الاتحاد

تقارير

النمو الاقتصادي.. أرقام أم رفاهية؟

في هذه الآونة، تبدو تحية كبار السنّ: «كيف حالك؟»، حافلة بالقلق بالنسبة لكثير منا، وأنا متأكد من أنني لست الشخص الوحيد الذي يتلقى رسائل بريد إلكتروني تنطوي على تحية بها اختلاف طفيف: «كيف حالك، في ضوء حالة الخوف المستمرة التي نعيشها؟»، ولا يتعلق ذلك بالتحزب على الإطلاق. فالقلق ناتج عن حقيقة أن إرسال طفلتك إلى المدرسة يضعها في طريق الأذى، وأن نظامنا السياسي الضعيف غير مستجيب لحالة الطوارئ الوطنية، متجاوزاً حدود الحزبية، وبالطبع، لطالما كانت حالة الطوارئ واقع حياة مجتمعات السود.
بيد أنه، وفي خضم ذلك القلق، يحقق إجمالي الناتج المحلي، الذي يعبر عن القيمة الإجمالية للسلع والخدمات في الاقتصاد، معدلات نمو قوية، ويعمل محرك توفير فرص العمل بقوة، ومعدلات البطالة عند أدنى مستوياتها، ومن المرجح أن تتجه إلى مزيد من التراجع.
وفي الوقت ذاته، كشف استطلاع حديث للرأي أجرته مؤسسة «جالوب» بالتعاون مع مركز «شيركير»، حول الرفاهية في الولايات المتحدة، أن الأميركيين يشعرون بأسى بدرجة أكبر مما كانوا يشعرون بها أثناء الكساد الكبير. ورغم أن معظم الأميركيين يشعرون بالفعل بأن الاقتصاد يتحسن، فالبيانات تُظهر بأنهم لا يتصورون أن رفاهيتهم بشكل عام ترتفع بصورة متوازية.
وقد رصدت تلك الفكرة المتمثلة في أن مصطلحي إجمالي الناتج المحلي والرفاهية بعيدان كل البعد عن أن يكونا مترادفين، قبل أسابيع مضت في حوار مع «ديفيد بايلينج» مؤلف كتاب «وهم النمو». وتضيف وجهة نظر «بايلينج» ملاحظةً دقيقة، هي أنه «مع بدء الدول ذات الدخل المنخفض في رفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، تميل الرفاهية إلى الارتفاع بدرجة متعادلة، لكن بعد مرحلة معينة، تبدأ العلاقة بينهما في الانقطاع».
وكثير من إحصاءاتنا وتحليلاتنا وتقاريرنا الاقتصادية تتجاهل ذلك الانقطاع، فحتى إذا تم بناء مركز تسوق فوق أرض غير ملائمة، فإن الحسابات لا تسجل سوى زيادة في الناتج المحلي، بل إن الأمر أسوأ من ذلك، فإذا أدى التغير المناخي إلى مزيد من التعرض لحالات طقس مدمرة بطريقة تجبرنا على إعادة البناء مراراً وتكراراً بعد الكوارث «الطبيعية»، فإنها تحتسب كذلك في الناتج المحلي لأنه «إجمالي» وليس «صافي»، ومن ثم لا تُخصم منه الخسائر.
وعلاوة على ذلك، تؤدي زيادة الجريمة إلى زيادة الأمن، ومن ثم زيادة أخرى في إجمالي الناتج المحلي. ونعاني أيضاً مشكلة القياس هذه في تحليل السياسات، فأرقام مؤشرات قياس النمو التي تهيمن على السياسات شديدة الوضوح في الوقت الراهن في مجال البيئة، فقواعد السيطرة على التلوث يتم تقييمها، على الأقل على المستوى الفيدرالي، فقط من حيث تأثيرها على الوظائف والنمو. وفي الحقيقة، يبرر المشجعون للنمو موقفهم بالمفاضلة بين الخيارات، فيقولون إن مزيداً من غبار الفحم في المياه هو مقابل لتوفير مزيد من الوظائف في عمليات استخراج الطاقة. لكن مثلما يشير «بايلينج»: «لا يمكن وصف ذلك بالمفاضلة بين الخيارات، إذا كنت تقيس فقط جانباً واحداً من المعادلة».
لكن لا يعني ذلك أن نتوقف عن قياس إجمالي الناتج المحلي، وفي الحقيقة أتصور أن تقرير السعادة العالمي عمل جاد ومقنع، حتى وإن كانت الدول الإسكندنافية تسحق بقية الدول الغربية كل عام. ومن الممكن أن تساعد تلك المؤشرات في تحديد التكلفة الذهنية للتفكك المجتمعي كتلك التي أشرت إليها في بداية المقال.
ورغم ذلك، بمجرد أن نتجاوز الاحتياجات والحريات الأساسية وأوجه الحماية والمشاركة السياسية، يتشوش مفهوم السعادة، فميول الناس وأذواقهم تجعل من الصعب إدراك مفهوم محدد للسعادة.
لذا أعتقد أن ما يتعين علينا القيام به، مثلما يؤكد «بايلينج»، هو أن نعتمد مجموعة من المقاييس المختلفة لتحقيق رفاهية المجتمع. وبالطبع من بين هذه المقاييس «إجمالي الناتج المحلي»، فهو مفيد وإن كان قاصراً على قياس إجمالي الدخل. ولا شك في أنني سأكون أول من يدق ناقوس الخطر عندما يتراجع، لأن ذلك يعني العودة إلى الركود.
غير أننا لابد أن نأخذ في الحسبان أيضاً «القيمة الوسطى»، وليس «المتوسطات»، إذ إنه في عصرنا الراهن مع زيادة معدلات انعدام المساواة، لم تعد المتوسطات (مثل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي) تمثل معظم الناس بشكل كبير. وبحسب بيانات الأجور الحقيقية من معهد السياسات الاقتصادية، فاق متوسط نمو الأجور «القيمة الوسطى» بمعامل أربعة.
وعلاوة على ذلك، من الأمور الأخرى التي ينبغي النظر إليها؛ الثروة وليس الدخل. فإجمالي الناتج المحلي وكذلك الحسابات المالية الوطنية تتجاهل الثروة. وذلك خطأ فادح لأسباب كثيرة، أولها أن الثروة تمكن من الاستثمار الإنتاجي، مثل التعليم أو الإسكان، فهما محددان رئيسيان في الرفاهية المستقبلية. ثانياً، توزيع الثروة أكثر تبايناً بكثير من الدخل، وخصوصاً على أساس العرق. ثالثاً، يشير محلل الموازنات «ريتشارد كوجان»، إلى أن مفهوم أزمة الديون الأميركية مبالغ فيها، لأنه لا يأخذ في الحسبان الأصول الوطنية، لاسيما أنها أكبر بكثير وتنمو بمعدلات أسرع من الديون، وكانت كذلك على مر التاريخ.
أضف إلى ذلك، ضرورة قياس الصافي وليس الإجمالي، فهذا عامل مهم، لأن معظم المؤشرات الاقتصادية، ولا أعني فقط صافي الناتج المحلي، إذ يتم قياسه بالفعل، ولكن أعني الانحسار البيئي. ولابد أن يعكس صافي حساباتنا إضافات إلى الثروة مثل ما يضيفه نظامنا التعليمي من مخزون من الثروة البشرية والمنافع البيئية الناجمة عن العزوف عن استخدام الفحم.
ومن المؤكد أن هذه ستكون مجرد بداية، لكن الخطوة الأولى هي أن نفطم أنفسنا عن مؤشر إجمالي الناتج المحلي، وألا يصبح الركيزة الأساسية، وأن نضعه في إطاره المناسب. فهو ليس سوى أداة قياس واحدة، وبالنسبة للاقتصادات المتقدمة كالاقتصاد الأميركي، ينبغي ألا يكون الأداة الأكثر أهمية.

كبير المستشارين الاقتصاديين لنائب الرئيس السابق جو بايدن
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا