الاتحاد

تقارير

تقليص الجيش الأميركي... التاريخ يعيد نفسه!

ها هو التاريخ الأميركي يعيد نفسه مرة أخرى، ذلك أن أوباما بإعلانه يوم الخميس الماضي عن استراتيجيته العسكرية الجديدة ارتكب الخطأَ نفسـه الذي ارتكبه كل الرؤساء السابقين تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولعل من المفارقات الطريفة في هذا المقام أن أوباما نفسه قال: "علاوة على ذلك، علينا أن نستحضر هنا دروس التاريخ. فنحن لا يمكننا أن نكرر أخطاء الماضي -بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حرب فيتنام- عندما لم يتم إعداد جيشنا لمواجهة تحديات المستقبل. وبصفتي القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإنني لن أسمح بحدوث ذلك مرة أخرى. ليس في فترة رئاستي".
غير أن ذلك بالضبط هو ما يفعله مخطط أوباما للأسف، لأنه يتجاهل دروس التاريخ العسكري الأميركي على رغم تأكيده على أنه يعيها ويعمل جاهداً لضمان عدم تكرارها واستنساخها.
ولعل من المفيد هنا تأمل بعض الحقائق المتصلة بهذه المسألة: فالرئيس هاري ترومان، حين قرر السعي إلى تقليص الميزانية العسكرية مخافة تكرار تكاليف باهظة كتلك التي تكبدناها في الحرب العالمية الثانية، عمد هو أيضاً إلى تقليص الجيش من 8 ملايين جندي إلى أقل من نصف مليون جندي. ولولا تدخل الكونجرس، لكان أمر بإلغاء قوات "المارينز" من الأساس وبشكل كلي. والنتيجة كانت إضعاف القوات البرية في حرب كوريا، وهي حرب لم يكن ترومان ينوي خوضها أصلاً.
ومع إيزنهاور جاءت استراتيجية "الشكل الجديد" التي سعت هي أيضاً إلى تقليص عديد الجيش و"المارينز" من جديد قصد السماح بإنشاء قوة توصيل نووية تبنى حول "القيادة الجوية الاستراتيجية".
ثم جاءت حرب فيتنام، وهي حرب لم يكن لا إيزنهاور ولا كينيدي ولا جونسون يرغبون في خوضها، أو مستعدين لاستحقاقاتها الجسيمة. ومع حلول سنوات السبعينيات، تفكك جيشنا المحترف مرة أخرى واستبدل بهواة، وكانت النتيجة التي يعرفها الجميع: الاندحار و58 ألف قتيل في حرب فيتنام. وبعد حرب فيتنام، بادرت إدارة نيكسون بتقليص حجم الجيش مرة أخرى. وأنا أعرف ذلك لأنني كنت شاهداً على حجم تفشي إدمان المخدرات وجرائم القتل وغياب الانضباط داخل الثكنات، وكلها أمور كانت تعزى بشكل رئيسي إلى وجود ضباط صف مثبطين سرعان ما كانوا يغادرون الجيش. ثم جاء الشكل الفريد من الإهمال في عهد كارتر الذي أفضى إلى ما اصطلح البعض على تسميته بـ"الجيش الفارغ" الذي عرفته بلادنا في أواخر السبعينيات، وهو جيش مني بفشل ذريع خلال محاولته إنقاذ الرهائن الأميركيين في إيران.
ولعل الاستثناء الوحيد من هذه القصة المريرة المحزنة جداً هو سنوات إدارة ريجان، حيث تلقت القوات البرية في ذلك العهد تمويلاً كافيّاً لتجهيز وتدريب نفسها بشكل جيد ولذلك كانت جاهزة بشكل كبير لإنجاز المهمة التي كلفت بها في عملية "عاصفة الصحراء".
ولكن سرعان ما حلت المأساة مرة أخرى عندما قامت إدارة كلينتون بتقليص القوات البرية معتزمة الاعتماد على "التحول"، وهو برنامج يقضي بتمويل اقتناء مزيد من السفن والطائرات عبر تقليص حجم الجيش من 16 فرقة إلى 10 فرق لا أكثر.
وفي عهد إدارة بوش الابن، واصل وزير دفاعه رامسفيلد سياسة تسعى إلى استغلال تكنولوجيا المعلومات قصد استبدال زخم العنصر البشري في الحرب بالتفوق التقني. ولولا هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكان حجم الجيش الأميركي قد قلص إلى ثماني فرق لا غير.
وعليه، وبعد تسجيل كل هذه الوقائع والسابقات، فها نحن نشهد اليوم أيضاً تقليصاً آخر في حجم الجيش الأميركي، حيث تعتزم إدارة أوباما تقليص القوات البرية المحترفة من أجل تمويل شيء يدعى "المعركة الجوية البحرية"، وهي استراتيجية تسعى إلى اقتناء مزيد من السفن والطائرات من أجل مواجهة الصين بواسطة التكنولوجيا بدلاً من الرجال.
لكن في ما يلي بعض الدروس التي علَّمتنا إياها السبعون سنة الماضية في الواقع: إننا لا نستطيع اختيار أعدائنا، بل إن أعداءنا هم الذين سيختاروننا. وهم سيتنازلون لنا، مثلما فعلوا دائماً في الماضي، عن الهيمنة في الجو، وعلى البحر، وفي الفضاء، لأنهم لا يمتلكون القدرة على محاربتنا هناك أو مجاراتنا على هذه الجبهات. وقد قام أعداؤنا بمراقبتنا جيداً في العراق وأفغانستان، وتعلموا الدرس المفيد الذي علمه ماو تسي تونج، وهو تشي منه، وصدام حسين، ألا وهو أن أكبر نقطة ضعف بالنسبة للأميركيين هي موت أميركيين في النهاية.
ولذلك، يمكن القول إن عدونا المقبل سيسعى على الأرجح إلى محاربتنا على الأرض، حيث لا نستعد تقليديّاً لخوض الحرب عليها بشكل جيد وكافٍ. وسيكون هدفه هو الفوز من خلال عدم الانهزام، والقتل كهدف أول بدلاً من أن يكون وسيلة لهدف، وسندخل الحرب التالية مرة أخرى على نحو مأساوي مفتقرين إلى المورد الثمين الذي أهملناه على مدى ست إدارات متعاقبة ألا وهو: الجنود وقوات "المارينز".

روبرت سكايلز
جنرال متقاعد، وقائد سابق للكلية الحربية التابعة للجيش الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا