الاتحاد

تقارير

تركيا وفرص شراكة البحر الأسود

كاثرين ستوب
إسطنبول

في الوقت الذي تظل فيه محاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي معطلة وغير محسومة وتبقى سياستها الخارجية لتصفير المشكلات في الشرق الأوسط متأزمة بالنظر إلى انخراطها إلى جانب المعارضة السورية، يبدو أن أنقرة تراهن على ما تحمله منطقتها الشمالية المطلة على البحر الأسود من آفاق واعدة، وليس أدل على هذه الآفاق من مدينة ترابزون الصناعية الواقعة شمالي شرق البلاد الضاجة بالحركة، حيث تحولت المدينة إلى مركز تجاري محلي بفضل موقعها على مفترق طرق يربطها بكل من إسطنبول وباقي المدن التركية الواقعة شرقاً.
وبالنظر إلى هذا الموقع المهم تعج المدينة بحركة النقل سواء الشاحنات الكبيرة، أو السيارات الخاصة التي تحمل البضائع والمسافرين إلى جورجيا الواقعة على بعد حوالي 125 ميلا إلى الشرق، هذا بالإضافة إلى السلع التي تجد طريقها إلى البلدان المجاورة الأخرى مستغلة شبكة الطرق السريعة التي تخترق المدينة.
وإذا ما تبلورت الخطط الجارية حالياً بمد شبكة للطرق السريعة تربط 12 دولة من الدول المطلة على البحر الأسود، فإن نمو ترابزون سيتصاعد أكثر خلال السنوات المقبلة ومعها نفوذ تركيا في المنطقة كقوة إقليمية في المجالين الاقتصادي والسياسي، فالحدود الشمالية لتركيا على ساحل البحر الأسود تمنح البلاد، خلافاً للحدود المضطربة في الجنوب ومحاولاتها المتعثرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فرصة اقتصادية واعدة، ولعل هذا الإدراك لأهمية الحدود الشمالية والفرص الاقتصادية المميزة التي يقدمها البحر الأسود هو ما دفع تركيا إلى المبادرة بإنشاء عدد من شبكات التعاون التجاري والاقتصادي مع دول المنطقة، حيث كانت وراء إقامة منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود التي أسست عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
ومع أن تركيا كانت فقط أحد الأعضاء العشرة الذين ساهموا في تأسيس المنظمة، إلا أنها تبوأت مركزاً مهماً باستضافتها للمقر الدائم لها في إسطنبول، وخلال السنوات الأولى لانطلاق عمل المنظمة كان الهدف الأساسي حسب تريان شيبيلو، السفير الروماني السابق ونائب الأمين العام للمنظمة حالياً لشؤون أنشطة النقل: «طرح بديل عن النظام الشيوعي للدول الخارجة من الاتحاد السوفييتي».
وفي نفس العام الذي تأسست فيه المنظمة وهو عام 1992 أطلقت تركيا أيضاً برنامجها للمساعدات الخارجية تحت اسم الوكالة التركية للتنمية الدولية والتعاون والتي ركزت في مراحلها الأولى على مساعدة الدول المستقلة حديثاً عن المعسكر الشيوعي في آسيا الوسطى ودول القوقاز، واليوم تأمل دول البحر الأسود في أن تساهم مشاريع كبيرة مثل الطريق السريع الرابط بينها في تعزيز التعاون الاقتصادي.
يذكر أن التجارة في المنطقة استعادت عافيتها بسرعة بعد الانكماش العالمي للتجارة الدولية خلال عام 2009 فيما ظلت التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي بطيئة حتى اليوم، وربما بدأت دول البحر الأسود التفكير في التواصل مع بعضها بعضاً ونسج علاقات تجارية متقدمة بدل التطلع إلى مناطق أخرى خارجها تعيش على وقع الاضطرابات، ويبقى الشاهد الأساسي على تنامي العلاقات بين دول المنطقة هو الطفرة التي شهدها مجال النقل بينها حيث ارتفع بأكثر من 40 في المئة ما بين 2007 و2011 فيما ظلت النسبة في المجال نفسه متأخرة في أوروبا التي نمت بحوالي 36 في المئة فقط.
ومع أن مشروع الطريق السريع ما زال في مراحله الأولى، إلا أن الطريق بخطوطها الأربعة التي ستخترق 12 دولة ستمثل لاشك قفزة نوعية في الحركة التجارية وتساهم في ازدهارها، فضلا عن استفادة قطاع السياحة منها. وكذلك من المتوقع أيضاً لهذا المشروع أن يقوي التحالفات الحالية وفي نفس الوقت يختبر النزاعات القائمة.
