الاتحاد

ثقافة

حسن شريف يقدم رؤية جديدة ومعاصرة للعالم وللإنسان

جانب من الحضور في المعرض

جانب من الحضور في المعرض

أكد معرض «تجارب وأشياء 1979 - 2011» الذي تقيمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للفنان التشكيلي الإماراتي حسن شريف حضوراً فاعلاً وقوياً على ساحة الفن التشكيلي في الإمارات وذلك بتوافد أعداد كبيرة من المهتمين بالفن الحديث خلال افتتاحه أمس الأول على قاعة حي قصر الحصن الثقافي بأبوظبي، وحضره محمد خلف المزروعي مستشار الثقافة والتراث بديوان سمو ولي عهد أبوظبي، مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كما شهد الافتتاح عدد من المسؤولين في الهيئة والفنانين والصحافيين، ويستمر المعرض حتى السابع عشر من يونيو المقبل.
أشرف على تنظيم المعرض وتقييمه وإخراجه إلى الجمهور الفنان التشكيلي الإماراتي محمد كاظم والأكاديمية الفرنسية كاثرين ديفيد أستاذة اللسانيات وتاريخ الفن في جامعة السوربون واللوفر في باريس بوصفهما قيمين عالميين على المعارض الفنية المهمة، والتي اعتبر هذا المعرض أحد هذه الإنجازات الفنية المتميزة في العالم.
ويتضمن المعرض التجارب الإبداعية الأولى التي أنجزها الفنان حسن شريف خلال رحلته الفنية الطويلة بما في ذلك عدد من النماذج والأشياء المشكلة، بالإضافة إلى سلسلة من لوحاته المفاهيمية وأعماله المنهجية الأخرى.
ويعد حسن شريف أحد أهم الفنانين الذين أنجزوا أعمالاً حداثية منذ مراحلها الأولى في سبعينيات القرن الماضي وساهم في تميزه عن معاصريه حيث لعب دوراً رائداً في مجاله، حين أدخل الفن التجريبي الى بيئة تقليدية لم يكن للفن المعاصر أي وجود أو ظهور حقيقي.
ومن أهم خصائص هذا المعرض أنه يشرح المفاهيم الفنية التي أصر حسن شريف على تبنيها كالتزام منهجي وفكري في المنطقة. ويعتبر هذا المعرض أول معرض حصري كبير لفنان متميز يمتلك حضوراً قوياً في المجالين المحلي والدولي ويشير إلى تجريبية أعماله ونتاجاته التي تعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً مضت.
وتلخص أعمال المعرض التجريبية من إبداعات ورقية وقطع مشكلة منذ أواخر السبعينيات مجالاً خصباً للتعرف على حداثة هذا الفن الذي أسهم في صنعه الفنان حسن شريف والذي لا يزال يملك حداثيته المفرطة عبر امتلاكه بعداً تجريبياً مدهشاً.
وقد وفر المعرض إمكانية التعرف على التطورات والتحولات التي طرأت على هذا الفن من حيث كيفية التعامل مع الخامات المهملة والهامشية والأشياء اللامنظورة واللامركزية وتحويلها إلى مركزيتها ومنطقتها القائمة على التعبير عن المعنى الكامن فيها.
كانت انتباهات حسن شريف لعالم واقعي مهمل تثير الاستغراب، حينما تتحول الأشياء فيه إلى الفن، وهي بالضرورة تعكس طريقة سير الناس ورؤيتهم للأشياء وشغفهم بالحياة وردود أفعالهم كما يفهم ذلك الفنان نفسه الذي يرى أن هناك نظرتين تتوجبان الجمع بينهما للأشياء وهما الرؤية الذاتية والمفهومية الشخصية وبموازاتها السياق التاريخي الذي تبرز فيه الأشياء.
لعب حسن شريف على المساحة التي يشغلها العمل الفني لديه، وقد انقسم معرضه إلى قسمين كشف لنا القسم الأول من المعرض 12 صورة توثيقية للأداء الحركي مؤشرة بمكان (حتا - دبي) وبزمان 1983 وهي صورة ضوئية مثبتة على ورق مقوى تمتلك 8 عناوين فرعية هي «ماشي» و «غسل الدهليز» و «فريق العمل» و «مربع» و «ظل شجرة اللوز» و «تدوين الأحجار» و «الوقوف في حفرة» و «المكتبة» و «أرجوحة».
وتكشف لنا لوحات أخرى صوراً توثيقية للأداء الحركي أيضاً وتضمن لوحات من عام 1983 و 2006 وهي جسدي في المخزن والمخزن وكتابه وصوت الفعل وطاولة طعام وعد السيارات في شارع الضيافة بدبي 1982 وأشياء في غرفتي 1982 بأعمال سبعة تلخص كل هذه العناوين، وهذه الأعمال تمزج بين التصوير الفوتوغرافي بالأسود والأبيض والتعليق الخطي بالكتابة بوصفه أداة شارحة.
