الاتحاد

دنيا

الإعلام الفضائي يحول العولمة إلى واقعة مشهديــة

دمشق-فاطمة شعبان:
ما كان لأي محلل في الستينات أن يقدر دور جهاز التلفزيون والبث الفضائي في نهاية القرن العشرين على ترابط العالم والدور الذي يلعبه في تعزيز العولمة، وتحويل الحدود الوطنية إلى حدود لا معنى لها بالمعنى الإعلامي· ففي عقد الستينات الذي عرف فورة التوظيف الإعلامي للتلفزيون في بثه المحلي، وتحوله إلى جهاز منزلي ضروري يتزايد اقتناؤه باطراد حتى عم كل المنازل تقريباً كان الهدف الأساسي للتعامل معه يقوم على تعزيز محلية وقومية البث التلفزيوني، وقد كان ينظر إلى الفضاء القومي بوصفه امتداداً للسيادة القومية للبلدان واختراقها على انه اختراق لهذه السيادة· وقد كانت موجات البث الإذاعي تستخدم أثناء الحرب الباردة من أجل التأثير على البلدان الأخرى من خلال بث برامج موجهة إلى هذا البلد أو ذاك، وكان هذا النوع من البث يعتبر واحدا من السلوكيات العدائية على هذه البلدان، التي كانت تعتبر موجات البث جزءاً من استقلالها القومي· وكانت بعض الدول تحارب هذا البث المعادي من خلال محطات تشويش تمنع أجهزة الراديو داخل بلدانها غير قادرة على التقاط هذه الموجات، وكانت تنجح أحياناً وتفشل أخرى·
اختراق الحدود القومية
مع البث الفضائي الذي ولد في بداية الثمانينات، وتضاعف مرات خلال العقدين التاليين، أخذت الحدود القومية تتهاوى أمام البث الفضائي· وباتت أي محاولة لاستخدام الطرق السابقة في مواجهة هذا الغزو في عقر الدار من خلال التشويش، أو من خلال منع اقتناء الصحون اللاقطة في دول العالم الثالث ضرباً من الجنون· لقد كسرت التطورات التقنية قواعد البث القديمة، وتحولت الحدود القومية إلى شيء لا معنى له بالنسبة لها، لأن اختراقها لا يحتاج لا إلى دبابات ولا إلى قوات عسكرية، ولا إلى قواعد متقدمة من أجل تقوية هذا البث· لقد أصبح البث التلفزيوني الفضائي قادراً على دخول أي بيت على الكرة الأرضية بصرف النظر عن البلد الذي يقع فيها هذا البيت، ورغماً عن سلطات هذا البلد التي لا تستطيع وقف هذه العملية التي أصبحت آلية مستقرة للبث التلفزيوني·
أعاد هذا الواقع الجديد النظر في مفهوم البث التلفزيوني، ففي الوقت الذي كانت الدولة والمحطات المحلية تحتكر البث التلفزيوني في الحدود القومية، أصبحت مهددة من بث يأتي من وراء الحدود· وفي الوقت الذي كانت البرامج تأخذ طابعاً محلياً، أصبحت تأخذ التقاطعات العالمية التي تصنع المزاج العام على المستوى العالمي، من خلال عولمة الذوق والفن والسياسة· وبذلك أصبح تأثر البث القادم عبر الأقمار الصناعية أقوى تأثيراً وأكثر مشاهدة من البث الأرضي الذي تعتمده الدول، والذي أصبح في الموقع الأخير من التفضيلات لأذواق المشاهدين، أو أصبحت قنوات غير صالحة للمشاهدة، كما هو الحال في دول العالم الثالث، خاصة تلك التي ما زالت تعتبر البث التلفزيوني، هو مجال الدعاية الرئيسي للسلطات الحاكمة، ما يجعل قنوات هذه الدول تنتمي إلى الماضي·
عولمة البث الفضائي
لقد كانت للبث الفضائي أشكال متعددة من الانعكاسات، أبرزها الدور الكبير الذي يلعبه هذا البث في تعزيز العولمة· فعبر البث الفضائي تم تقديم صيغة تلفزيونية متجاوزة للحدود المحلية، صيغة غير مناطقية، سمتها الرئيسية تكمن في تجاوزها لأنماط البث القومي التقليدي، وبذلك فهي مختلفة جذرياً عن الصيغة الخاصة بالبث القومي، وعلى هذا الأساس فهي تخترق الصيغ القومية لإيجاد تقاطعات رئيسية تجعل البث إلى مناطق متعددة القوميات ممكناً·
