل ذلك بملحفة او ملاّية، ويستخدمها على الارض او فوق الاسرة، وهو يستخدم كل ذلك الخام والحرير 'والساتان'· وهذا الاخير مرغوب فيه غطاء لحاف او طرفي وسادة·
قوس المنجّد
المنجد هو واحد من أشهر الحرفيين وأكثرهم اتصالاً باحتياجاتنا اليومية، لكن الحرفة تراجعت بنسب كبيرة، بسبب شيوع الفرشة المصنوعة آلياً، وبتغير تركيبة السرير وحلول ارضيته الخشبية محل ارضية النباضة (الراسور)، ولكن بقاء التنجيد اليدوي يفسّر في المقابل بمتانته وبرغبات الناس حتى أتحفنا منجّد آخر بمثل: 'لولا اختلاف النظر لبارت السلع'·
وبمقدار ما يفتح الموضوع أبواباً على المتغيرات والازمات، فانه يثير ذكريات، اذ طالما شاهدنا المنجد المتجول، فشدّ انظارنا الى قوسه الطريف والى يده الرشيقة، يزورنا في المنازل ليجدد أثاث المفروشات على مختلف انواعها وأشكالها، وحالياً استقر في متحفه، نسعى اليه، لنرى القماش والصوف والقطن والاسفنج ايضاً، ولنمتع النظر والسمع بقوس ومدقة كان يندف بهما، في يد رشيقة ترسم وتبدع·
يقال إن القوس المشدود بوتر هو من 'مصران' البقر او الماعز، المنتهي بلوح خشبي مخرّم مثل صدر العود، وهو لم يعد يفي بالحاجة فتقاعد، وحل محله مندّف آلي يندف في دقائق ما يندفه ذاك في ساعات·
ولكن الذي تغيّر كثير هو المنجد الذي يخسر باستمرار شيئاً من تلقائيته، ويضطر الى تقصير الوقت الذي يبذله في الفرشة او اللحاف، لان الأجر قليل ولا يستأهل التعب·
والفراش الذي توحد شكله في العالم، وتوحدت وظيفته، يتسم في كل مجتمع بخصائص قليلة تميزه· فاللبناني مثلاً ينوّع ويكثر، فينجد فراشاً عربياً وآخر افرنجياً، ولحافاً عادياً ووسائد ومساند و'تكايا' و'يستقيات'، وكان يكثر كلما ازداد عدد افراد الاسرة، فيضيف الى اثاثه فرشاً للضيوف، قبل ان تصبح السيارة عادة لا تأتلف مع عادات الضيافة، اذ تعود بالزائرين الى منازلهم، فلا ينامون عند الاقارب والاصحاب في القرى البعيدة·
المنجد الحاج صالح
حول حرفة تنجيد الفرش، تحدث خالد صالح عن حكايته معها فقال: اعمل في هذه المصلحة منذ حوالي 55 سنة، قضيت منها خمس سنوات في طرابلس والباقي في حارة صيدا القديمة، لم أعمل في حياتي في مجال آخر او امتهنت عملاً معيناً، اتيت الى هذه الحارة التي تسمى بـ'حارة اليهود'، وتميزت بعملي ومهارتي فكانا خير شاهد على شهرتي· لم أسع الى تعليم اولادي المهنة، لكني استطعت ان افتح محلين لهم لبيع الاقمشة والبرادي من أجل السترة والعيش الكريم·
وأضاف: يتم استعمال القطن والصوف لتنجيد الفرش، ولكن اجد ان الاقبال على شراء الفرشات الاسفنج هو الاكثر طلباً، لانها لا تستنزف وقتاً كثيراً لكي يأخذها المستهلك، ثم انها عملية، انما تبقى فرشة القطن صحية ومريحة 'وملوكية'·
وختم صالح: أجمل موقف صادفته في حرفة التنجيد، ما حصل معي ذات مرة، عندما صنعت جهاز عروس وعريس، وعدت وصنعت جهاز ابنتهم التي بلغت من العمر 25 سنة·
فن مستمر
المنجد ابو عادل قال إن هذه المهنة فن قائم بحد ذاته، وهو يعمل فيها منذ ان كان عمره 12 سنة، وتنقل في مصر وسوريا والعراق وتركيا قال: تاريخ هذه الحرفة يعود الى عشرات السنين، وهي انتشرت في معظم الدول العربية احببت 'التنجيد' لانها مهنة الفن والذوق· نحن لا نملك 'كاتالوجات'، وانما نعمل حسب طلب الزبون، من اجل ارضائه بعض الناس يطلبون فرشات من القطن او الصوف، وهذا ما اعتبره مؤشراً جيداً لانه لا يزال هناك من يعرف قيمة الاغراض· اما بالنسبة للحاف فهناك من يفضل نوعية 'الداكرون' الذي يمتاز بالقماش الخفيف الذي يغسل بسرعة ويحمل اينما كان، لكنه ليس صحياً اطلاقاً·
وعن الفن في الحرفة قال: الفن في ما أرسمه على اللحاف: ورود، طواويس ونجوم، وكل هذا يتم بالأبرة والكستبان، وقد علمت اولادي في الجامعات من وراء التنجيد·
الناظر اليوم في اسباب ازمة الزواج، لا يعدم ان يكتشف في غلاء الفرش، سبباً اساسياً من اسباب العزوف عن الزواج وتأسيس الاسرة فالكلفة لجهاز من فرش ولحف ووسائد وتكايا تبلغ الرقم الباهظ، نتيجة لغلاء الصوف والقماش والقطن وأجور المنجدين، وهذا الواقع دفع الى انحسار التقاليد المعروفة بفعل الازمة الاقتصادية، حيث يحمل العروسان الى بيت الزوجية، فيما يحملان 'جودلين' من 'الساتان'·
