الاتحاد

الاقتصادي

الحكومة المصرية تدرس إطلاق صندوق سيادي

عاملون في شركة «عمر أفندي» يتظاهرون احتجاجاً على  سياسات الأجور في الشركة التي تم خصخصتها قبل سنوات

عاملون في شركة «عمر أفندي» يتظاهرون احتجاجاً على سياسات الأجور في الشركة التي تم خصخصتها قبل سنوات

بدأت الحكومة المصرية دراسة انشاء صندوق سيادي مملوك للدولة يتم تمويله من حصيلة فروق أسعار الأراضي التي سبق تخصيصها بأسعار متدنية لعدد من الشركات ورجال الأعمال المصريين والعرب في السنوات الماضية، وكذلك حصيلة بعض الأموال التي سيتم استردادها بموجب التحقيقات الجارية مع عدد من رجال أعمال ومسؤولين سابقين.
ويستهدف الصندوق اعادة شراء بعض الشركات الحكومية التي تمت خصخصتها في عهد حكومتي عاطف عبيد وأحمد نظيف، لاسيما الشركات المؤثرة على النشاط الاقتصادي بالبلاد سواء كانت صناعية أو خدمية ومنها شركات الأسمنت والحديد والمنتجات المعدنية والكهربائية وغيرها، في ضوء توقعات باستمرار تراجع أسعار أسهم هذه الشركات في بورصة الأوراق المالية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يمكن الصندوق الجديد من تملك أصول انتاجية جيدة بأسعار مقبولة تعوض الخسائر الناجمة عن فساد بعض صفقات الخصخصة التي تحقق فيها النيابة العامة حالياً.
وتأتي فكرة هذا الصندوق من مخاوف أبداها مستثمرون وخبراء اقتصاديون من امكانية حصول مستثمرين أجانب وصناديق استثمارية دولية على معظم الحصص المتداولة من رأسمال العديد من الشركات المصرية في بورصة الأوراق المالية في الفترة المقبلة بثمن بخس، في حالة اندفاع المستثمرين المحليين لبيع ما يحوزونه من أسهم بأسعار متدنية، وبالتالي يكون أمام هؤلاء المستثمرين الأجانب إما تحقيق أرباح خرافية على حساب المستثمرين المصريين عبر إعادة بيع هذه الحصص عندما تتحسن أوضاع الاقتصاد وتسترد البورصة المصرية قوتها، أو الاحتفاظ بهذه الحصص لفترات طويلة يتمكن خلالها هؤلاء المستثمرون من السيطرة على ادارة هذه الشركات وتوجيهها لخدمة مصالحهم واتباع سياسات داخل هذه الشركات قد تضر بأوضاع الاقتصاد الكلي أو تضر بالمنافسة داخل السوق أو حقوق وامتيازات العمالة المحلية في هذه الشركات.
وبحسب معلومات حصلت عليها "الاتحاد" فإن إدارة هذا الصندوق السيادي، الذي يؤسس في مصر لأول مرة، سوف تتم عبر مجلس أمناء يضم مجموعة من الشخصيات الاقتصادية التي تتمتع بالاستقلالية ولا تشغل مناصب حكومية، على أن يقدم هذا المجلس تقارير ربع سنوية للبرلمان لمراجعة أداء الصندوق وسياساته الاستثمارية. ويخضع الصندوق لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ومتابعة وحدة محاسيبة خاصة في وزارة المالية سوف يتم انشاؤها لهذا الغرض على ألا تتدخل هذه الوحدة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية بالصندوق، وانما يقتصر دورها على المتابعة المالية اليومية وإدارة حسابات الصندوق بالبنك.
وحسب هذه المعلومات أيضاً، فإنه من المتوقع أن يبدأ الصندوق الجديد برأسمال عشرة مليارات جنيه على أن يزداد رأس المال بمرور الوقت مع دخول حصيلة جديدة من الأموال المستردة أو فارق أسعار الأراضي الى جانب عائد استثمارات الصندوق من محفظة الأصول التي سوف يتملكها.
ويتوقع خبراء اقتصاديون تأسيس واطلاق هذا الصندوق خلال المرحلة الانتقالية الراهنة التي تتولى فيها حكومة الدكتور عصام شرف تسيير الأعمال، لاسيما في ضوء ما أبداه عدد من رجال الأعمال الذين يجري التحقيق معهم في قضايا فساد من استعدادهم للسداد الفوري لقيمة فروق أسعار الأراضي التي حصلوا عليها في وقت سابق وفي مقدمة هؤلاء ياسين منصور المتهم في قضية "بالم هيلز"، مع وزير الاسكان السابق المهندس أحمد المغربي ورئيس مؤسسة "أخبار اليوم" السابق المهندس عهدي فضلي حيث أبدى ياسين منصور استعداده لسداد 274 مليون جنيه قيمة فروق أسعار الأراضي محل التحقيق. وكذلك أبدى رجلا الأعمال منير غبور وهشام الحاذق استعدادهما لسداد فروق أسعار الأراضي التي تم تخصيصها لهما في القاهرة الجديدة والعين السخنة. كذلك قدم محمد أبو العينين رئيس مجموعة كليوباترا عرضا مماثلا حيث أبدى استعداده لاعادة كافة الأراضي التي حصل عليها مقابل اعادة تخصيصها لشباب ثورة 25 يناير.
