الاتحاد

دنيا

محمد النبي.. حمل رسالة أضاءت تاريخ البشرية بالرحمة والعدل

أحمد مراد (القاهرة) - يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى المولد النبوي الشريف، وهي الذكرى الخالدة التي أحدثت تغييرا جذريا في تاريخ البشرية، بعدما نجح رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في أن ينقل البشرية من الظلمات إلى النور من خلال رسالة سماوية أضاءت التاريخ البشري بأنوار الرحمة والعدل.
وفي ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم نرصد شهادات بعض المستشرقين الغربيين عن حياة نبي الإسلام ودوره البارز في خدمة البشرية، وفضائله وصفاته التي تميز بها.
في شهادته عن نبي الرحمة يؤكد المستشرق «ستانلي لين بول» أن النبي محمد تميز بعدة فضائل مثل النبل في الشخصية، والقوة في الصداقة، والصبر، والشجاعة، وقوة التحمل، وبحثه المتحمس عن الحقيقة، وهذه الفضائل خلقت هذا البطل الرائد الذي كان من المستحيل عدم طاعته، أو عدم حبه، وما هي إلا فترة قصيرة حتى عرفه الناس، وأطاعوه، وأخلصوا له جسما وروحا، حتى دانت له شبه الجزيرة العربية بكاملها، ووضعت نفسها تحت أقدام نبي الإله الواحد، ولا يوجد إمبراطور في العالم تمت طاعته بهذا الشكل الذي تم مع هذا الرجل الذي يرتق عباءته. لقد منُح موهبة التأثير على الناس، وكان من النبل بحيث أن تأثيره فيهم كان دائما من أجل الخير، وكان محمد بسيطا في عاداته على الرغم من اهتمامه الكبير بنفسه، فقد حافظ على بساطة اسلوب طعامه وشرابه، وملبسه، وأثاث منزله حتى عندما وصل إلى تمام القوة، والأمر العجيب أنه على الرغم من كل المغريات فقد كان عظيم التواضع، وكانت حياته كلها حجة في الولاء للحقيقة، وكان رده الدائم على الناس: «ما انا إلا بشر في حاجة إلى رحمة الله مثلي مثل غيري».
الضعفاء والمستضعفون
ويقول لين بول: اتصف النبي محمد بالرفق والرحمة، واهتم بالضعفاء والمستضعفين، واختلط بهم، حيث أقر خادمه أنس بن مالك بأنه خدم الرسول «صلى الله عليه وسلم» عشر سنوات ولم ينهره في شيء طيلة هذه المدة . كما كان محمد محبا لأسرته عطوفا وعاطفيا معها، وكان محبا للأطفال يقف معهم في الشوارع، ويربت عليهم، ولم يضرب أحدا في حياته، ولم يلعن أو يسب أحدا، وفي هذا الإطار قال محمد: «لم أبعث لعانا ولكنني بعثت رحمة للعالمين»، لقد عاد المريض، وشارك في كل جنازة مر بها، وقبل دعوة عبد إلى العشاء، ولم يكن يسحب يده أولا عندما كان يسلم على أي شخص، وكان من المدافعين عن الضعفاء، ومن أصحاب الحديث الطيب مع الجميع، والذين رأوه احترموه، والذين اقتربوا منه أحبوه، والذين وصفوه قالوا إنهم لم يروا إنسانا مثله من قبل، أو من بعد.
مشروع طموح
ويشير لين بول إلى أن شخصية محمد تبعث مشاعر الاحترام والتبجيل، والحب إلى أبعد حد ممكن، معترفا بأن شخصية محمد تم الحكم عليها خطأ من قبل الغرب، فهو لم يكن المخطط الطموح لمشروع شخصي، ولم يكن المنافق، أو النبي الكاذب الذي تخيله الكثيرون، لقد كان متحمسا نبيلا عندما يصبح الحماس ملح الأرض الذي يحفظ الناس من التعفن والفساد وهم أحياء، ولم يكن حماس محمد من أجل هدف لا قيمة له، أو أنه حماس غير مثمر. لقد كان حماسه نبيلا، ومن أجل هدف نبيل، فهو رسول الإله الواحد، ولم ينس مرة في حياته من هو؟ وما هي رسالته؟.. لقد أتى بالبشارات السارة لقومه في عظمة وشرف مصحوبين بالتواضع الجميل، ولقد أصاب «توماس كارليل» حين اختار لقب النبي البطل. إذ لم يوجد إنسان غمره الإحساس برسالته أو نفذها بمثل هذه البطولة.
الحياء في التعامل
ويقول المستشرق البريطاني هاملتون جب: من بين كل هذا الكم الهائل من التفاصيل والأحداث في حياة النبي محمد تظهر عظمة الإنسانية، والعطف على الفقير، واللطف الذي لم يتحول أبدا إلى غضب إلا في حالة الاعتداء على الذات الإلهية، هذا بالاضافة إلى الحياء في التعامل الشخصي، وروح الدعابة وهي أمور تخالف المزاج العام السائد وروح العصر والناس، الأمر الذي يعكس الإنسان الحقيقي. إن امتلاك محمد لإرادة وحب أصحابه إنما يعود إلى تأثير شخصيته ويعود إلى صفاته الأخلاقية.
إنكار الذات
ويتحدث المستشرق البريطاني السير وليم موير عن رحمة محمد وعطفه قائلا: إن معلما مهما من معالم شخصيته التحضر والتقدير اللذان عامل بهما محمد أقل أتباعه أهمية. فقد سيطر على سلوكه التواضع، والرفق، والصبر، وانكار الذات، والكرم، وأكسبه هذا حب كل من حوله، لقد كره أن يقول لا لسائل، وإذا لم يستطع أن يحقق طلب سائل التزم الصمت. وكما وصفته زوجته عائشة أن حياءه كان أشبه بحياء العذراء في خدرها، وإذا أغضبه شيء يُعرف من وجهه، وليس من كلامه، فهو لم يغضب من أحد إلا من أجل الله، ولم يسب خادما أو امرأة، ولم يرفض دعوة إلى منزل أحد مهما كان وضع صاحب الدعوة، ولم يرفض هدية مهما صغرت، ولم يمد رجليه إذا جلس مع صديق، وجعل الجميع يشعرون بأنهم مكرمون في صحبته، وإذا قابل أحدا مسرورا أو فرحا لنجاح ما عانقه بحماس وود، وقد تعاطف بشدة مع المصابين والمبتلين، وكان لطيفا مع الصغار والأطفال، ومختلطا معهم إلى حد أنه لا يأنف من أن يلقي عليهم السلام وهم يلعبون، وقد أشرك الآخرين في طعامه حتى في أوقات الشدة والندرة، وكان حريصا على راحة الجميع حوله، وكانت ميولة الرفيقة والرحيمة تسيطر على شخصيته، وكان صديقا مخلصا، فقد عامل صديقه أبا بكر بعاطفة أخوية رومانسية، وعامل عليا بحياد الأب المحب. أما زيد خادم خديجة المسيحي فقد غمره حب محمد الذي تبناه حتى أنه فضل البقاء في مكة عن العودة إلى أهله مع أبيه واستمرت هذه الصداقة بعد موت زيد في ابنه أسامة الذى عامله النبي بعناية فائقة من أجل أبيه.

المساواة أساس التعامل
قال المستشرق القسيس بودلي الذي ألف كتابا عن محمد بعنوان الرسول: إن محمدا يمثل عند الكتاب المؤيدين له والمعارضين البساطة الأبوية، تلك البساطة التي تمثل مصدر القوة الأساسية في الإسلام، وأحد أسباب انتشاره السريع، وقد قضى محمد على كل أشكال التفرقة بين البشر على أساس من الطبقة، أو الفئة، أو اللون، أو العرق، فالمساواة هي الأساس في التعامل، وأثبت منذ البداية أن الاسلام يقوم نظريا وعمليا على البساطة، والميول الزهدية لدي محمد لم تكن بسبب عدم حبه لأمور الدنيا، ولكن كانت بسبب كرمه الشديد، وإنفاقه على الفقراء إلى حد أنه لم يترك شيئا لبيته.
ويضيف بودلي: ويتميز محمد في التاريخ الديني بأنه أتم عمله من دون أن يدعي أنه قديس، أو ملاك بل إنسان بشر، ولا يوجد ما يفرقه عن بقية المسلمين لا ألقاب ولا غنى، ولا أسلوب مختلف للحياة. وعن رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان والجماد يقول بودلي: إن محمدا أحب الحيوانات، ورأف بها، وأشفق عليها، وعلى الرغم من تقديم الأضحيات من الحيوانات في الأوقات المحددة فإنه لم يوافق أبدا على قتل الحيوان من أجل القتل، ولم يقبل صيد الحيوانات الحية، وكان يدعو للحيوان عند ذبحه بقوله: «بسم الله والله أكبر فليمنحك الله الصبر لتحمل الألم الذي كتبه عليك». وقد منع سوء معاملة الحيوانات، ومنع اتخاذ الطيور الحية كأهداف لمسابقات الصيد، وعنف من يحمل الحمير والبغال اكثر مما تحتمل.

اقرأ أيضا