المهنة والغلاء والزواج
المنجد يوسف البيضا المقيم في مزبود تحدث عن المهنة والغلاء والزواج، فقال: أزاول هذه الحرفة منذ عشرين عاماً، وتعلمتها من صديق وحوائج التنجيد هي القوس الذي لم يعد يستخدم اليوم الاّ قليلاً، وهو منظر لجذب انتباه الزبائن، لان طاقته على الندف محدودة، وقصارى ما كنا نندفه في اليوم لا يتعدى الاربعة كيلو غرامات من الصوف او القطن، وهو كمية نندفها بالمندف الآلي في نصف ساعة· والادوات الباقية اي 'العدة' فهي مندف آلي وعصا معدنية للندف ايضاً، وعصا لتسوية الفراش، وكستبان وابرة وخيط·
وأضاف: التحسن الذي طرأ على المهنة كان في النقوش والرسوم التي نشكلها بالابرة والخيط، فنحن نرسم حسب الطلب، قلوباً وبركانا وغير ذلك، وانا أرسم ما احفظه وابتكر وأتفنن·
وحول الآلة التي تنافس المنجد اليوم، قال: هناك آلات تنجد وبعضها وصل الى لبنان، ولكن الآلة لا تحسن ما نحسنه، هناك درزات دقيقة ومساحات ضيقة لا يمكن للآلة تنفيذها· الآلة مثل 'التران' لا تحيد عن السكة، ونحن نستطيع التحكم في القطبة، لذلك يفضل الناس شغلنا·
وعن العمل في المنازل قال: اجمالاً الفراش ننجده في المنازل، اما اللحاف فنحمله الى المحل لحاجتنا الى المندف الآلي، والفراش أكثر ربحاً، ولا أذيع سراً ان الاتفاق مع الرجال أيسر منه مع النساء، لأنهن يساومن كثيراً ويقللن الاجرة!!!·
اما عن طاقة الانتاج اليومي قال المنجد البيضا: حسب حركة الزبائن، ففي ظروف عمل عادية انجد يومياً ثلاثة لحافات او اربع فرش، وزبائني كلهم 'عرايس' اضافة الى من يستطيع تجديد الفرش· وهم تقريباً اليوم غير الماضي، البعض يستدين، انما من يحتاج فراشاً فهو مضطر الى التنجيد حتى لو استدان، ومن لا يملك المال فعليه ألا يتزوج· فأنا ادخلت اولادي المدرسة وفي نفس الوقت اعلمهم 'الصنعة'، فاذا لم يفلحوا في الوظائف، مستقبلهم مضمون في المهنة، فقد تدور الايام، لأن الراوتب محدودة في الوظيفة وانا شخصياً أفضل المهنة·
العمل اليدوي والآلة
عملية البحث عن المنجدين سهلة في مدينة صيدا، وأقل صعوبة في بقية المدن والقرى، لاسيما ان محترفات بكاملها نجدها في صيدا القديمة، ومنها محترف محي الدين البابا الذي ألحق بمتجره المتخصص ببيع القماش، العديد من المنجدين المصريين والخياطين اللبنانيين، يقول الحاج البابا: ورثنا عن والدي مهنة التجارة والتنجيد، والاخيرة حرفة مكملة لعملنا، الذي يشكو حالياً من كساد السوق، والسبب الازمة العامة، تصور ان معظم زبائننا كانوا من الفلاحين، الذين يأتون الينا لتنجيد فراشهم وبعض أثاث منازلهم بعد تصريف مزروعاتهم، الآن لم نعد نراهم لان لا مال لديهم·
ويزيد البابا بانه اشترى آلة تنجيد الى جانب اعتماده على منجدين يدويين، لان اغلبية الزبائن يفضلون العمل اليدوي على عمل الآلة، فاليدوي أجمل وأمتن·
ويقول المنجد حسن زبيب الذي يأتي من بلدته تفاحتا، ان الاسفنج صار حشوة الى جانب الصوف والقطن، لان الاول ارخص والشغل به أسرع، وبسبب شيوع الفرشة الجاهرة تراجعت الحرفة، الاّ ان فرشة الاسفنج لا تدوم طويلاً مقارنة بالفرشة المنجدة يدوياً·
عملية البحث عن قوس التنجيد الخشبي القديم، لا بد ان تتم لدى حرفيّ صيدا القديمة، الذين يعرّفون بعمل القوس الذي يحتاج الى فن، خصوصاً بعد وفاة العديد من المعلمين المحترمين، اضافة الى ان القوس تقاعد بسبب وجود المنداف الآلي·
التنجيد حرفة باقية، سواء أكانت يدوية ام ورثتها الآلة، ما دام في الانسان هذا النزوع الى الرفاه، ولكنها عندما تتراجع على مستوى العمل اليدوي، فانما تعكس تغيراً في الاذواق، وتطوراً في كثير من نواحي الحياة، والأسوأ انها في تراجعها تدل على أزمة الزواج، وهي ازمة ناتجة عن ازمة عامة، تقلل عدد الفرش واللحف في منازلنا، وتكثر عدد العازفين عن الزواج، او المنضمين قهراً الى طبقة العوانس، ذكوراً وأناثاً وحرفة لا تؤول الى زوال، ولكن يتقاعد فيها القوس الذي تليق به المتاحف·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©