إن طبيعة المشاهدين الذين يتوجه إليهم البث الفضائي في البث العابر للقوميات، هم جمهور متعدد الجنسيات، وعلى هذا البث الفضائي، أن يجد التقاطعات التي تتجاوز القومي دون أن تقطع مع الجمهور المستهدف· كما أن طبيعة إنتاجها العالمي، يجعلها تقوم على معادلة مضادة لمفهوم البث القومي القديمة· وعلى هذا الأساس كان الدور الرئيسي الذي لعبه البث الفضائي في العولمة أنه ساعد بتشكيل مزاج موحد في مناطق متعددة، وساعد على تدفق المعلومات التي كانت تمر عبر الفلتر الإعلامي القومي، وقدمت شبكات اتصال وعمليات دمج تعمل على نطاق عالمي·
عولمة السياسة
ليست السياسة المجال الوحيد الذي شهد مزيدا من العولمة عبر البث الفضائي العابر للحدود القومية، فهناك مجالات عديدة شهدت هذه العولمة، منها الموسيقى التي تهيمن على صناعتها في العالم شركات معدودة، والاقتصاد الذي تعمقت عولمته بفضل البث الفضائي الذي وفر المعطيات الاقتصادية للبورصة في ساحتها الرئيسية على مدار الساعة في كل مكان في العالم، إضافة لغيرها من المجالات·
لكن السياسة واحدة من أكثر المجالات التي يمكن لمس عولمتها من خلال قنوات الأخبار التي يشاهدها عشرات الملايين· لقد بدأت عولمة السياسة قبل البث الفضائي المتجاوز للحدود القومية، وأخذت هذا المنحى بعد الحرب العالمية الثانية من خلال تأسيس الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية بين أغلب دول العالم، وخلال العقدين الماضيين طورت شبكتان عالميتان هما وخخ كل ما يمكن أن يعتبر عولمة للسياسة بتفاصيلها· وكان هذا من خلال الامتداد الأخطبوطي لكل من الشبكتين· فقد كان لدى خخ الدولية في عام ،2003 42 مركزاً للأخبار: 11 في الولايات المتحدة، 10 في أوروبا، 4 في الشرق الأوسط، 4 في إفريقيا، 9 في آسيا، و4 في أميركا اللاتينية· كما طورت شبكة عالمية من قنوات إقليمية ومحلية لها تسهيلاتها الإخبارية الخاصة· أما شبكة العالمية فتعتمد على 58 من مراكز الأخبار كانت هيئة الإذاعة البريطانية أنشأتها في مناطق متفرقة من العالم، وتستفيد من 5 مراكز تغذية تغطي أوروبا·
ولكل من الشبكتين وضع فريد في التعامل مع تعقيدات السياسات العالمية، فهما تقدمان المفهوم العالمي لعولمة الأحداث وتغطيتها المباشرة التي تصل إلى كل بيت، فهي تقدم دائماً التقارير الإخبارية، تتضمن عرضاً لوجهات نظر مختلف الأطراف مستعينة ببعض المحللين والصحفيين لتحليل تداخل وتشابك الأحداث العالمية· وبسبب تغطيتهما الواسعة وبعدد من اللغات، صممت وخخ نوعيات من البرامج عابرة للقوميات والحدود تتناسب مع مشاهدين متعددي الجنسية، إضافة إلى الأخبار التي تبث على مدار الساعة·
لقد غير البث الفضائي مفهوم الحدود القومية، وبات هذا المفهوم مختلفاً في ظل الانكشاف الذي سببه البث المباشر عبر القنوات التلفزيونية التي لم يعد هناك مكان بعيد بالنسبة إليها، لا ساحات الحرب ولا الكوارث الطبيعية ولا الأحداث الاقتصادية ولا صرعات الموضة· كل هذا جعل العالم أكثر انكماشاً وأكثر انكشافاً، وبات التلفزيون أداة الدمج الإجبارية لنا جميعاً في العولمة، التي تحولها الفضائيات إلى عملية مشهدية تجري أمام عيوننا، ولكنها محكومة بمجموعة قليلة من أصحاب السيطرة عليها·

اقرأ أيضا