الاتحاد

تقارير

خطاب الهوية... ومخاطر التصلب

المتتبع لخطابات الهوية التي أنتجها الفكر العربي الإسلامي يكتشف أنها خطابات مبنية على الطابع العفوي والعاطفي. إنها تنبني على ثنائية الأنا والآخر والرفض أو القبول المطلقين.
أزمة خطابات الهوية في العالم العربي تتمثل في عملية التبسيط الشديدة التي يتعرض لها مفهوم الهوية نفسه، رغم شدة تعقده وإحالته على عوالم يستحيل تصنيمها واختزالها من خلال الثبات. وتتمثل أيضاً في استمرار منطق الثنائيات المتصلب مما يؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة، أو إلى التعصب والعنصرية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر، والتطرف فكراً وثقافة واجتماعاً.
يلزم الكثير من الجهد لإعادة صياغة سؤال الهوية اعتماداً على إخضاعه للنقد وإخضاع سؤال من نحن لإعادة التنظير؟ الجدوى من إعادة صياغة سؤال "من نحن؟" تتمثل في تفادي السقوط في الفلكلورية.
لا بد هنا من التنصيص على أن نقد خطاب الهوية لا يعني تقويض الهوية والتأسيس لنزعة متطرفة بقدر ما يعني اكتشاف العناصر المتصلبة وإبراز أوهامها.
الأمر لا يتعلق بشك مطلق في الهوية وعناصرها المؤسسة، بل ضرورة إخضاعها لمصير العصر وأساسه صيرورة الزمان ومن ثمة إمكانية تشكيل عناصر جديدة إي هوية منفتحة بعناصر متطورة ومواكبة لإشكاليات القرن في أفق تشكيل الفرد الواعي بذاته المحدد لخياراته.
سيطرة المطلق على خطاب الهوية يحولها إلى مأساة ويسهل تحولها إلى مغامرة أصولية عاجزة عن إدراك الجديد، وبالتالي تشكل تهديداً لكل إرادة في التحديث وتأسيس المجتمع المنفتح والمنشود. الهوية القائمة على الثبات والمطلق كثيراً ما تؤسس لأوهام الحقيقة المطلقة خارج مفاهيم الاختلاف والمغايرة والتعدد والكونية وهي أوهام تقود إلى الانغلاق والتطرف.
القضاء على الأوهام المستندة على هوية متفوقة ومتعالية عن الزمان وغير خاضعة للتغيير ونسبية وغير معترفة بأسباب الهزيمة والتخلف تبقى رهاناً فلسفياً وسياسياً وحتى دينياً لتجاوز أسس هوية مأزومة وهو تجاوز لن يتم إلا بالقطع مع أنماط التفكير المنغلق في كل أبعاده التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية والدينية. وهل يمكننا التمترس بالذاتية والهوية والخصوصية الثابتة في عالم أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود متفتحاً ومتداخل العناصر والهويات، عالم السرعة كما يحلو للفيلسوف الفرنسي "فيربليو" أن يسميه؟
أزمة خطابات الهوية في العالم العربي تتمثل في خلق المتجانس من اللامتجانس، واختزال المعقد في البسيط، عملية التبسيط الشديدة التي يتعرض لها مفهوم الهوية نفسه، رغم شدت تعقده وإحالته على عوالم يستحيل تصنيمها واختزالها من خلال الثبات.
وتتمثل عملية التبسيط في فعلين أساسيين أولهما تحويل الأفراد المكونين للجماعة إلى وحدة متجانسة ومتميزة وثانيهما تحويل تلك الوحدة إلى ماهية ثابتة مستقلة عن التاريخ.
تجانس الجماعة فعل يتم بإرادة انتقاء عنصـر واحد باعتبـاره العنصـر الأساسـي والمحدد (الخطاب النسائي -العرب -المسلمـون - الامازيـغ…). وتتمثـل أيضـاً في استمرار منطق الثنائيات المتصلب مما يؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة، أو إلى التعصب والعنصرية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر، والتطرف فكراً وثقافة واجتماعاً.
التفاعل مع التغيرات المتسارعة في تقنية الاتصالات وأجهزة الكمبيوتر ومع التحرك نحو سوق عالمية متكاملة يؤدي حتماً إلى تغيير معاني القيم التقليدية والتعبيرات الاجتماعية وتحدث أنواعا جديدة من المشاكل قد تكون غير منتظرة. وهي مشاكل لا يمكن لخطاب الهوية المتصلب أن يستوعبها، وهنا تتمثل أزمة خطاب الهوية. لا بد من التمييز أيضاً بين المجتمعات.
العالم الذي يحيا من خلال نماذج يمكن اختزالها في مجتمعات منغلقة وأخرى منفتحة وثالثة تتلمس طريقها ما بين هذا وذاك. وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين المجتمعات حسب درجة انفتاحها "مجتمع قائم على أساس المواطنة والحرية والعيش المشترك وعلى الفردية والذاتية وحرية الاختيار المؤسسات والقيم إبداعات إنسانية، الفكر النقدي يمارس بكل حرية دائم المساءلة لذاته، الفرد قيمة عليا، تحديد الفرد لاختياراته الشخصية"، مقابل مجتمعات منغلقة.
الخلاصة الأساسية اللازمة يجب أن تنبني على تعريف الهوية كوعي متحرك وحيوي بالصيرورة وبالمغايرة والاختلاف، وهي إدراك نقدي متفتح على الآخر. فليست الهوية بمعطى ثابت، ولا هي بملجأ، بل بالعكس، إنها صيرورة وبناء متواصل ومتجدد للذات، وهي تبحث عن اندماج معقلن وذي مردودية يقدر أهمية الآخر، ويقبل به شريكاً متضامناً في الثقافة والمشترك الإنساني.

عزيز مشواط - باحث مغربي

ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا