الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المعتقلون يطلقون سراح الذكريات
المعتقلون يطلقون سراح الذكريات
25 أغسطس 2005

عرض ـ إبراهيم فرغلي:
أكثر الناس تقديرا للحرية وإحساسا باهميتها هم أولئك الذين حُرموا منها بشكل أو بآخر، وربما يكون الاعتقال السياسي من أكثر تجارب الحرمان من الحرية قسوة وغلظة لأن أسباب الاعتقال تعود إلى 'أفكار' لا ممارسات إجرامية تستحق سلب الحرية·
وخلال الأيام الاخيرة صدرت بالقاهرة ثلاثة كتب حول تجارب الاعتقال للكُتاب المصريين خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تتناول مشاهدات المعتقلين بين جدران السجون وحالاتهم النفسية·
والكتب الثلاثة هي: 'يوميات الواحات' للروائي صنع الله إبراهيم الذي يتناول يومياته خلال فترة اعتقاله في الستينات، أما الكتاب الثاني فهو 'الأوردي' وهو الاسم الشائع للسجن في مصر لسعد زهران وتناول تجربة اعتقاله في الستينات، والثالث هو 'السجن' للصحفي محمد منير الذي اجرى مجموعة من الحوارات المطولة مع مجموعة من الكُتاب والمثقفين الذين تعرضوا للاعتقال ويسترجع معهم مشاهداتهم وملاحظاتهم حول هذه التجربة· وهي الحوارات التي نال كاتبها جائزة دبي للصحافة العربية هذا العام·
وقد أجرى منير الحوارات مع كل من محمود أمين العالم ومحمد فائق وسامي شرف وجمال الغيطاني وعبدالرحمن الابنودي وسامي خشبة وصلاح عيسى وجمال بدوي ود· رفعت السعيد ومحمد عودة وفهمي هويدي ومحمد سيد أحمد وكمال الابراشي ومصطفى عزت، الذين يختلفون بالتأكيد في وراياتهم، وربما يستوقف كلا منهم شيء يختلف عن الآخر لكن يظل بيهم قاسم مشترك هو إخلاصهم للافكار التي كانت سببا في اعتقالهم· فماذا قالوا عن تلك التجربة الرهيبة، وماذا في صندوق أسرارهم؟
محمد سيد أحمد: غايتهم أن يكسروك!
ويقول الكاتب محمد سيد أحمد: هدفهم من التعذيب ان 'يكسروك' ويقضوا على أي اتجاه سياسي في البلد وان نبتعد بعد خروجنا من المعتقل عن السياسة ونصبح أكثر مرونة· ورغم قسوة التعذيب فإننا داخل المعتقل أثبتنا للنظام ان أصحاب الفكر لا يتنازلون عن أفكارهم بالتعذيب·
محمد عودة: رجعت من بودابست إلى سجن الاسكندرية
ويقول الكاتب محمد عودة: 'كنت أتعامل مع ثورة يوليو بشكل رومانسي وكنت أظن ان الثورة لا يجب ان تخطئ ويجب ان تحقق كل شيء لكني اكتشفت بعد ذلك ان هناك متناقضات بين الثورة واعدائها ومتناقضات داخل الثورة نفسها، وكان الصدام الأول عندما دعيت لحضور مؤتمر الشباب العالمي في رومانيا لأرافق الوفد المصري الكبير المشارك، ووافقت لانني كنت شغوفا برؤية رومانيا لانها دولة جميلة ورومانسية· وكان من الفنانين المسافرين تحية كاريوكا فتعرفت عليها وكانت شخصيتها مبهرة فدهشت لذلك، لان فكرتي عنها انها مجرد راقصة لكنني وجدتها شخصية قارئة ومطلعة ومتحدثة واجتماعية· وفي 'بوخارست' بدأت فعاليات المؤتمر الذي كان يجمع كل شباب العالم وفي اليوم الخاص بالعرض قدمت 'تحية كاريوكا' وقلت انها فنانة الشعب التي طالما رقصت للعمال والفلاحين والمثقفين وفي ذلك اليوم رقصت بالملابس الشرقية والريفية، والغريب انها كانت محور المؤتمر كله وفي الصباح كان يقف امام غرفتها بالفندق مجموعة كبيرة من الشباب والفتيات لتوقع لهم، وكانت معها كمية كبيرة من الملابس أهدتها للبنات· وفي الحفل المسائي جلست انا وهي فقط في بنوار رئيس الجمهورية تكريما لمصر وبعدها دعيت لالقاء محاضرة في أكاديمية العلوم هناك، وتحدثت عن الثورة المصرية والاستقلال والسياسة في مصر والقضاء على النظام الملكي واشياء كثيرة وعدنا إلى مصر بعد انتهاء المهرجان·
وفي الإسكندرية فوجئت انا وتحية كاريوكا بأن حقائبنا تمت مصادرتها وتفتيشها رغم اننا أبرز اثنين من أعضاء الوفد، ثم اخذونا الى ديوان محافظة الإسكندرية وأخذوا كل متعلقاتنا الخاصة، ثم فوجئنا بأنفسنا في السجن بالإسكندرية لمدة يومين· وأذكر ان مأمور السجن كان سعيدا جدا لانه اعتقل تحية كاريوكا وكان هذا السجن قذرا، ثم نقلونا إلى القاهرة فذهبت تحية كاريوكا الى سجن النساء ولم أعلم عنها شيئا وذهبت انا مع الرجال الى المعتقل في أحد العنابر وبقيت به أربعة أشهر قابلت خلالها اسطورة ثقافية وفنية وسياسية هو عبدالرحمن الخميسي·
فهمي هويدي معتقل بالوراثة
ويقول محمد منير في كتابه 'السجين': 'دخل الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي جماعة الاخوان المسلمين بالوراثة عن والده الذي كان أحد مؤسسي الجماعة لكنه عندما امتلك القدرة على تقرير مصير اتجاهاته الفكرية قرر ان يستقل بفكره عن أي تنظيمات سياسية· وفي عام 1954 اعتقل أيضا بالوراثة رغم ان عمره وقتها لا يتعدى 16 عاما ولا يرقى لاتهامه بقلب نظام الحكم وقسوة التجربة جعلته يشعر بعد أيام في المعتقل بأن عمره 64 سنة'·
ويقول هويدي: 'في أحد الأيام فجرا كنت متجها إلى زنزانتي وسمعت صرخات تخرج من زنزانة مجاورة وكان بابها مفتوحا قليلا فنظرت، فرأيت رجلا عاريا تماما والزنزانة ممتلئة بالمياه وبها كلاب بوليسية تنهش جسده، وفي يوم اخر رأيت والدي وهم يعذبونه، وما زلت أتذكر الملابس القديمة والممزقة التي كنت ارتديها والتي كانت تكشف ملامح جسدي وأتذكر ما تعرضت له من ضرب وتعذيب واهانة، فقد كنا نشرب من نفس الكوب الذي نتبول فيه· ورغم مرور أكثر من 50 عاما على تجربة اعتقالي الا انني اتذكرها لان صور التعذيب والضرب والاهانة لا تنسى·
واختار محمد فائق وزير الاعلام الاسبق ان يقضي خمس سنوات اخرى في السجن على أن يعتذر للرئيس السادات فقد تولى وزارتي الارشاد القومي 'الاعلام' والشؤون الخارجية في عهد عبدالناصر، وفي عصر السادات اختلف معه في الرأي فحددت اقامته وتم تقديمه للمحاكمة وحكم عليه بالسجن عشر سنوات·
ويقول فائق: 'بعد ان قضيت خمس سنوات داخل السجن أرسل لي السادات شخصا قال لي أن السادات ليس غاضبا من أحد قدر غضبه لوجودك في السجن والمطلوب منك فقط الاعتذار· فقلت له: إذا كان هناك انسان مدين بالاعتذار للآخر فهو السادات الذي أدخلني السجن دون سبب· فاستفزه ردي وقضيت عشر سنوات كاملة داخل السجن'·
أشباح الضحايا
ويحفل كتاب 'الأوردي·· مذكرات سجين' لسعد زهران بالاسلوب الادبي البديع في وصفه بشاعات الاعتقال ويقول: 'ماذا يمكن ان يعتمل في أعماق سجين يعذب الا الحقد والكراهية؟ وماذا يمكن ان يكمن في أعماقه -ان كانت فيه بقية- إلا الاصرار المستميت على الانتقام العادل وحين يصرخ الجلاد في ضحيته 'وشك في الأرض' فهو انما يتحاشى ان يرى مصيره في نظرة خاطفة تكشف عن أعماق صاحبها· نظرة منذرة تقض مضجع الجلاد الذي تطارده أشباح الضحايا· ومن سخرية الاقدار ان تلتقي -احيانا- رغبة الجلاد في تحاشي نظرات السجين، مع رغبة السجين في سحب نظراته بعيدا·· الخوف يدفع كليهما للفرار بنظراته من صاحبه· الجلاد في خوف من انتقام آجل، والسجين في خوف من بطش عاجل·· خصمان حتى الموت، ولكنهما زميلان في زورق من خوف حيواني قاتل'·
ويشير سعد زهران في احد فصول الكتاب إلى الخوف الذي يشعر به المعتقل من زيارة المقربين اشفاقا عليهم من مظهره فعندما عرف ان زوجته حضرت لزيارته هتف! يا الهي! ألا يكفي ما أنا فيه من عذاب؟ أنا على يقين من ان رؤيتي ستسبب لها عذابا أشد· وتذكرت في تلك اللحظات ما حدث لي قبل ذلك بثلاثة وعشرين عاما حين دهمني الترام، وكنت ملقى على ظهري في الشارع وتجمع الناس من حولي·· كنت أحاول ان أنهض وانا لم أتبين بعد حقيقة ما حدث لي· ولكن لم تمض لحظات حتى رأيت ساقي المبتورة ملقاة على الأرض أمامي وهي ما تزال في الحذاء، وما بقي منها في جسمي ينزف دما غزيرا، وما أراه من لحمي الحي كان ممزقا ممزوجا بأسفلت الشارع وترابه· وحين انحنى احدهم عليّ يسألني عن اسمي وعنواني اتجه ذهني إلى أمي وصحت باكيا متوسلا: لا لا·· ما تقولش لماما·· هل يمكن ان تراني هكذا؟ مستحيل انا أعرف كم تحبني وتشفق عليّ·
وأضاف: ربما لا يرى الناظر الى اليوم دمائي وهي تنزف، واعضائي تتناثر من حولي أشلاء، ولحمي ممزوجا بتراب الأوردي وبازلت الجبل ولكني أعرف ان ما حل بي أشد هولا ربما كان لون بشرتي وحده كافيا للافصاح عما حل بجسدي أما الدمار الداخلي فانا أعرف انه أشد بشاعة·
وهكذا يمتلئ الكتاب بالمشاهد المكتوبة بشاعرية رغم انها تعرض الكثير من المآسي والعذابات التي شهدها سعد زهران ورفاقه أمثال الدكتور فؤاد مرسي واسماعيل صبري عبدالله ومحمد عباس وغيرهم·
واخذت يوميات صنع الله إبراهيم منحى مختلفا كثيرا، لأن 'يوميات الواحات' تضمن قراءات صنع الله إبراهيم آنذاك وأفكاره وملاحظاته وما يرد إلى ذهنه وكان يسجلها على ورق السجائر الرقيق بخط دقيق واحيانا يكتفي بالرمز· وهذا الاختزال يتجاوز فكرة اليوميات نفسها إلى المقدمة التي أشار فيها باختصار للسجن ومفهومه، ولذكرياته عن والده، والعمل السياسي السري ثم الاعتقال·· وظروفه والأيام الأولى ومشاهد التعذيب وبينها واقعة قتل الشهيد شهدي عطية الشافعي من وطأة التعذيب· ولم تكن عمليات الكتابة داخل السجن سهلة لعدم وجود أدوات أو أقلام، وإذا كتبت فأين سيتم اخفاؤها ثم تهريبها؟·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©