الجمعة 27 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
نار البطالة تحرق الخريجين
23 أغسطس 2005

الخرطوم- أحمد طه:
عشرات الجامعات تخرّج آلافاً من الطلاب وتستقبل مثلهم سنوياً، دون أن يدرك مسؤولو هذه الجامعات إلى أين يذهب هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم، فالمعروض يفوق الطلب وسوق العمل لا يمكنه بأية حال استيعاب هذا الكم الهائل من الخريجين، الذين ضاقت بهم السبل فعاد بعضهم إلى مقاعد الدراسة ليدرس تخصصاً آخر، وهام البعض الآخر في الشارع ليؤدي وظيفة هامشية لا تناسب مؤهله الأكاديمي أو وضعه الاجتماعي·
ولم يجد عدد كبير من هؤلاء الخريجين فرصة عمل لعدم وجود (واسطة) أو لأن تخصصه لا يتناسب مع متطلبات سوق العمل ما جعل بعضهم ينام في النهار ويتسكع في الطرقات ليلاً عله يجد السلوى مع رفاق المأساة·
أمين محمد علي (سائق ركشة) يعتبر نفسه محظوظاً إذ تعرف بالصدفة على صاحب هذه المركبة البسيطة بعد تخرجه من كلية الهندسة، وحينما عرف أنه يجيد قيادة هذا النوع من السيارات البدائية حيث كان يعمل بالأجرة اليومية في عطلة الصيف، أوكل إليه هذه المهمة، ويقول أمين: يعيش العشرات من زملائي عالة على ذويهم، لذا أعتبر نفسي أحسن حالاً منهم حيث أستطيع تأمين مصروفي اليومي وما زاد عن ذلك أعطيه لوالدتي·
ضربة شمس
بعض الخريجين يؤدون أعمالاً لا تليق بهم ومنهم ياسر الذي يعمل بائعاً متجولاً للنظارات الشمسية منذ الصباح الباكر حتى مغرب الشمس ليعود بحصيلة يضيع نصفها على المواصلات، ويقول، ونظرة من الحزن تطل من عينيه: سعد أهلي بتخرجي من كلية الاقتصاد مع مرتبة الشرف بعد أن دفعوا الغالي والنفيس لكي أكمل تعليمي لكن فرحتهم لم تكتمل لعدم حصولي على وظيفة رغم مرور خمس سنوات من التخرج· ويشير ياسر إلى أنه قد أصيب بعدة ضربات الشمس ومع ذلك فهو يفضل فصل الصيف لأن تجارته تنتعش أكثر· ولا تشعر سمية عبدالوهاب (طبيبة) بأي نوع من الحرج وهي تدير صالوناً نسائياً لمدة تزيد عن الخمس سنوات، وتقول إنها تعبت من البحث عن وظيفة ذات دخل جيد في مجال تخصصها، فلجأت إلى هذا العمل المريح الذي تتقاضى فيه مرتباً أكثر بثلاث مرات من مرتبها إذا ما عملت طبيبة في المستشفيات الحكومية· وكما يقولون، الحاجة أم الاختراع، ينطبق هذا المثل على معالي التي تخرجت من كلية الآداب، قسم اللغة الانجليزية، فبعد أن فشلت في الحصول على وظيفة قررت أن تقوم بعمل المعجنات والكيك في منزلها ومن ثم يتولى شقيقها العاطل عن العمل بعد تخرجه في كلية العلوم بتوزيعها على المحال والمدارس، وتقول معالي التي لا تفارق الابتسامة شفتيها: لقد أصبحت مهمة البحث عن وظيفة أصعب من مسألة العثور على العريس المناسب، وكلا المشكلتين ترتبطان ببعضهما عموماً·· ربنا كريم، وسوف تفرج قريباً إن شاء الله·
بوادر أمل
ومن جانبه يؤكد هاشم محمد علي الذي تخرج من الجامعة قبل أربع سنوات أنه حاول الانتحار أكثر من مرة لكنه لم يفعل ذلك، حيث كان يتذكر وهو في قمة إحباطه وشعوره بالخجل أن والدته التي تحبه كثيراً سوف تموت هي الأخرى إن قام بفعل ذلك، فيتراجع ويمنح نفسه فرصة جديدة للحياة، ويضيف هاشم الذي يئس من الحصول على وظيفة رغم حصوله على درجة الماجستير في العلوم السياسية، إن الأمل بدأ يراوده بعد توقيع اتفاقية السلام حيث لاحت في الأفق بوادر وظائف قد تستوعب عدداً كبيراً من الخريجين· ومن ناحية أخرى تقول سهام أحمد علي خريجة قانون، إن عدد الخريجين لا يتناسب مع حاجة سوق العمل، والجامعات أصبحت مثل الهم على القلب، تخرج آلاف الخريجين سنوياً دون أن تعرف مصيرهم خصوصاً بعد أن بدأ رجال الأعمال الاستثمار في مجال التعليم، لذا يتطلب الأمر أن تقف الحكومة وقفة صدق مع نفسها وأن تبحث عن حلول دائمة لهذه المشكلة الأزلية·
وبنبرة تتضمن الكثير من الحزن والقلق تحدث والد أحد الخريجين العاطلين عن العمل عن حالة إبنه البائسة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ما جعله يفكر في إيجاد عمل حر يشاركه فيه بعد أن استقال من وظيفته ليحصل على حقوق نهاية الخدمة، وقال: البطالة تقضي على آمال الشباب، وتحطم روحهم المعنوية، تصوروا كيف يكون حال الخريج الذي ظل يجد ويجتهد حتى تخرج بتقدير ممتاز ومن ثم يجد نفسه في الشارع؟·
خرج ولم يعد
وتقول أم أحمد التي تقوم ببيع الشاي في الشارع العام، أنها ظلت تعد الأيام وتحسب السنوات لكي يتخرج ابنها ويحمل عن كاهلها تعب السنين، لكن فرحتها لم تكتمل فقد ظل ابنها يبحث عن عمل حتى حفيت قدماه وفي نهاية الأمر هاجر إلى إحدى الدول الأوروبية لتنقطع أخباره· أما زميلتها عائشة التي تبيع الرغيف بجانبها، فقد روت أنها كانت تنتظر يوم تخرج ابنتها الوحيدة بفارغ الصبر، بيد أن فرحتها قد ضاعت في غياهب المجهول وقوائم الانتظار التي لا يعرف أحد نهايتها، وتضيف بصوت يحكي حجم المأساة التي تعيشها: لقد توفى والد إبنتي عندما كانت في الرابعة من العمر فنذرت نفسي لتربيتها وتعليمها حتى ضعف بصري وانهارت قواي، وها هي ابنتي بعد أن أخفقت في الحصول على وظيفة رغم تخرجها من قسم علم الاجتماع بتقدير ممتاز، تجلس طوال اليوم أمام شاشة التلفزيون في انتظار الفرج·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©