الاتحاد

دنيا

أم سليم.. مفتية ومجاهدة أسلمت مع السابقين من الأنصار

أحمد مراد (القاهرة) - هي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، اختلف المؤرخون في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، وتُلقَّب بالغميصاء أو الرميصاء. وقد أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وتزوجت في الجاهلية قبل مجيء الإسلام، من مالك بن النضر، فلما جاء الإسلام، وظهرت شمسه في الأفق، واستجابت وفود من الأنصار لدعوة نبي الإسلام أسلمت مع السابقين من الأنصار، وعرضت الإسلام على زوجها مالك بن النضر، فغضب عليها، ولم يقبل هدى الله، ولم يستطع أن يقاوم الدعوة، لأن المدينة صارت دار إسلام، فخرج إلى الشام فهلك هناك. وكان اختيار أم سليم الإسلام على زوجها في ذلك الوقت المبكر ينبئ عن عزيمة أكيدة، وإيمان راسخ في وقت كان الاعتماد في تدبير البيت والمعاش وغير ذلك من أمور الحياة على الرجل.
عقلاء النساء
أما زواجها في الإسلام، فعن أنس قال: خطب أبوطلحة أم سليم- رضي الله عنها- قبل أن يسلم فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذاك مهري، لا أسأل غيره. فأسلم وتزوجها أبوطلحة، فكانت بذلك أول امرأة جعلت مهرها إسلام زوجها، فصارت سببًا في دخول أبي طلحة في الإسلام، فحازت بذلك الفضيلة التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم».
وكانت رضي الله عنها من عقلاء النساء، وموقفها مع زوجها أبي طلحة يوم وفاة ولدها يدل على عقل راجح، وحكمة بالغة، وصبر جميل، فعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه مات له ابن، فقالت أم سليم رضي الله عنها: لا تخبروا أبا طلحة حتى أخبره. فسجَّت عليه ثوبًا، فلما جاء أبو طلحة رضي الله عنه وضعت بين يديه طعامًا فأكل، ثم تطيّبت له فأصاب منها، فقالت له: يا أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا من آل فلان عارية، فبعثوا إليهم أن ابعثوا إلينا بعاريتنا، فأبوا أن يردوها. فقال أبوطلحة: ليس لهم ذلك؛ إن العارية مؤداة إلى أهلها. قالت: فإن ابنك كان عارية من الله، وإن الله قد قبضه فاسْتَرْجِعْ. قال أنس: فأُخبر النبي، فقال: «بارك الله لهما في ليلتهما».
قصص مشهورة
وكانت أم سليم تغزو مع رسول الله، ولها قصص مشهورة، منها ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح أن أم سليم -رضي الله عنها- اتخذت خنجراً يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟. قالت: اتخذتُهُ إن دنا مني أحد من المشركين بقرتُ به بطنه، وعن أنس بن مالك أن النبي دخل على أم سليم- رضي الله عنها- بيتها، وفي البيت قربة معلقة فيها ماء، فتناولها فشرب من فِيها وهو قائم، فأخذتها أم سليم- رضي الله عنها- فقطعت فمها فأمسكته.
وعرفت أم سليم بالعلم والتفقه، وكان الناس يسألونها ويستفتونها في أمور المسلمين عامة وأمور النساء خاصة، وفي صحيح البخاري عن عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فكان فيمن سألوا أم سليم- رضي الله عنها- فذكرت حديث صفية رضي الله عنها، أيْ قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قالت: بلى. قال: فَلاَ بَأْسَ انْفِرِي.
وفاء بالعهد
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ». ومما يدل على وفاء أم سليم بالعهد، ما روته أم عطية- رضي الله عنها- قالت: أخذ علينا النبي عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.
وجاءت أم سليم- رضي الله عنها- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له- وعائشة عنده: يا رسول الله، المرأة التي ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه. فقالت عائشة: يا أم سليم، فَضَحْتِ النساءَ، تربت يمينك! فقال لعائشة: بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ، نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَالك. وقالت أم سليم- رضي الله عنها: إنها سمعت رسول صلى الله عليه وسلم الله يقول: «مَا مِنِ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ لَهُمَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
ومن كلماتها المأثورة مقولتها عندما سمعت بقتل عثمان رضي الله عنه فيها: «أما إنهم لم يحلبوا بعده إلا دمًا». وتوفيت أم سليم في حدود الأربعين في خلافة معاوية رضي الله عنه.

اقرأ أيضا