صابرا أيريس كاتبة صحفية كان «سيرجي ناكونيتشني» يجلس في مقهى بمدينة «دونيتسك» بشرق أوكرانيا عندما قامت سيدة من على طاولة مجاورة واندفعت نحوه، مشيرة إلى سترة التمويه التي يرتديها وتحمل شعار جيش المتمردين الأوكراني، وهو حركة مثيرة للجدل مناهضة للسوفييت نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. وصرخت المرأة في وجه الناشط المؤيد لأوكرانيا قائلة: «إن شاراتك وزيك الفاشي يثيران الصراع في هذه الدولة.. إنك أنت وأصدقاؤك الفاشيون من غرب أوكرانيا هم السبب في كل المشاكل». ومع ضم منطقة شبه جزيرة القرم فعلياً إلى روسيا، أصبح «ناكونيتشني» وغيره من المقيمين بالمناطق الشرقية الموالية لروسيا في أوكرانيا هم الآن محور المعركة من أجل مستقبل هذه الدولة ذات الـ46 مليون نسمة. غير أنه من غير المرجح أن تحذو «دونيتسك» والمنطقة الصناعية المحيطة بها، والمعروفة باسم «دونباس»، حذو القرم نظراً لعوامل كثيرة، ليس أقلها الانقسام الجيلي بين الشباب مثل «ناكونيتشني» وآبائهم الذين لا يزالون يشعرون بالانجذاب نحو روسيا. وتتمتع «دونباس» بقاعدة اقتصادية ثابتة، نتيجة للناتج الاقتصادي وموارد الفحم، وهما إرث من ماضيها السوفييتي. وبالنسبة لكثيرين في «دونيتسك» فإن المظاهرات المناهضة للحكومة، في كييف وعبر غرب أوكرانيا، تبدو غير جذابة بالنسبة لهم ولبعض توجهاتهم الموروثة عن العهد السوفييتي. ولذلك، عندما ذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه في 18 مارس الجاري، الذي أعلن فيه قراره بضم القرم، أن تفكك الاتحاد السوفييتي كان بمثابة واحدة من أكبر مآسي الدولة، شعر الناس في «دونيتسك» بأنه كان يعبر عن تقديره لهم. وكان والد «ناكونيتشني» يشاركهم هذه المشاعر، بصفته عامل بناء يعيش ويعمل في موسكو، وقد خاصم ابنه بعد أن علم بمشاركته في الاحتجاجات المناهضة للحكومة بساحة «ميدان» في كييف. وفي «دونيتسك» حاول بعض النشطاء تنظيم مسيرات لدعم الوحدة الأوكرانية، حيث بلغت الأعداد المئات من المتظاهرين -وهو السيناريو الذي كان من المستحيل حدوثه قبل استفتاء القرم-. وذكرت ناشطة موالية للاتحاد الأوروبي أن الناس من جميع الأعمار شاركوا في مسيرات «دونيتسك». وهناك عدد كبير من الموالين لأوروبا من الشباب «ويعتبرون أنفسهم أوكرانيين وولدوا في أوكرانيا المستقلة. إنهم قد يتحدثون الروسية، ولكنهم يرون أنفسهم أوكرانيين» بحسب ما قالت الناشطة. وبالمثل، فإن العديد من الناس هنا يشعرون بارتباطهم بموسكو، إن لم يكن بالجنسية فمن خلال الروابط التاريخية. لقد فاق عدد المتظاهرين الموالين لروسيا عدد أولئك الموالين لأوكرانيا في 13 مارس، عندما اندلع اشتباك عنيف بوسط المدينة أدى إلى مقتل شخص وإصابة العشرات. واليوم، يحمل الناس الأعلام الروسية ويحمون تمثال لينين بالساحة المركزية في المدينة. وتقول «لودميلا كانتشانوفسكايا» وهي معلمة: «بالنسبة لنا، كان مشهد تحطيم تماثيل لينين في أوكرانيا مفجعاً. إننا نشعر بالامتنان لما فعله من أجلنا. لقد وفر لمئات الملايين من الروس التعليم... قد لا نكون من الاتحاد السوفييتي بعد الآن، ولكن يجب ألا ننسى الدور الذي لعبه في تاريخنا». «أرى أن أوكرانيا أمامها خياران: إما أن تصبح اتحاداً أو تختفي تماماً كدولة» هذا ما قاله «سيرجي بونتوفسكي» وهو ناشط من الكتلة الروسية، وهي حزب سياسي موالٍ لموسكو. وأضاف «ولكن لا أحد يريد تقسيم البلد، لا الأجيال الأكبر سناً ولا الأصغر سناً». ويرى هذا الناشط أن القوات الروسية لن تلقى دعماً على نطاق واسع هنا كما كان الوضع في القرم. وأضاف: «أعتقد أن أكثر من نصف الشعب سيشعر بالرعب حال قدوم القوات إلى دونباس». وبدورها أشارت ناشطة أخرى موالية للاتحاد الأوروبي إلى أن «القرم لديها حساسية أقوى بالنسبة للمسألة القومية أكثر مما لدينا هنا. إننا أكثر اختلاطاً لأن الكثير من العمال السوفييت جاءوا إلى هنا للعمل. وقد ينقذنا ذلك من استخدام العرقية كأداة في هذه اللعبة». ويقول العديد من السكان هنا إنه إذا منحت كييف الحقوق والضمانات لشرق أوكرانيا، فإن مستقبلاً تحت العلم الأوكراني سيكون ممكناً. أما بالنسبة للذين يحبذون إقامة علاقات أوثق مع روسيا فيرفضون ما يصفونه بالنبرة القومية لحكومة كييف الجديدة، ويطالبون بالمساواة في الحقوق للناطقين بالروسية، المنصوص عليها في القوانين التي تسمح للإعلانات التجارية والإشارات والمؤسسات التعليمية باستخدام اللغة الروسية أيضاً. و«في الوقت الراهن، يتعين على الطلاب كتابة رسائلهم العلمية باللغة الأوكرانية» بحسب ما يقول بونتوفسكي، وهو باحث مرشح للحصول على درجة الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة «دونيتسك» الوطنية، الذي يضيف: «إذا كتبت رسالتي بالأوكرانية فسيبلغ عدد المتلقين حوالي 30 مليوناً، وإذا ما كتبتها بالروسية فسيزيد هذا العدد خمسة أضعاف». وتعتبر قضايا اللغة بمثابة قوة أخرى دافعة في الجدل الدائر حول مستقبل أوكرانيا، وقد لعبت حكومة كييف الجديدة دوراً في تأجيج التوتر. وبعد وقت قصير من أداء اليمين الدستورية، أقر البرلمان قانوناً يلغي منح اللغة الروسية وضعاً مساوياً للغة الأوكرانية في مناطق مثل «دونيتسك»، وقد اعترض الرئيس الأوكراني المؤقت «أولكسندر تورشينكوف» على القانون في محاولة للتخفيف من تصعيد الوضع. كما أشارت حكومة كييف المؤقتة مؤخراً أيضاً إلى أنها بصدد دراسة تشريع آخر يتيح المزيد من الحكم الذاتي الإقليمي، مما قد يساعد الأقاليم على تحديد اللغة الخاصة بها وغير ذلك من القضايا المحلية. إن العديد من الأجيال القديمة، التي تتذكر أجواء الحياة في ظل الشيوعية، تشعر بميل أكبر تجاه الانضمام إلى روسيا باعتبار أن ذلك سيوفر حياة أفضل وأكثر استقلالاً، على حد قول باحث الدكتوراه بونتوفسكي. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»