الاتحاد

دنيا

الحلقة المفقودة في بطالة التعليم العالي

تهدد بطالة خريجي التعليم العالي في الدول الأقل نموا والأكثر فقرا بأزمات قابلة للانفجار إذا استمرت بالتراكم لجيل آخر أو أكثر وتحولت لظاهرة «بطالة عليا» ذات تفاعلات خاصة نابعة من الشعور بالذنب على المستوى الفردي والحقد الدفين على المجتمع والقائمين عليه.
شخصياً قابلت الكثير من الحالات الفردية مثل خريج الحقوق الذي يريد بأي شكل العمل كطباع أو «كاشير» في مطعم للوجبات السريعة، أو مثل خريج الهندسة المستخدم في محطة بنزين أو بقالة، أو مثل خريج هندسة الكمبيوتر الذي قرّر العمل أخيرا كحلاّق بعدما أمضى سنوات عديدة منتظرا وظيفة ثابتة فنسي كل ما تعلمه عن علم المعلوماتية والشرائح. وقِس على ذلك من مخرجات العديد من الاختصاصات الأخرى ولا سيما الإنسانية والأدبية التي نجح التخلف في ظلمهم وتصويرهم وكأنهم عبء على تنمية الأمة بدل أن يكونوا منارات وعي لها.
واللافت، أن أزمات التعليم العالي، بكل أبعادها المعروفة لم تكن خافية على أحد من المسؤولين، على الأقل منذ نحو ثلاثين عاما. وإذا نظرت إلى وثائق اجتماعات الوزراء العرب المسؤولين عن التعليم العالي والبحث العلمي تأخذك النشوة من حجم الاهتمام بدءاً من مؤتمر الجزائر (1981)، أي منذ قبل «تفشي» نسبة الإقبال على التعليم العالي، ووصولاً إلى المؤتمر الثاني عشر في بيروت (2009) حيث لم يتركوا مشكلة وبابا إلا ووضعوا له التوصيات والمقررات والاستراتيجيات: التعليم العالي والتنمية في الوطن العربي وتحديات القرن 21 والمستقبل والتميز والإبداع والعولمة وحتمية التطوير والجودة والنوعية وحاجات سوق العمل.
ولكن كل ذلك لم يمنع من أن تصبح نسبة بطالة خريجي الجامعات العرب (تصل أحيانا إلى 50 % في بعض الدول حسب بعض التقارير) أضعاف نسبة البطالة لدى باقي الشرائح، بما فيها الأميّة والأقل تعليماً، وذلك في اتجاه معاكس تماما لمعايير القياس النمطية في أي اقتصادات ناشئة أو نامية. أين الحلقة الناقصة إذن؟
لم يعد صحيحاّ أنها تكمن بمطابقة مخرجات التعليم العالي مع حاجات سوق العمل وغيرها من كليشيهات تقليدية تتكرر في كل أدبيات التعليم العالي منذ عقود. فلم يكن يطابق أحد من عباقرة الاقتصاد العالمي سياسات الجامعات وحاجات سوق العمل عندما تولّدت بفضل ابتكارات طلبة ما زالوا في مقاعد الدراسة عشرات آلاف الوظائف التي أوجدتها شركات مثل مايكروسوف وجوجل وما أدت إليه من ملايين الوظائف الأخرى في العالم.
في محاضرة ألقاها في الجمعية الملكية في لندن في أول فبراير 2010 عن»نهوض جامعات آسيا» قال ريتشارد سي. ليفين، رئيس جامعة يال، إحدى جامعات النخبة الأميركية (رابطة ليفي) إن تطوير الجامعات لتحتل مرتبة عالمية يتطلب ما هو أكثر من المال والتصميم، إنها أصول التربية (بيداجوجي) التي تشجع الطلاب على التفكير بأنفسهم وتعلمهم النقد الصحيح وبناء الحجة والدفاع عنها وتجديد المعلومات والنقاش في مجموعات صغيرة يتوزعون فيها الأدوار المعارضة والمؤيدة لتحدي المشاكل وحلها «ذهنيا».
الحلقة المفقودة إذن هي: التفكير الحر والمنهج النقدي، سر تفوق جامعات النخبة وقدرة الغرب على بسط سيطرته العالمية وخلق فرص متجددة (وإيجاد فرص عمل للخريجين وغيرهم) وقدرة متواصلة على التحكم بالمستقبل، خاصة إذا كان على الجبهة الأخرى حجرٌ للتفكير وكراهية عمياء للنقد.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا