الاتحاد

دنيا

القرآن وعد الذين يطيعون الله ويقيمون سنة رسوله بالثواب العظيم والنعيم المقيم

لقد أشرقت الدنيا بمولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وامتلأ الكون نوراً ورحمة وهداية وعدلاً، وفي هذه الأيام تمر بنا ذكرى ميلاد رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي أنقذ الله على يديه الإنسانية الضالة، وجعله سبباً في استرداد خصائصها الصحيحة ومزاياها السليمة، وأنار للإنسانية بشريعته الخالدة سبل السلام، وأوضح لهم منهاج الخير، فما أجمل هذه الأيام، إنها ذكرى ميلاد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير صلى الله عليه وسلم، كما قال الشاعر:
وُلِد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
إن ميلاد رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- نعمة أنعم الله بها على الإنسانية، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، «سورة آل عمران، الآية 164»، فالله سبحانه وتعالى امتن على عباده ببعث النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- إليهم، وأنه بُعِثَ نعمة، ويجب عليهم أن يشكروا هذه النعمة، لأنه- صلى الله عليه وسلم- يهديهم إلى الصراط المستقيم، كما أن الرسالة التي جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم- رسالة كفلت للبشرية سعادتها في الدنيا والآخرة، فما أحرانا أن نسترجع سيرته العطرة- صلى الله عليه وسلم- التي حملت في طياتها السعادة والرخاء للبشرية جمعاء.
لقد صور أمير الشعراء أحمد شوقي- رحمه الله- حال العالم قبل بعثته- صلى الله عليه وسلم- تصويراً صادقاً حكيماً، حيث كانت عبادة الأصنام منتشرة، كما كان الظلم واقعاً ملموساً بين النّاس، وتنشب الحروب على أتفه الأسباب، وفارس والروم كانتا تعيثان في الأرض فساداً، والناس كالحيتان في البحر يفتك أقواهم بأضعفهم، ذكر ذلك- رحمه الله- في قصيدته المشهورة «نهج البردة»، فقال:
أتيتَ والناس فوضى لا تَمرّ بهم
إلاّ على صنمٍ قد هام في صنم
والأرض مملوءةٌ جَوراً، مسخّرة
لكلّ طاغية في الخلق مُحتكم
الراحمون يرحمهم الرحمن
من المعلوم أن رسولنا- صلى الله عليه وسلم- كان رحمة لجميع المخلوقات، كما وصفه ربه سبحانه وتعالى في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، «سورة الأنبياء، الآية 107»، ودستورنا الخالد القرآن الكريم يرشدنا إلى أن سيدنا محمداً- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام- رضي الله عنهم أجمعين- كانوا رحماء فيما بينهم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)، «سورة الفتح، الآية 29»، إنهم أشداء على أعدائهم، لكنهم رحماء فيما بينهم، وقد حثنا- عليه الصلاة والسلام- على التراحم فيما بيننا، فقال- صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، (أخرجه البيهقي)، ونذكر هنا بعض الأمثلة من رحمته- صلى الله عليه وسلم:
? جاء في الحديث أن رسولنا- صلى الله عليه وسلم- كان جالساً مع أصحابه، فجاءهم رجل من الصحراء بجفاوة طبع أهلها وقسوة قلوبهم، فسأل عن الرسول- صلى الله عليه وسلم، فوجده يقبل- الحسن- رضي الله عنه، فسأل رسول الله مستغرباً: «يا رسول الله أتقبلون صبيانكم؟! فأجابه الرسول- صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال الأعرابي: يا رسول الله، إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ منهم واحداً، فماذا كان جواب الرحمة المهداة- عليه الصلاة والسلام؟ لقد قال له - صلى الله عليه وسلم: «أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يَرْحم لا يُرْحم»، (أخرجه مسلم).
سند السواعد
إن هذا الحديث يبين مدى عناية الإسلام بالأطفال، فهم فلذة الأكباد وسند السواعد، كما أنه يمثل ردًا على بعض الآباء الذين يضيقون بأبنائهم ويقصرون في توجيههم.
? ورحمة رسولنا- صلى الله عليه وسلم - لم تختص بالبشر وحدهم بل شملت الحيوان أيضاً، كما ورد في الحديث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ، حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّه لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»، «أخرجه الشيخان».
بهذه القاعدة العامة «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» سَبقَ النبي- صلى الله عليه وسلم- جميع المؤسسات الدولية التي تهتم بالدفاع عن حقوق الحيوان.
فإذا كان جزاء من سقى كلباً أن يدخل الجنة، فما بالك أخي القارئ بمن يسقي ظمآناً، وَيُطعم جائعاً، ويكسو عُرياناً، ويمسح رأس يتيم، وَيُدخل السرور على قلب حزين؟!!.
فالواجب علينا أن نسير على الهدي القرآني، وأن نتبع التوجيه النبوي، وبعد ذلك نثق بأن رحمة الله سبحانه وتعالى ستشملنا، بفضله وكرمه سبحانه وتعالى، فرحمة الله واسعة، كيف لا؟! وهو الرحمن الرحيم، فرحمته سبقت غضبه، وحلمه سبق مؤاخذته.
طاعة الله ورسوله
لقد بشر القرآن الكريم المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله بالثواب العظيم والنعيم المقيم، كما في قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا)، «سورة النساء الآية 69- 70».
«فقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره سبب نزول الآية، عن ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو محزون، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم: «يا فلان مالي أراك محزوناً؟ «فقال: يا نبيّ الله، شيء فكرت فيه، فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي- صلى الله عليه وسلم- شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) ... الآية، فبعث النبي- صلى الله عليه وسلم- فبشره»، (تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/695).

تأثير في القلوب
فالطاعة هي طريق النجاح والفوز برضى الله سبحانه وتعالى، كما روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: «كنت أبيت عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فأتيته بوضوئه وحاجته ، فقال لي: «سل»، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟ «قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»، (أخرجه مسلم).
لقد كان ميلاد رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- نقطة تحول هائلة في تاريخ البشرية، وفاتحة خير على الدنيا بأسرها، وحين صافح سناه الوجود أشرقت الأرض بنور ربها، وتهاوت قلاع الشرك والوثنية، وارتفعت راية التوحيد وانتصر الحق وزهق الباطل، ولم يعرف التاريخ شخصية أبعد أثراً في النفوس وأعمق تأثيراً في القلوب من محمد- صلى الله عليه وسلم-، الذي نال منزلة دونها كلّ منزلة، واستأثر بحب يتضاءل أمامه كلّ حبٍ سوى حبّ الله- سبحانه وتعالى.
ونحن في ذكرى مولدك يا سيدي يا رسول الله:
نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، فجزاك الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا يا رب من حوضه الشريف شربة ماءٍ لا نظمأ بعدها أبدأ، آمين... آمين... يا رب العالمين.


‎الدكتور يوسف جمعة سلامة
‎خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا