الاتحاد

ألوان

أهل التقوى مبعدون عن النار

أحمد محمد (القاهرة)

قال ابن عباس: آية لا يسألني الناس عنها، لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها؟، قالوا: وما هي؟، قال: لما نزلت: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون»، شق على قريش، فقالوا: يشتم آلهتنا؟، فجاء ابن الزبعرى فقال: ما لكم؟، قالوا: يشتم آلهتنا، قال: ادعوه لي، فلما دعي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله؟، قال: «لا بل لكل من عبد من دون الله، فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية - يعني الكعبة - ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون؟، وأن عيسى عبد صالح؟، وأن عزيراً عبد صالح؟، قال:«بلى»، قال: فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى -عليه السلام- وهذه اليهود يعبدون عزيراً، قال: فصاح أهل مكة، فأنزل الله تعالى:«إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى? أُولَ?ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ» (الأنبياء: 98).

شدة العذاب
قال الإمام السعدي، إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره، حصب جهنم، وقودها وحطبها أنتم لها واردون وأصنامكم، والحكمة في دخول الأصنام النار - وهي جماد لا تعقل وليس عليها ذنب- بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وكل من العابدين والمعبودين فيها خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها، لهم فيها زفير من شدة العذاب وهم فيها لا يسمعون صم بكم عمي، أو لا يسمعون من الأصوات غير صوتها، لشدة غليانها، واشتداد زفيرها، ودخول آلهة المشركين النار إنما هو الأصنام، أو من عبد وهو راضٍ بعبادته.
وأما المسيح وعزير والملائكة ونحوهم - ممن عبد من الأولياء - فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى، سبقت لهم السعادة في علم الله وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة، أولئك عن النار مبعدون فلا يدخلونها، ولا يكونون قريباً منها، بل يبعدون عنها غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها، وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون من المآكل والمشارب والمناكح والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب.
لا يحزنهم الفزع الأكبر، لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة، حين تقرب النار، تتغيظ على الكافرين والعاصين فيفزع الناس لذلك الأمر وهؤلاء لا يحزنهم، لعلمهم بما يقدمون عليه، وأن الله قد أمنهم مما يخافون، وتتلقاهم الملائكة إذا بعثوا من قبورهم، وأتوا وفداً لنشورهم، مهنئين لهم قائلين هذا يومكم الذي كنتم توعدون فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم، بما أمنكم الله من المخاوف والمكاره.

الطريق الأمثل
قال محمد أبو زهرة، في «زهرة التفاسير»، بعد أن بيّن الله تعالى، جزاء الأشرار، وأنهم يجزون سيئات ما فعلوا، ذكر - سبحانه - جزاء الأبرار، فقال: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، سبقت في علم الله تعالى، وقدرها لهم، وسلكوا سبيلها، واهتدوا إلى طريقها.

اقرأ أيضا