الاتحاد

الإمارات

محمد بن راشد: زايد أضاف لحياته حياةَ شعب ولمسيرته إحياءَ أمّة ونفع بحكمته ملايين البشر

«الاتحاد» تنشر فصلاً حصرياًً من كتاب «قصتي»

«الاتحاد» تنشر فصلاً حصرياًً من كتاب «قصتي»

أبوظبي (الاتحاد)

قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أضاف لحياته حياةَ شعب ولمسيرته إحياءَ أمّة ونفع بحكمته ملايين البشر.
وأضاف سموه في كتابه «قصتي» الذي تنشر «الاتحاد» منه فصلاً حصرياً، عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه- أن الناس نوعان: زائدٌ على الحياة وزائدٌ فيها، وأن زايد بن سلطان من النوع الثاني، مؤكداً سموه أن الشيخ زايد علمنا كيف يمكن أن يبقى الإنسان حياً في القلوب والعقول وكيف يمكن أن يبقى الإنسان عالياً في الحياة وفي الممات، وأنه تعلم من الأب المؤسس البحثَ عن مساحات الاتفاق لا الاختلاف، والبحث عن المستقبل لا عن الماضي، والبحث عن أسبابٍ تُوحِّدُنا وتجمعُنا وتقوّينا وترفعُنا، لافتاً سموه إلى أن القائد المؤسس كسب قلوب حكام الإمارات والمواطنين، وأخمد الخلافات مع الجيران ثم تفرغ للبناء والتنمية والعمران.
وتحت عنوان (رحيل زايد) قال سموه:
الناس صنفان موتى في حياتهم * وآخرون ببطن الأرض أحياء
الناس نوعان: زائدٌ على الحياة، وزائدٌ فيها، وزايد بن سلطان من النوع الثاني، زاد إلى حياته حياةَ شعب، وأضاف لمسيرته إحياءَ أمّة، ونفع بحكمته وحنكته ملايين البشر، هذا هو الخلود الحقيقي.
علَّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان حياً في القلوب والعقول، علَّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان عالياً في الحياة وفي الممات.
صحبتُ زايد كثيراً، وتعلّمتُ منه الكثير. تعلَّمتُ منه البحثَ عن مساحات الاتفاق لا الاختلاف، البحث عن المستقبل لا عن الماضي، البحث عن أسبابٍ تُوحِّدُنا وتجمعُنا وتقوّينا وترفعُنا، هكذا كان زايد في سعيه لجمع شمل الإمارات، ولولا حكمته ربما لم تكن الإمارات هي الإمارات.

الأول في كل شيء
وأكد سموه أن الشيخ زايد بن سلطان -طيب الله ثراه- كان الأول في كل شيء، قائلاً: زايد هو أول حاكم للإمارات، أول مؤسِّس، أول من سنَّ قوانينها وتشريعاتها، أول من وضع حجر الأساس لبنائها. زايد هو الأول في كل شيء، والأول دائماً له محبَّة مختلفة، ومكانة مختلفة، ومنازل في القلوب أي منازل.

زايد في العين
وتحدث سموه عن مسيرة الشيخ زايد، فقال: حكم زايد العين منذ العام 1946 عندما كان عمره 28 عاماً فقط. أحبته القبائل، واجتمع حوله الرجال، وبدأ مسيرته من قلب الصحراء. حفر الآبارَ بيده مع البدو، وشقَّ الأفلاجَ معهم بنفسه، ولم تقف ندرة الماء والمال عائقاً أمامه. أنشأ لهم أول مدرسة، وأول سوق، وأول مشفى، وأول شبكة طرق حديثة. هو الأول دائماً. أحبَّه الناس هناك لأنه كان يأكل معهم على الأرض، ويحاورهم ويشاورهم ويعمل بيده معهم. من بساطة العين انطلق زايد في مسيرته من غير تكبُّر أو غطرسة مصطنعة، فنجح في ترسيخ حكمه وحكمته عبر أكثر من نصف قرن وهبها لبلده.

جولة الشيخ زايد
في العام 1953، وقبل أن يحكم أبوظبي بنحو 13 عاماً، سافر الشيخ زايد في جولة شملت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسويسرا ومصر والعراق والهند وغيرها، فرجع من رحلته بقناعة، وبحلم، وبعزم، قناعة أن شعبه يستحق أن يعيش مثل تلك الشعوب، وحُلم بأن يبني دولة تكون مثل تلك الدول، وعَزْم بألا يتوقّف عن حلمه حتى تتوقف أنفاسه. وبدأ رحمه الله حلمه، واستمرّ دون كلل، حتى توقفت أنفاسه في العام 2004، وما زالت إنجازاته باقيةً تتنفّسُ بيننا ما بقيت هذه الدولة.

حكمة زايد
وتحدث سموه عن الحكمة باعتبارها من أبرز سمات الشيخ زايد، قائلاً: صحبتُ زايد في الكثير من اللقاءات والاجتماعات والأزمات أيضاً. إن كان لي أن أصفه بكلمة فهي «الحكمة»، والحكمة كنز عظيم يؤتيه الله من يشاء من عباده، «وَمَن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيراً كثيراً».
كانت له حكمةٌ في التصرُّف بالأموال التي تحت يديه، أموال النفط. هناك الكثير من الدول النفطية في العالم، لكن القليل منها فقط يملك الحكمة، حكمة زايد. سخَّر زايد الأموال لبناء تنمية مستدامة لشعبه، وصُنْع دولة من لا شيء، وبناء إنسان قادر على إكمال حلم زايد. بل سبق زمانه بحكمته المالية في تأسيس صندوق سيادي ليحتفظ بجزء كبير من تلك الأموال ويستثمرها لأجيال لم تأت بعد. كان يفكر، رحمه الله، بأحفاده وأحفاد أحفاده من أجيال الإمارات، حتى أصبح الصندوق السيادي الذي أسّسه اليوم أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.

كسب القلوب
زايد كانت لديه حكمة في إدارة الاتحاد. كسب قلوب حكام الإمارات الست منذ البداية، وامتلك قلوب المواطنين، كل المواطنين. وأخمد كافة الخلافات مع الجيران بشكل كامل ونهائي، ثم تفرغ لمشاريع التنمية والعمران والبناء، واندفع فيها بكل قوة. كانت بساطته تأسر الشباب، وكان كرمه يأسر القلوب، وكانت مشاريعه تأسر العقول دهشة. إنها الحكمة التي أعطاها الله لزايد، «وَمَن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيراً كثيراً».

بناء مجلس التعاون
وأشار سموه إلى جهود الشيخ زايد على المستوى العربي، قائلاً:
أحبَّت الشعوب العربية الشيخ زايد، رحمه الله، أيضاً بسبب حكمته. سعى زايد بقوة من أجل بناء مجلس التعاون الخليجي مع أخيه الشيخ جابر الصباح، واستضاف في العاصمة أبوظبي أول اجتماعاته في مايو 1981. تدخل بين سلطنة عمان واليمن الجنوبي في خلافات نشأت بينهما في ثمانينيات القرن الماضي، واستطاع حلها، ودعا لقمة عربية لإنهاء حرب لبنان في الفترة نفسها، وتوسّط بين مصر وليبيا لحل الخلافات.
كان أول من دعا لإعادة مصر لجامعة الدول العربية بعد الخلاف حول اتفاقية السلام التي وقعتها مع إسرائيل. كان أول من دعا للمصالحة بين العراق والكويت بعد الغزو الغاشم للكويت، وحاول تجنيب العراق الغزو الأميركي عبر عرضه على الرئيس العراقي الخروج واستضافته في أبوظبي. كما ساهم مع الأمم المتحدة في حفظ الأمن في الصومال الجريح من خلال مشاركة قوة إماراتية في القوة الدولية المتعددة الجنسيات في مطلع العام 1993، وغيرها الكثير الكثير من القرارات والمواقف التي تبرز سعي زايد للبحث عن مساحات الاتفاق، وإطفاء نيران الخلافات، والجمع بين الإخوة، ونبذ الفرقة، مواقف تبرز حكمة هذا الرجل، «وَمَن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيراً كثيراً».

حبه للخير
لعلّ أكثر ما جعل الناس تحبّ زايد هو حبّه للإنسان، حبّه لخير الإنسان أينما كان، وشهادتنا في عمل زايد الإنساني شهادة مجروحة، لأنه علّمنا معنى العطاء دون انتظار مقابل. وتعلّمتُ منه بشكل شخصي العطاء في السرّ، المعلن من تبرعات وعطايا زايد أقلّ مما أعرفه شخصياً. كان، رحمه الله، صاحب قلب كبير وعمل مخلص.
لعلّ ذلك أحد أسباب محبَّة الناس له، لعلّ الله أحبَّه ووضع محبَّته بين الناس. لذلك لا أستغرب أن تكون ذكرى زايد من الأشياء الثمينة التي كلما ذكرتُها زادت بريقاً، وكلما مرّ عليها الزمن زادت قيمة.
رحل زايد بهدوء في الثاني من نوفمبر من العام 2004. لعل رحيله بهدوء هو الذي يجعل شعب الإمارات ما زال يعيش مع زايد كل يوم، يعيش مع أقواله، يعيش مع تسجيلاته، يعيش مع حكمته ويستذكرها ويتخذها منهاجاً له في مسيرته. حتى في رحيله، ترك لنا زايد حكمةً عظيمة، ما مات مَن بنى أوطاناً، ما مات مَن خلّف قادةً ورجالاً، ما مات مَن فعل معروفاً، وما مات مَن صنع أجيالاً.
هم أحياء عند ربهم يرزقون، وفي قلوب الناس باقون.. باقون.
في جنة الخلد يا زايد الخير.

 

بداية لكتابة تاريخ نُخلّده للأجيال القادمة
عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن حبه لأبناء شعب الإمارات، حامداً الله تعالى أنه سخره لفعل ما يحبه وهو خدمة شعبه، مؤكداً سموه أنه يحب لأبناء الإمارات السعادة والرضا والأمان.
وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في مقدمة كتابه «قصتي» التي نشرها على حساب سموه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إنه انطلاقاً من هذا الحب المتبادل، كتب سموه محطّات من حياته، باعتبارها «سيرة غير مكتملة، لعلّها تكون بداية لكتابة جزء من تاريخ دولتنا نُخلّده للأجيال القادمة»
وفي ما يلي نص كلمة سموه التي جاءت تحت عنوان «مقدمة لابد منها»
«بسم الله، والحمد لله..
الحمد لله على نعمه الكثيرة عليّ، وعلى وطني، وعلى شعبي..
الحمد لله الذي سخَّرني لعمل أحبّه، ألا وهو خدمة شعبي..
الحمد لله على حب الوطن..
أحبُّ لأبناء شعبي الخير، وهم يحبّون لي النجاح..
أحبُّ لهم السعادة والرضا والأمان، وأراهم يحبّون لي ولأبنائي ما يحبّونه لأهلهم وأبنائهم.
أحب أبناء شعبي، ولهم أكتبُ هذه المحطّات..
محطّات من حياتي..
أكتب ما يُسعفني به ازدحام الأوقات بالواجبات، وما تُسعفني به الذاكرة من سنوات وذكريات..
أكتب سيرة غير مكتملة، لعلّها تكون بداية لكتابة جزء من تاريخ دولتنا نُخلّده للأجيال القادمة..
سيقولون بعد زمن طويل، هنا كانوا، هنا عملوا، هنا أنجزوا
هنا وُلدوا، وهنا تَربّوا
هنا أحبّوا، وأحبَّهم الناس
هنا أطلقوا ذلك المشروع، وهنا احتفلوا بإتمامه
من هنا بدؤوا، وهناك وصلوا في سنوات معدودات
ولا نريد من الأجيال الجديدة إلا أن يقولوا فينا خيراً: فالله في عليائه يعلم نيّتنا في صنع الخير لشعبنا وأمّتنا..
والله يعلم أننا عملنا، واجتهدنا بما استطعنا»

 

 

اقرأ أيضا