وتقدر مصادر اقتصادية حجم فروق أسعار الأراضي التي يمكن تحصيلها لاسيما في ظل الاتجاه الجدي لفسخ عقود مساحات واسعة من هذه الأراضي مثلما حدث مع أراضي الشركة المصرية الكويتية البالغة 26 ألف فدان بمنطقة العياط بنحو 100 مليار جنيه في غضون السنوات الثلاث المقبلة، الأمر الذي يؤشر لامكانية انطلاق الصندوق بقوة وفاعلية تسهم في استعادة العديد من الشركات الحكومية التي تم بيعها في صفقات أثارت الكثير من الجدل ويتابعها الرأي العام عن كثب فور اعادة فتح التحقيق بشأنها مثلما يحدث حاليا في صفقة بيع شركة "عمر أفندي" للمستثمر السعودي جميل القنبيط الذي رحب بإعادة بيع "عمر أفندي" للحكومة المصرية.
وحسب هذه المصادر أيضاً فإن فكرة انشاء هذا الصندوق جاءت لمواكبة تطلعات الثورة المصرية في استعادة والسيطرة على مقدرات الاقتصاد الوطني، خاصة الشركات التي تردد أنه جرى بيعها وفقا لاجراءات غير شفافة واستفادت منها بعض العناصر المقربة من النظام السابق، بينما يأتي التوقيت مناسباً لاطلاق الصندوق لاستغلال حالة تردي أسعار الأسهم في البورصة المصرية وامكانية شراء حصص حاكمة في العديد من الشركات في توقيت قياسي.
ورغم أن المتعارف عليه في عمل الصناديق السيادية المملوكة للحكومات غالبا انها تستثمر أموالها في أصول استثمارية خارج الحدود في الأسواق العالمية، فإن الصندوق السيادي المصري سوف يقتصر نشاطه على الاستثمار في السوق المحلية وفقاً لقرار انشائه وستتضمن اللائحة التنفيذية التي تنظم آليات العمل به ذلك البند.
كما يتزامن انشاء الصندوق مع توجه جديد للاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة يستند على تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، بينما لا يتخلى عن محفظة الأصول المملوكة للدولة وتعزيزها عبر انشاء شركات جديدة تساعد الحكومة على التدخل في الأسواق في أوقات الأزمات لضمان وصول السلع والخدمات للمصريين بأسعار مقبولة، وعدم ترك المستهلك فريسة لاحتكارات ومضاربات القطاع الخاص مرة أخرى.
ويشير عيسى فتحي، رئيس احدى شركات ادارة الأصول المالية، إلى أن فكرة تجميع فروق أسعار الأراضي التي تم تخصيصها بالمخالفة لقوانين المزايدات والمناقصات على مدى السنوات الماضية لبعض الشركات ورجال الأعمال في صندوق يقوم بمهمة رئيسية تتمثل في اعادة شراء بعض الأصول، لتدخل ضمن نطاق الملكية العامة مرة أخرى، فكرة جيدة تحقق تعزيز القدرة الاقتصادية للدولة وتسمح لها بمساندة النمو الاقتصادي على المدى البعيد وتتيح قدرة كبيرة على التشغيل وامتصاص جانب من البطالة، لاسيما أنه يتزامن مع ذلك امكانية تأسيس شركات حكومية جديدة حسبما أعلن وزير المالية المصري قبل أيام من اعتزام الحكومة تأسيس شركة قابضة برأسمال 500 مليون جنيه. وقال إن الفكرة الرئيسية للصندوق السيادي تقوم على مبدأ مبادلة الأصول أي امتلاك أصول مقابل أصول جرى بيعها في وقت سابق وبما يحمل من معنى يتضمن احترام مشاعر الجماهير التي خرجت مطالبة بالتغيير يوم 25 يناير، لأن أسباب قيام الثورة اقتصادية بالدرجة الأولى وشعور المصريين بأن الممتلكات العامة جرى تبديدها وبيعها في عمليات مشبوهة.
ويؤكد كريم هلال، رئيس شركة "سي أي كابيتال"، أن هذا الصندوق الحكومي من الممكن أن يلعب دوراً محورياً في مساندة البورصة المصرية ودعم ثقة المستثمرين بها لا سيما في المرحلة الأولى لعودتها للعمل، حيث يمكن أن يدخل مشترياً لأسهم بعض الشركات التي يرغب في الحصول على حصص حاكمة بها ومن ثم يساعد أسهم هذه الشركات على الصمود في وجه عمليات البيع المكثفة المتوقعة، وبالتالي منع انهيارها للحفاظ على الأصول المصرية في أيدي المصريين.
ويشير هلال إلى أن فكرة الصندوق السيادي تعد بديلاً عملياً لفكرة الصكوك الشعبية، حيث يضمن هذا الصندوق نصيب الأجيال المقبلة في الثروة المصرية، خصوصاً إذا نجحت ادارته في تعظيم أصوله وزيادة رأسماله بمرور الوقت بل يستطيع حال نجاح التجربة مساندة الموازنة العامة وخفض العجز بها خلال السنوات المقبلة، حيث يمكن أن يقرض وزارة المالية أو يكتتب في سندات يطرحها البنك المركزي مثله مثل أي كيان مالي آخر يعمل في السوق.

اقرأ أيضا

9514 رخصة أعمال جديدة في دبي خلال 4 أشهر