ويتحول حسن شريف إلى أعمال تجريدية تشير إلى أهمية الواحد والاثنين حيث يرى في تعليقه على دلالات الواحد والاثنين وأثرهما في الفعل العقلي واللعب الحسابي فيقول «الرقمان 1 و 2 يمكن استخدامهما لإنتاج العديد من الرسومات المختلفة عن طريق وضع أحدهما بجانب الآخر أو إجراء عملية حسابية بطريقة متعمدة أو عشوائية للحصول على مسافات مختلفة فارغة بينهما» كما جاء في أحد تعليقاته المكتوبة بجوار إحدى لوحاته.
واستخدم حسن شريف اللون الأسود بخطوط مستطيلة متوازية ومنحرفة ومتقابلة على أرضية صفراء في 8 لوحات تميزت بنوعية من الخطاب وهي أولاً خطاب عُلوي مكثف وخطاب سفلي موازٍ له منفرد، وجاء هذا التوازي في لوحتين آخريين وفي لوحة المستطيلات المتوازية.
يعود حسن شريف بعد أن قدم التجريد الذي يثير كماً هائلاً من التأويلات إلى طبيعته الأولى في اقتناص المهمل والعادي ويقدم صوراً شخصية له في لمنجتون آسبا عام 1979 وهي أعمال مكونة من مواد مختلفة لخمس لوحات حيث صوره الشخصية بالأسود والأبيض مصحوبة برسومات أولية بالقلم الرصاص للحي الذي كان يعيش فيه في لندن مع خارطة تمثل مكان المنطقة بأكملها والحي تحديداً فيها.
وينتبه حسن شريف في عام في عام 1985 لمجموعة من البراميل وقد وضعت في يناير من ذات العام على جانبي الطريق المؤقت المؤدي بين دبي والشارقة كي تمنع وقوع الحوادث، إلا أنه يستوحي من هذه البراميل فكرة وعملاً استثنائياً يعيد المهمش إلى المركز والاستثنائي والعادي إلى البؤرة معلقاً عليها بالرسم والتوزيع عبر جدول يوضح مجموعة البراميل المصفوفة على جانبي الطريق المقسم إلى أيمن وأيسر.
يقدم حسن شريف 18 عملاً يتضمن مستطيلات بألوان متعددة منها الأحمر والأزرق والأسود والبنفسجي لتمثل «نعل زنوبة وسلك» نفذت في عام 2009 وهي تجارب بالألوان المائية وقلم رصاص على ورق.
وبالانتقال إلى تجريبات حسن شريف الظاهراتية نراه يقدم عمله المفاهيمي «ملاعق» 2008 المكون من الفولاذ والنحاس بمساحة 45X60X230 سم ويقاربه بعمل آخر مكون من 18 جزءاً تنقسم إلى قسمين، يضم القسم الأول 9 أعمال للأعلى والثاني 9 أعمال للأسفل من الحبر على الورق موزعة على «خط قُطري» وواحد إلى خمسة وشكل شبه المعين وفرشاة وحبر وخطوط أفقية متموجة ومستقيمة.
عند تحولنا إلى مفاهيمية حسن شريف ندخل إلى عالم آخر، يمتلك رؤيته وتمرسه المعرفي وموقفه الإنساني من الأشياء، خيوط وورق مقوى، بيوت، أغلفة، كتب، محافظ ملونة، صناديق معلقة، أشكال تحمل دلالاتها الذاتية، مطارق عوالم متشابكة ومغربة، رموز لقوارب مندثرة وأشياء محطمة، رموز متعددة الأشياء في مقابرها، والعالم يندحر والزمن ينكسر.
كرسي، ملاعق مبعثرة، سطل أزرق للغسيل تخرج منه كل الأشياء، الزمن المهشم، اضمحلال المعنى، تلوث البيئة، اللامعنى الوجودي للحياة، الأشياء تبحث عن معناها بلا جدوى.
شباك الصيد المتبقية تحكي قصة رحيل ناشرها في البحر، خوص النخل تروي قصة ناسجها حيث أحالني الى قول السجستاني عن النخلة «كان يروي أصول النخيل فمات الرجل وعاش الفسيل»، حبال مكدسة، دفاتر قديمة، دفاتر حساب البقال، الديون المتبقية على رجل ارتحل بعيداً، بقايا أقراص ملابس الغسيل، دفاتر الملحوظات المؤجلة للأيام والشهور والسنين، أوراق محفوظة في ملفات، وقفل نحاسي وفرشاة للشعر، ومناشف، وأخيراً.. يبهرنا ويحيلنا إلى تأويلات عدة كدس النعل الملونة الملتمة على بعضها كالتل تشير إلى استلاب الإنسان وقد وضعت وسط قاعة العرض .

اقرأ أيضا

تجليات صورة المرأة في الرواية الإماراتية