وعلى رغم ما تسعى إليه منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود من تنسيق القوانين التجارية الخاصة بكل دولة على حدة، إلا أنه من الصعب قياس التأثير المباشر الذي مارسته المنظمة منذ تأسيسها على التجارة بين دول المنطقة، وبالنسبة لتركيا فإن مد الطريق السريع قد يشكل الخطوة الأولى في إطار إعادة صياغة سياستها الخارجية، فحدود تركيا الممتدة على البحر الأسود وجهودها الأخيرة لترميم علاقاتها مع روسيا تشي بأن المنطقة ستكتسي أهمية قصوى للسياسة الخارجية التركية، فبعد روسيا تعد تركيا هي أكبر مصدِّر بين دول المنطقة.
وفيما تعتمد البلدان الأخرى مثل روسيا وأذربيجان وأوكرانيا على النفط في صادراتها تبقى الصادرات الأساسية التركية في مجال النسيج والآلات، وبحسب أوسال شاباز، الخبير الاقتصادي بمؤسسة أبحاث السياسة الاقتصادية بأنقرة، فسيكون للطريق الجديدة المزمع إقامتها أثر فوري على تقليص مسافة وصول البضائع إلى وجهتها، وعن ذلك يقول: «على مدى السنوات الماضية تراجع النقل البحري فيما تصاعدت أهمية النقل البري، فالنقل البحري من الصين إلى أوروبا يستغرق شهراً ونصف الشهر تقريباً، أما من خلال الطرق البرية فالرحلة لا تتجاوز عشرة أيام».
ولكن يبقى على الدول العشر الأخرى المطلة على البحر الأسود استكمال جزئها من الطريق السريع بحيث لا توجد سوى تركيا واليونان اللتين تمكنتا من إنجاز الجزء الخاص بهما، وتعاني عملية النقل البري حالياً بين دول المنطقة من عدة عراقيل تأتي في مقدمتها الصفوف الطويلة على المعابر الحدودية والرسوم العالية المفروضة على الشاحنات، فضلا عن العراقيل البيروقراطية مثل صعوبة الحصول على تأشيرات.
ولكن فيما عدا استكمال الأجزاء المتبقية من الطريق السريع هناك أيضاً التحديات المرتبطة بالنزاعات بين دول المنطقة، وفي هذا السياق تبرز العلاقة بين روسيا وجورجيا باعتبارها من أخطر المشاكل، ولاسيما بعد الحرب الأخيرة بينهما، فتحديد المسار الذي ستمر منه الطريق تزيد من تعقيد النزاعات الحدودية، حيث اقترحت روسيا مرور الطريق من أبخازيا التي تعترف بها موسكو كدولة مستقلة، فيما تعتبرها جورجيا والمجتمع الدولي أرضاً جورجية، والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين مولدوفا وأوكرانيا.
غير أن شيبيلو، نائب الأمين العام للمنظمة، أكد وجود استعداد لدى دول البحر الأسود لتجاوز النقاط الخلافية وإيجاد الحلول ليس فقط بسبب المردود الاقتصادي للمشاريع المشتركة، بل أيضاً للفائدة السياسية التي تجنيها الدول من تعاونها الاقتصادي.
وتلعب تركيا دوراً كبيراً في توثيق العلاقات بين دول البحر الأسود باعتبارها من الاقتصادات الكبرى ذات التأثير الواضح في المنطقة، هذا بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي الحيوي الذي يجعلها جسراً يصل بين دول القوقاز في الشرق وأوروبا والبلقان في الغرب، ولاسيما من خلال مرور الطريق السريع عبر أراضيها لتصبح بذلك همزة وصل أساسية وليتعاظم دورها في الإقليم.
وإذا ما تم التغلب على النزاعات بين الدول وأُنجزت الطريق السريع، فإن تركيا ستكون مؤهلة من خلال موقعها واقتصادها للصعود كطرف أساسي في شبكة تجارية جديدة ومربحة في المنطقة الواقعة فيما يمكن اعتباره بمثابة خاصرتها الشمالية على البحر الأسود، وهو ما سيضيف إلى قوة الحضور الاقتصادي التركي على المسرح الدولي بصفة عامة، الذي عرف خلال السنوات الماضية انتشاراً واسعاً في الفضاءين الشرق أوسطي، والأفريقي بشكل خاص، ما جعل تركيا تتحول في نظر كثير من المراقبين إلى دولة بازغة وذات اقتصاد صاعد وواعد، إلى حد بعيد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا