الاتحاد

دنيا

الأبناء يبحثون عن آذان صاغية

تحقيق ـ خولة علي:
تصوير ـ منور جعفري
كثير من الآباء والامهات لا يدركون قيمة التعامل المرن مع الأبناء، فتراهم قد انتهجوا وسيلة تربوية متشددة لا تخلو من التأنيب والقسوة والتعنيف- وحتى العنف - في مواجهة ما يبدر من أبنائهم من سلوك وأفكار وقناعات قد تخالف نظرتهم للأمور·
ويولد مثل هذا التعامل ردة فعل عكسية خطيرة، وقد تتفاقم المشاكل تباعاً، بعيداً عن أعين الآباء نظراً لإنقطاع حبل التواصل بين الآباء والأبناء نظرا لغياب الحوار بين الجيلين ، مما أدى إلى اتساع الهوة بين بعضهم البعض، وبالتالي عجز الوالدين على استيعاب وفهم حقيقة مشاعر أبنائهم وكيفية احتوائهم، فغدت العلاقات الأسرية سفينة تتناهبها الرياح وتعصف بها الأنواء والأمزجة والقطيعة التي تضرب أطنابها بين أناس يعيشون في المكان نفسه ولكنهم منقطعون عن بعضهم البعض ·وهنا يكون الدور الأساس والأهم على عاتق جيل الآباء -بطبيعة الحال- لأن هذه المهمة العسيرة تظل ضمن مهامهم الأساسية التي لاينبغي لهم التنصل عنها ولا التهرب منها بأية ذريعة كانت·بيد الآباء أن تنجو الأسرة وتصل إلى القمة بنجاح، وبيدها أن تتقهقر وترجع إلى الخلف وتعيش في دوامة مستمرة من الفشل ·
لهذا ولسواه، تلتقي 'الاتحاد' هنا بعض الفتيات والامهات والتربويين لتلقي شيئا من الضوء على مشكلة غياب الحوار بين الآباء والأبناء·
قطيعة ووحدة
تروي لنا الفتاة(س·م)شيئا من معاناتها الدائمة مع ذويها، حيث تقول: أنا لا أقوى ابدا على إبداء ما يدور في أعماقي من مصاعب ومشكلات ظلت تؤرقني، بل لا أبالغ إن قلت إنها تمزقني ، فأنا أبحث بين أفراد اسرتي عن حضن يضمني، أذن تصغي إلي وتتفهم مشكلاتي وماقد الاقيه في يومي، عقل يفهمني، ولكن هيهات! فما ان انطق بحرف واحد حتى تنهال الشتائم والسباب والكلام اللاذع وتتطور المسألة فجأة إلى 'اللطم'، فأصبحت اتجنب الحديث أو ان ابدي رأيي في أي مسألة كانت، بل اصبحت أميل إلى العدوانية، دائمة القلق والتوتر ولكن-مع هذا- لازلت أبحث عن الهدوء والسكينة وعن حريتي التي قيدها أعز الناس: أمي وأبي·
كان هذا الحديث مفتاحا للخوض في هذا الموضوع ومحاورة العديد من الفتيات اللواتي اجمعن تقريبا انهن يعشن عزلة غالبا ،إذ لاأحد يرهق نفسه أو يكلفها بأن يتحمل عبئا 'إضافيا' بالإصغاء إلى مايعتمل في نفوس الفتيات، بذرائع شتى ، فهذه مهمومة بإنشغالاتها الوظيفية، وتلك منصرفة إلى أعمالها وصديقاتها والأخرى مازالت توكل أمر أبنائها وبناتها لسواها ملقية بالأمر على عاتق المدرسة بعد أن كان ملقى على عاتق ' المربية' أو الشغالة··!! وهكذا·
بعض الفتيات ممن التقيناهن تحدثن بصوت خافت عن أن امهاتهن لاينتبهن حتى للتغيرات الفسيولوجية -ولا النفسية-التي تطرأ على البنت في سن المراهقة ولايردن أن يصغين لما تود البنت أن تبوح به لأقرب الناس إليها··أعز الناس أو ' ست الحبايب'، فيما أشار بعض الفتيات إلى أن امهاتهن لايقتربن من بناتهن ولايقدمن النصح إليهن في مواجهة العالم وتقديم مالديهن من خبرات إلى الفتيات الأقل خبرة وتجربة ومعرفة··فتيات سواهن أكدن ان امهاتهن لايمنحهن آذانا صاغية لذا تحتبس الاسئلة والأسرار في الصدور دون أن تجد جوابا أو دليلا هاديا إلى الصواب يعينها في حياتها··ولايقتصر الأمر على الفتيات ، فهناك من الفتيان من يعاني أشد المعاناة من قطيعة الآباء والامهات، فلا يجدون في أعمارهم الغضة من يصغي إليهم ويدرك معاناتهم أو يعرف مامر بهم من أحداث يومهم ، حتى تتوالى الأحداث ويقع ما لايسر الأب أو الأم ، وعندها ترتفع الأصوات بالشكوى ويندب الكل ' حظه العاثر'··ملقيا باللائمة على أصدقاء السوء ، أو سوء الحظ، أو 'ان هذا الجيل لايصلح لشىء ابدا ' ·· أشياء عديدة كلها كانت مبررنا لننتقل إلى الطرف الآخر ، عسانا نجد جوابا لكل تلك الاسئلة الحائرة··!
