الاتحاد

دنيا

حيران مع الجيران

جدتي امرأة من الزمن القديم كانت تسيطر على كل مجريات الأمور وما يهم جميع أفراد العائلة وليس من حق أحد أن يتخذ قراراً يخص حياته قبل الرجوع إليها، ولم يكن هناك أحد يتذمر أو يرفض، بل كان ذلك عادياً وهو من قبيل تسليم القيادة لها وإدارة دفة الحياة باعتبار أنها مثال الحكمة ورجاحة العقل، لكن ما كنت شخصياً أخافه ولا أرتضيه هو تدخلها في الخصوصيات ما كان له أثر كبير في إحداث المشاكل، وقد تسببت في وصول الأحوال أحياناً إلى طلاق إحدى عماتي الخمس.
خلفية أسرية
جدتي تحشر أنفها في كل صغيرة وكبيرة في حياة بناتها زرعت بينهن الغيرة والمنافسة في ظروف المعيشة فلو أن إحداهن اشترت شقة أو بعض الأجهزة الكهربائية أو سيارة فإنها تحث الأخريات على فعل ما فعلت أختهن حتى لو كانت الأحوال المادية لا تسمح وأزواج عماتي يتنازلون ويستجيبون للمطالب كما لو كانت أوامر واجبة النفاذ، لكن ذلك لم يكن يمر بسهولة وخلق الكثير من المشاكل في بيوتهن ربما لم يستطعن الحديث أمامها عنها حتى لا تتفاقم المشاكل وتصل إلى طريق مسدود حينها يصعب حلها.
ورغم صغر سني وقتها كنت أراقب وألاحظ ما يدور حولي وربما كنت أكثر الرافضين لما يحدث، وأكاد أرتكب حماقة بإعلان رأيي فيما لا يخصني، لكن تمهلت ولذت بالصمت على مضض، طالما أن أصحاب الشأن راضون بما يحدث لهم فلا حق لي في التدخل. ومن جانب آخر فإن أبي وأعمامي وعماتي يستجيبون لها ويسيرون على الطريق الذي تخطه لهم، وإذا كان أي منهم يرفض أو يعترض فعليه أن يعبر عن رأيه بنفسه، ولا أعفي أيا منهم من المسؤولية، لأنهم لا يطرحون آراءهم بحرية، خاصة وأن ذلك لا يتنافى مع الأدب واللياقة.
كل ذلك بكافة تفاصيله الكثيرة كان محفورا داخلي حتى وصلت إلى مرحلة الزواج، وفي الأيام الأولى في عش الزوجية وشهر العسل كان الاتفاق الأول، وفيما يشبه الدرس والتلقين والتوعية لزوجتي أنني حذرتها من شيئين، الأول: هو أن عليها ألا تسمح لأحد بالتدخل في حياتنا وشؤوننا من قريب أو بعيد، ولا قدر الله إذا وقع بيننا خلاف فعلينا أن نناقشه وحدنا من غير أن نجعله يصل إلى أي من أقاربنا والأفضل ألا يعرفه أهلي أو أهلها، والشيء الثاني ألا تنقل ما يدور بيننا خارج جدران مسكننا ولا تسمع لأي نصيحة من أمها أو أخواتها، ولا تحاول أن تقلد أي واحدة منهن فيما يفعلن في بيوتهن فلكل واحد ظروفه ويدير بيته وحياته كما يحلو له وحسب إمكاناته وقد اتفقنا بالتراضي على ذلك، ونقلت إليها أسباب مخاوفي هذه وحكيت لها ما كانت تفعل جدتي فوافقتني الرأي فيما ذهبت إليه.
رأيت أن ذلك مهم في بداية حياتنا ومن قبل أن يحدث شيء من ذاك الذي أتعبني عن بعد، وللحقيقة فإن زوجتي رغم أنها في التاسعة عشرة من عمرها ولم تكن لها خبرة كبيرة في الحياة وإنني أكبر منها بنحو عشر سنوات لكنها استجابت لما اتفقنا عليه ونفذته وقد كانت تبلغني ببعض تلك المحاولات من جانب أمها أو إحدى أخواتها اللاتي يكبرنها فقد دفعنها لتطلب مني أن نستبدل شقتنا هذه بأخرى قريبة من أمها حتى نكون قريبين، ويصبح التجمع ميسوراً علينا، لكنها ردت عليهن بأنها مستريحة في هذا المكان وتحضر بسهولة والمواصلات متيسرة. فقلن لها أن تطلب مني أن نشتري سيارة ولو صغيرة مستعملة فقالت لهن: إن إمكانات زوجي محدودة الآن وعندما تتحسن أحواله فلن ينتظر إلى أن يطلب منه أحد ذلك، وإنه من تلقاء نفسه يحدثني في هذا الموضوع.
طوق نجاة
هكذا باءت المحاولات بالفشل وحتى لو كنا نفترض فيهن حسن النية، لكنهن يغفلن الظروف والقدرات المادية المحدودة لشاب مثلي يعمل ليل نهار ليسدد الأقساط المطلوبة منه؛ فأنا أعمل موظفاً في شركة حكومية وبعدها أزاول بعض الأعمال الحرة لتحسين الدخل والوفاء بالمتطلبات وسداد الديون، وأحياناً أتأخر إلى ما بعد منتصف الليل وأنام ساعات غير كافية، وأستيقظ مبكراً للحاق بموعد العمل، ويوم إجازتي الأسبوعية أحاول أن أعوض ما فاتني من نوم ولولا صلاة الجمعة ما استيقظت حتى المغرب.
زوجتي بلا مطالب وتقدر كل ظروفي وتتعامل معها على أنها مؤقتة، وأن أحوالنا سوف تتحسن بإذن الله، ولكن بدأت تشكو الوحدة طوال النهار فهي تظل وحدها منذ أن أخرج وحتى أعود، وليس هذا فقط، بل إننا قد لا نجد وقتاً للحوار أو الكلام المعتاد بين الأزواج فأقنعتها بأن ذلك كله طبيعي لمن هم في مثل ظروفنا ولسنا حالة خاصة ولا الوحيدة في الدنيا، وقلت لها: إن عليها أن تبحث في شيء تشغل نفسها به مثل القراءة أو التلفاز، لكن يبدو أن ذلك لا يروق لها أو ملت من الكتب والأفلام والمسلسلات التي ترى أنها متشابهة ولا فائدة منها، إذا ليس أمامها إلا أن تتواصل مع الجارات، وتتسلى معهن فيما يفعلن ولو حتى بالحديث والثرثرة في أي موضوعات.
وكأن هذا الاقتراح الأخير كان طوق النجاة لي ولها من أزمتنا التي بالفعل هي تافهة وبسيطة، ولا يجب أساساً أن نسميها أزمة ولا مشكلة ولم نكن مختلفين، ولكن يجب أن أراعي ما تعانيه زوجتي من الوحدة لكن بطبيعتها الخجولة والهادئة لا تجيد فنون صنع العلاقات فلم تبادر بالخطوات الأولى نحو الجارات، وإنما انتظرت حتى بادرن هن فاستجابت لدعواتهن بتبادل الزيارات ومن أوائل الاكتشافات واحدة منهن ماهرة في فنون التسوق، واقتناص الفرص تصطحب زوجتي معها وتدفعها لشراء أشياء لسنا بحاجة إليها، ولا تستطيع أن تراجعها أو ترفض لها عرضاً ويمنعها الحياء من أن تقول لها: إننا لا نريد هذا أو ذاك، فقد أجد زوجتي بددت المبلغ المخصص لطعامنا وشرابنا على لوحات أو ساعات حائط أو مفروشات أو أدوات مطبخ إضافية وأشياء أخرى تافهة وبلا قيمة.
الخروج من المنزل
جارتنا الثانية تدفعها دفعاً إلى العمل، حيث إن زوجتي ليست حاصلة على مؤهل عال وأنا لا أعترض على عملها، لكن ليست هناك أي فرصة في القطاع العام أو الخاص، وتريدني أن أترك عملي وأضيع الوقت معها في التجوال على الشركات والمصانع والمؤسسات لنستفسر عن الفرص المتاحة وفشلت في إقناعها بأنه لا جدوى من هذه الطريقة، وكادت تغضب وينشب بيننا أول خلاف كبير فاضطررت إلى أن أسايرها ونخرج بالساعات نتردد على عشرات الأماكن ولا نجد ردا مختلفاً عن الذي سمعناه أول مرة بأنه للأسف لا توجد فرص عمل، والأدهى والأمر أن معظم من نسألهم ينظرون إلينا شذراً ويضربون الأكف ببعضها متعجبين من تصرفنا لأننا نبحث عن المستحيل، ورغم ذلك ما زالت زوجتي تتهمني بالتقصير نحوها في هذا الجانب.
مشاريع مربحة
جارتنا الثالثة قد أقنعتها بضرورة أن تتخلى عن هذه البيتوتية، وأن تخرج لترى الدنيا ويجب أن تقضي إجازة في الشتاء وأخرى في الصيف لتتخلص من الملل الذي تعيش فيه، ولا يجب أن تسكت على ذلك، وأقنعت زوجتي أيضاً بأن الرجال لا يشعرون بمعاناة الزوجات وإن لم يطلب منهم الشيء فإنهم لا يبادرون به، وهكذا وجدت زوجتي تأتيني من مداخل لم أعتدها فيها لتتساءل مثلاً لماذا لا نخرج في رحلة مع أي شركة سياحية؟ وأجيبها بأن ضيق ذات اليد يمنعنا من ذلك، فتتأفف وتستنكر وتندب حظها، بينما جارتنا الفلانية سوف تذهب إلى رحلة عشرة أيام مع زوجها، ومن هنا أفهم أن تلك الجارة وراء هذه التغيرات.
لكن هذه الجارة الرابعة كان تأثيرها أكبر ومن نوع مختلف، فقد أخبرت زوجتي أنها هي صاحبة الكلمة العليا في بيتها وصاحبة الأمر والنهي، وكل القرارات وفوق هذا وذاك فإنها تتسلم راتب زوجها في أول كل شهر، وتتولى إدارة شؤون البيت من الألف إلى الياء، كما أخبرتها أيضا بأنها تتصرف في هذه الأحوال أفضل من زوجها لأنها تعرف كيف تدبر وتوفر وتلبي مطالب أسرتها من مأكل ومشرب وملبس، وعلاوة على ذلك فإنها تدخر بعض المبالغ خلسة من وراء ظهر زوجها، ولا يعرف بها إلا عندما تقرر مثلاً التوجه لقضاء المصيف، ومن ثم فإن زوجتي تطلب وتلح على أن تتولى هي مهمة تدبير شؤون بيتنا، ولأن أسرتنا صغيرة ومطالبنا محدودة فلم أمانع من ذلك ومع بداية أول شهر قدمت لها راتبي كاملاً غير منقوص، وعند منتصفه فوجئت بها تعلن التراجع وتعيد لي المسؤولية لكن بعد أن أنفقت كل ما بين يديها ووضعتني في موقف لا أحسد عليه.
لكن نصيحة الجارة الخامسة كانت بشكل مختلف فقد أقنعت زوجتي بما أنها لم تنجب بعد ولا تعمل ولديها وقت فراغ فأمامها مشروع مبهر مضمون النجاح أن تحول شقتنا إلى روضة أطفال فهؤلاء الصغار الأبرياء سيجلسون ويلعبون في هدوء وسكينة، ولا يمثلون أي إزعاج وستجني من وراء ذلك ربحاً وفيراً، ويعد المشروع أفضل استثمار، وتعهدت أن تأتيها بالأطفال وما كان ذلك إلا فخاً، فهذه الجارة موظفة ولها طفل عمره عامان ونصف العام، ولا تجد مكاناً تتركه فيه إلى أن تعود ووافقت زوجتي، وكان هذا الصغير هو أول الزبائن، ثم تلاه بعض الأطفال، ثم اكتشفت زوجتي المأساة فهذا لا يكف عن البكاء وذاك يريد أن يذهب إلى دورة المياه، والثالث قد اتسخت ملابسه ويحتاج إلى تغييرها فوراً، وما هي إلا أيام معدودة حتى أعلنت أنها لا طاقة لها بهؤلاء «الأبرياء» الذين لا تنقصهم الشقاوة. كل ذلك وأخيراً أدركت أنني لا بد لي أن أعود بها إلى نصيحتي الأولى، وأن تغلق الباب دون الجيران الذين كانوا سبباً في كل هذه المشاكل فقد أغرقني طوق النجاة الذي قدمته لإنقاذ زوجي.

اقرأ أيضا