السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
وحش في ثيــاب رجـــل!
26 أغسطس 2005

سعاد جواد:
تنظر إليها فترى التجاعيد تملأ وجهها، ويساورك الاعتقاد بأنها ربما كانت في الستين من عمرها··· عيناها الغائرتان تفصحان عن الهم الكبير الذي تحمله على كاهلها، لونها الشاحب والشعرات البيضاء التي تفر من بين جنبات شالها الأسود الذي تلف به رأسها بعناية، كل شيء فيها يوحي بالألم والمعاناة· تقول بأنها في الخامسة والاربعين من عمرها، وهي تبدو اكبر من سنها لانها تحملت ما لم تتحمله الجبال منذ زواجها قبل ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً ذاقت خلالها شتى أنواع العذاب·
تحكي: 'تزوجت جلاداً لا يعرف الشفقة ولا الرحمة، واصبحت انا وأولادي ضحايا حقيقيين له، لقد أحدث خراباً عاماً وشاملاً للجميع، سنوات وانا اركض في المحاكم سعياً وراء الطلاق للتخلص منه، فلم يتحقق لي ما أردت ولكن عدالة السماء أنصفتني، وخرج من حياتي بعد كل تلك المجازر الدامية التي أحدثها لنا نحن أسرته وأقرب الناس إليه'·
كان زوجها يعاني من اضطراب في الشخصية، فهو يستخدم العنف يومياً في سلوكه مع أسرته، حياتها معه كانت عذاباً متواصلاً لا نهاية له، كان يتلذذ بشعورها بالألم أحيانا يضع لها سم الفئران في الحليب ويسقيه لها بالقوة ثم يراقبها وهي تتألم فلا يأخذها إلى المستشفى وإنما يتركها تتلوى من الوجع وهو مسرور بمشهد العذاب الذي تعيشه·
حياة قاسية
إلى من تلجأ وإلى من تشكو؟ وهي يتيمة منذ طفولتها، نشأت في منزل عمها وتعودت ان تعامل كخادمة وليست لها أي حقوق أو طلبات، تعلمت ان ترضى بالقليل من الطعام والشراب والثياب القديمة التي تتصدق بها عليها بنات عمها، كانت صابرة لا تشتكي ولا تعرف التظلم·
تلك الحياة القاسية التي عاشتها في طفولتها جعلتها صبورة وكثيرة الاحتمال، فلم تكن تفكر بان ما يفعله زوجها هو إهدار لكرامتها وإنسانيتها وان لها الحق في ان ترفض تلك الحياة، ان ترفض مسلسل التعذيب والضرب والإهانة، ان ترفض ما يفعله بها، حيث يجلب الأفلام الساقطة ويجبرها على تطبيقها بعد ضربها ضرباً مبرحاً· كان جلاداً لا يعرف معنى الرحمة والشفقة ولا يعلم بان الله له بالمرصاد، كانت تعتقد في البداية بانه يفعل كل ذلك بسبب المشاكل المادية التي يمر بها بسبب راتبه البسيط كسائق وان عجزه عن توفير احتياجات اسرته هو الذي يجعله عنيفاً إلى هذه الدرجة· كانت تبحث له عن الأعذار باستمرار، فهي لم تنسَ بان عمها زوّجها له وهي صغيرة، كان عمها يشعر بانها عبء ثقيل عليه، وقد انتظر نضوجها بملل ليتخلص منها، فزوجها لأول من طرق الباب· كان الرجل هادئاً في البداية ووعدها بانه سيجعلها تعيش بأمان وبلا حاجة للآخرين، وعدها وعوداً كثيرة ولكنه لم يف بشيء منها، وكلما جاء الأطفال، وكلما زادت المسؤولية صار الرجل متوحشاً وبلا سبب معقول·
لم ترفض ممارسات زوجها القاسية معها، فكانت لا تملك إلا الصبر والاحتمال على ضربه وإهاناته ولكنه صار لا يكتفي بتعذيبها لوحدها وإنما بدأ بتعذيب أبنائهما الستة، كانوا صغاراً لا يعرفون شيئاً، كان يربطهم إلى السلم ويقوم بجلدهم بقوة حتى تخرج الدماء من أجسادهم، عندها صارت تتدخل وتحاول منعه فيتجه نحوها ويضربها بقسوة ووحشية أمام أطفالها، حتى انها صارت تخاف ان تدافع عنهم، لان دفاعها كان يجعله أكثر وحشية وقسوة معهم وكأنه يزداد عناداً ليقهرها ويمرغ إنسانيتها بالتراب·
لم يكن لديها خيار، فلا أهل يهمهم أمرها، ولا شهادة أو وظيفة تحصل بها على دخل فتأخذ أطفالها وترحل بهم بعيداً عنه وعن العذاب المتواصل الذي يسببه لهم، لذا فقد بقيت معتقلة في سجنه لسنين طويلة تتجرع كأس المرارة والعذاب·
لا أحد يعتني
في احد الأيام كانت تغتسل والصابون على رأسها، فناداها فلم تستجب له، فدخل عليها الحمام وأغلق الماء البارد وفتح الماء الحار على رأسها وضربها بالعصا حتى أغمي عليها، فزع الصغار وخرجوا إلى الشارع يبكون معتقدين بان أمهم ماتت، ذهبوا إلى جارتهم واستنجدوا بها، فجاءت المرأة وشاهدت المنظر، ففزعت واتصلت بالشرطة وأخبرتهم بما يحدث·
عندما حققت الشرطة معه أدعى بان زوجته تمارس الدعارة وانه كان يحاول تأديبها، ألقت الشرطة القبض عليها وحققوا معها، فأثبتت كذبه وأحضرت لهم أشرطة فيديو كان يسجلها بنفسه لبعض سلوكياته الشائنة معها، فأثبتت بأن القضية التي رفعها ضدها كانت كيدية، فردت كرامتها واعتبارها من الاتهام الخطير الذي طعن فيه بشرفها·
لم يكن سهلاً التخلص من مثل هذا المخلوق البشع، حاولت جارتها مساعدتها، فذهبتا إلى المحكمة ورفعت قضية لتحصل على الطلاق، وعندما عرف بما فعلته ضربها ضرباً مبرحاً حتى كاد ان يقتلها، وبقيت القضية معلقة في المحكمة ولم يتم الحكم لها لسنين طويلة·
كبر الأولاد فكانوا اكثر عنفاً من والدهم، أحسوا بأنهم يملكون القوة الكافية لينتقموا منه، فصاروا يضربونه ويطردونه من المنزل، كان أكبرهم في التاسعة عشرة من عمره يليه الباقون كل واحد اصغر من الثاني بعام واحد، لقد كانت نفسياتهم مشوهة بسبب العنف الذي تعرضوا له من والدهم، فكانوا فاشلين بمعنى الكلمة·
خيبة
تقول والدموع تملأ عينيها: 'كنت اعتقد بان أولادي سيعوضونني عن معاناتي مع والدهم عندما يكبرون ويحصلون على شهادات ويعملون ويكونون أناسا نافعين في مجتمعهم، ولكن ما حدث هو العكس تماماً، فقد ازدادت مشاكلي تعقيداً عندما ظهرت بوادر العنف والانحراف عليهم، لقد تركوا الدراسة واتجهوا نحو تجربة المحرمات وجميع المحظورات تدخين، خمر، مخدرات، سرقة، أعمال عنف، أشياء كثيرة سيئة تعلموها بسرعة ولا أدري من أين ولا كيف، لقد ازدادت المشاكل التي يتسببون فيها لي، حيث أنهم يقومون بالاعتداء على الناس ومحاولة سرقتهم وإيذائهم واستفزازهم عبر افتعال الشجار مع هذا وذاك بسبب أو بلا سبب وقد اعتادوا على ارتياد مراكز الشرطة بسبب تلك المشاكل· لقد زرع زوجي الشوك وها أنذا احصده، لقد تحملت قسوته وجبروته وها أنذا أتحمل معاناتي بسبب أبنائي الذين نشأوا فاشلين مدمرين نفسياً وإنسانيا· حتى موته كان قاسياً علينا، فقد وجد مقتولاً وملقى في الشارع بعد تعرضه لطعنات كثيرة في أجزاء من جسده وهو تحت تأثير الخمر، بالطبع فإن أول من اتهم بقتله هو انا وأولادي، فقد تم إلقاء القبض علي أنا واثنين من أولادي، وتم التحقيق معنا كمتهمين في قتله·
معاناة طويلة قضيتها لأثبت براءتي من هذه الجريمة، فمهما كان يفعله بي فلن اجرؤ على التفكير بقتله، لقد خسرت الدنيا وكانت قاسية علي وتحملتها بالصبر طوال تلك السنين، فهل يعقل أن اخسر آخرتي أيضاً، وماذا سأستفيد من قتله؟ لقد أصبح كبيراً وشبه عاجز وهو حتى لا يستطيع أن يدافع عن نفسه من سطوة أولاده، فماذا يفيدني إذا مات؟
أخيراً أفرجوا عني وعن ولدىّ بعد أن عجزوا عن الحصول على دليل واحد يثبت قيامنا بجريمة القتل، ثم قيدت القضية ضد مجهول·
لقد ترك هذا الإنسان تاريخاً حافلاً بالمآسي لا زلت احصد عذابه يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة·
أحاول قدر الإمكان أن أسيطر على أولادي وان أوجههم توجيهاً صحيحاً وان أقوم نفسياتهم المخربة، أقوم بالاستعانة ببعض الأخصائيين الذين تخصصهم الحكومة لمعالجة الأحداث، أحاول وأحاول ولكن كل شيء يبدو صعباً فما أفسده زوجي لا يمكن إصلاحه إلا بمعجزة كبيرة·
لقد مر على وفاة جلادي عشر سنوات إلا أن معاناتي لم تختف بموته، فبالطبع لم أتمكن من إصلاح ما أفسده، ولم استطع إنقاذ نفسية أبنائي التي شوهها، فأكبرهم تزوج وصار يعامل زوجته بعنف وقسوة كما كان يفعل والده تماماً· حاولت أن امنعه ولكن بدون فائدة لذلك فقد نصحت زوجته بأن تنجو بجلدها ولا تجبر نفسها على الصبر وصرت أروي لها حكايتي في عذابي المستمر، وطلبت منها أن لا تنجب المزيد من المسوخ المشوهة الذين لا يمكن إصلاحهم، سمعت البنت كلامي وتركت زوجها وطالبته بالطلاق لتتخلص من أبشع حياة كان يمكن أن تعيشها معه، قررت عدم تكرار التجربة وأخبرت أولادي بأنني لن أشارك في تزويج احد منهم ما دام مصراً على استخدام القسوة والعنف في حياته وما دام عاصياً لربه، وصرت احثهم على الاصلاح والتمسك بتعاليم الدين وصرت ادعو ربي ان يهديهم ويصلحهم لئلا يكونوا نسخاً لوالدهم·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©