مملكة الأم
تقول السيدة منيرة البريمي من مجلس الأمهات في الشارقة: إن أسرتي هي مملكتي التي أحرص على أن ينشأ أفرادها وفق خطة اضع بنودها وقوانينها بحيث لا تخالف المبادئ والقيم التي اعتبرها الدرع الواقي ضد أي تيار خارجي، ولكن بالرغم من وجود بعض القوانين التي أحرص على أن ينتهجها أبنائي، إلا إننا لا أهمل الجانب الهام وهو إيجاد لغة تفاهم وحوار يؤدي في نهاية الأمر إلى عملية الاقتناع، هذا الأسلوب انما ساهم في قربي من أبنائي ومعرفة ما يجول في أذهانهم، واحترامي لكل ما قد يطرحوه من أفكار جعلهم يفتحون لي قلوبهم عند أبسط مشكلة قد تصادفهم لأخذ النصح والإرشاد في كيفية التعامل مع هذه المشكلة وتداركها مستقبلاً·
هذا على النطاق الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فأنا أسعى دائماً إلى معرفة سلوك أبنائي خارج المنزل، مثلاً في المدرسة من خلال حضوري الدائم والمستمر لمجالس الآباء لمعرفة وجهة نظر الاساتذة حيال أبنائي من حيث السلوك والمستوى الاكاديمي، كل ذلك أسهم في إيضاح صورة قد تكون مبهمة للآباء حول بعض المشكلات السلوكية التي يعاني منها الأبناء·
فيما تشير السيدة ناهد عبدالله -من مجلس الأمهات أيضاً- إلى أنه لا يمكن إهمال دور الأم والأب في بناء الأسرة، فكلاهما يلعبان دوراً بارزاً في خلق جو من الألفة والتعاون والترابط بين أفراد الاسرة الواحدة، فهما يلعبان في فريق واحد، لتحقيق هدف مشترك هو تخطي كافة العقبات بكل نجاح وإيجابية، فوجود الحضن الدافئ إنما يسهم في خلق بيئة أسرية سلسة وسليمة، وأن تحمل الآاء جدل أبنائهم ومناقشاتهم المزعجة، بكل سعة صدر، إنما ينمي لديهم بعض المهارات الحوارية وطريقة طرح المواضيع ومناقشتها بكل شفافية وهذه الطريقة تساهم في بناء الثقة وخلق توازن في الاهتمامات ويتشبع الأبناء بخبرات أبائهم اللذان يعدان خير نصيحة وأصدق من يصاحبهم·
وأوجه نصيحة إلى الأمهات بضرورة حضور الندوات والمحاضرات المعنية بالتربية، فهي تمدها ببعض الأسس والقوانين الكفيلة لمواجهة بعض المشاكل التربوية·
الحوار المبكر
وتحدثنا السيدة مريم محمد البلي حول تجربتها مع أبنائها، قائلة: من خلال علاقتي بأبنائي -بالبنات على وجه الخصوص- وجدت أن الحديث معهم بطريقة ودية وبأسلوب حواري هادئ هو الأفضل، وتسليط الضوء على بعض تجارب الآخرين لأخذ العبرة والعظة منها، وهذه المداخل تلقى صدى ايجابيا عند الأبناء لهذا أحرص دائماً على أن اكون الطرف الجاذب وليس المنفر، فاصبحت أمثل لهم الأم والصديقة فقربي منهم أزاح كثيرا من العقبات، وأصبحوا كتابا مفتوحا أمام ناظري، أرى كل ما يطرأ عليهم سواء من فرح أو حزن، لكن ماأبغي التشديد عليه لتدعيم جسور الحوار مع الأبناء، هو أن يبدأ الحوار في سن مبكرة،بقدر المستطاع، أي قبل أن يبدأ بالحاجة إلى هذه الحوارات وخلق بيئة مفتوحة من الحوار، حيث يجب أن يشعر طفلك بأنه يمكنه بدء الحوار في أي وقت ،فضلا عن اهمية الصدق في الحوار فهو ينمي الثقة لدى الطفل في حديثه وفي أهمية الحوار وفائدته·
أسباب ومبررات
ترى الاستاذة خولة عبدالرحمن الملا مديرة مدرسة رقية الثانوية، انه نتيجة لانتشار بعض الظواهر السيئة في سلوك البعض ، كان لابد من الوقوف عند كل حالة لكشف كل ما هو مستور وإيضاح الأسباب التي تدفع الطالبة إلى انتهاج طرق وأساليب سيئة تكون هي ضحيتها بالدرجة الأولى، فكان مما لاشك فيه غياب الحضن الاسري والاذن الصاغية على وجه الخصوص عما يعتري الفتاة من مظاهر نفسية، وتركها تنزلق في مستنقع عميق من المشكلات، ونحن كتربويين نحرص دائماً على فتح باب الحوار والنقاش والاتصال مع الطالبة لتبوح عما يزعجها أو يعكر صفوها، ووجود مثل هذه اللقاءات الحوارية يسهم في علاج العديد من المشكلات، ولكن التعثر يعود إلى وجود المناهج المكثفة وعدم وجود وقت فراغ أو مساحة للنشاط لإظهار طاقة الطالبة، وهذا شكّل يعقبة إيجاد وقت للتحاور والتشاور سواء مع المعلمة أو الاخصائية الاجتماعية أو حتى زميلاتها من الطالبات، إذاً نحن نسعى ومن خلال هذا المنبر التعليمي أن نحمل شعار دعوة للحوار الهادئ البناء، لكي نحد من المشكلات والظواهر التي تسيء إلى الطالبة وتؤثر على تعليمها الاكاديمي·
وتواصل: نحن نأمل أن تعي الأم دورها ومسؤولياتها تجاه أبنائها وأهمية اتباع الأسلوب الحواري والمناقشة الهادئة، التي تصل بها إلى درجة الاقتناع، وبالتالي فالأم ستكون على دراية تامة بما يدور في ذهن أبنائها فيسهل عليها عملية حمايتهم من الأفكار التي قد تجرفهم عن الطريق الصواب·وهنالك فئة من الآباء لا يدركون تماماً مفهوم الرعاية والاهتمام، ويبقى الأهم هو النمط الأسري الذي يتميز باستقراره وترابط أفراده مع بعضهم البعض، فكل فرد فيه يستشعر الآخر، ولكن في ظل غياب مفهوم الأسرة الواحدة وضياع دور الآباء، اصبح الأبناء يتلقون علومهم ويتتلمذون على يد كل ما يبث من الفضائيات ووسائل الاتصال من تيارات فكرية غربية تخالف القيم والعادات والتقاليد التي نشأنا عليها، فأصبح هذا الجيل جيلاً غير مبالٍ بالدرجة الأولى ويفتقر لمعاني القيم السامية، ولا نلقي اللوم فقط على وسائل الإعلام بأنواعه ولكن المسؤولية تقع على عاتق كل فرد من أفراد المجتمع للعب دور-ولو كان بسيطا- في حماية النشئ من التيارات السلبية، فهؤلاء أمانة في أعناقنا، ونحن مسؤولون عن تربيتهم·
سلبية الأمهات!!
من جانبها تشير الاخصائية النفسية أمل بالهول، إلى أن موضوع حوار الأمهات مع بناتهن موضوع قد تم طرحه العام 1994 في مدرسة الزهراء من قبل مجموعة من الاخصائيات الاجتماعيات، وقد تبين من خلال ذلك اللقاء أن مكامن المشكلة ليست الطالبة، بل هي سلبية الأمهات وعدم رغبتهن في فتح باب للنقاش والحوار مع بناتهن لرفضهن التام نمط تفكيرهن ،وللفكرة السائدة بين الأبوين بأن هناك أوامر تصدر ويجب على المتلقي الرضوخ لها، دون إبداء أية معارضة أو فتح باب للنقاش والحوار··، هذا النمط قد يراه الأبناء على أنه نوع من التسلط والتحكم،هنا أود ان أوضح : مفهوم تسلط الآباء، فإن ممارسة الآباء هذه السلطة تعد طبيعيةً،كما أن أهدافها سامية فهي ممارسة لتوريث الثقافة والعادات والتقاليد التي تربى عليها سائر أفراد المجتمع ويجب التقيد بها، ويرى الآباء إن أبنائهم مطالبون بتلقي هذه الثقافة، بل وممارستها والحفاظ عليها، فالآباء يمارسون آلية معينة لتشكيل وبناء فرد محصن ومعد لمواجهة الثقافات الدخيلة التي تنخر المجتمع إلى أن تفسد جذوره·
فهذه تعد مهمة عظيمة يمارسها الآباء للحفاظ على أبنائهم، ولكن ما نود إيضاحه للآباء، إنهم غافلون عن وسيلة هامة جداً تسهم بصورة سريعة في حل كافة المشكلات التي يقع فيها الأبناء وإزالة الغموض والأفكار التي قد تعيق فهم طبيعة ما يدور حولهم، وهي لغة الحوار، فنتيجة الانعزال التام من قبل الآباء عن أبنائهم منذ سنوات الطفولة لأعذار عديدة كالانشغال وغيره، أوجد هذا الأمر نوعاً من الوحشة وعدم إدراك كل منهما للآخر، فمن خلال اتباع أسلوب النقاش والحوار الودي الممزوج بالنصح والمشورة فيمكن التقريب بين الطرفين وفهم كل منهما للآخر، ولكن يجب أن يعلم الآباء إن أبناءنا يعيشون في زمان غير زماننا، مما يتطلب من الآباء دراسة كل ما قد يتسلل إلى ذهن الأبناء بروية وبعيداً عن التعصب والغضب·

اقرأ أيضا