الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
الانتخابات الرئاسية فى مصر والحياة السياسية
23 أغسطس 2005

محمد أبو الفضل:
يستشعر المراقب من الخارج للانتخابات الرئاسية فى مصر أن هناك تغيرا كبيرا طرأ على الحياة السياسية فى البلاد بسبب الزخم الذى يحيط بها، وأن حالة الركود التى عرفتها طوال السنوات الماضية أوشكت على الانتهاء، فهى تجرى لأول مرة بالانتخاب المباشر وتتم عمليا بين عشرة مرشحين متنافسين شكليا، لكن موضوعيا تتفاوت أوزانهم بدرجات لافتة، وبدأت وسائل الاعلام الرسمية تتعامل معهم بشئ من الحيادية، وبرغم ميلها الفطرى للتعاطف مع الرئيس حسنى مبارك، غير أنها تحاول إتاحة الفرصة لكل المرشحين للتعبير عن آرائهم بحرية وتوازن وتقديم مواقفهم بديناميكية لتتجاوز بذلك فترات طويلة من العقم الاعلامى والانسداد السياسى، بينما يستشعر المتابع من الداخل أن الصورة تغيرت نظريا من جوانب مختلفة وتدفقت دماء كثيرة فى بعض العروق السياسية، ومع ذلك تظل مجموعة كبيرة من الثوابت على حالها، فحجم التفاعل من قبل المواطنين قليل ودرجة مشاركة النخب محدودة وأفق التعويل على نتائجها ضئيل، فضلا عن تولد شعور لدى فئات أخرى يرى فى ما يجرى سيناريو تم إعداده باحكام لإعطاء إيحاءات سياسية بأن هناك انتخابات حقيقية فى مصر·
وبصرف النظر عن هذا التقويم (الشعبى) فان التقدير الحزبى والسياسى لهذه الانتخابات يتراوح بين ثلاثة فرق أساسية، الأول يؤيدها ويسعى الى دعمها وفقا لصورتها الحالية، لأنها تنطوى على مؤشرات قوية لمرحلة جديدة وخطاب جديد وأهداف جديدة، وداخل هذا الفريق تياران، أحدهما يمثله ما أصبح يوصف فى الأدبيات المصرية بالحرس الجديد وتقوده لجنة السياسات التى يرأسها جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية وتضم مجموعة من النخب فى مجالات متباينة، وهذا التيار بدأ يفصح عن أفكاره وتظهر تحركاته وبصماته فى كثير من مفاصل الحياة، وفى الحصيلة يرى أن هذه الانتخابات هى فرصته العملية لتأكيد جدارة توجهاته السياسية والاقتصادية، ويعتقد أنها تفتح الباب لدخول البلاد مرحلة عميقة من الليبرالية الشاملة، لذلك تجد حماس رجال الأعمال واضحا فى ترتيباتها وإجراءاتها ورهاناتها، والتيار الثانى يسمى بالحرس القديم ويمثله شيوخ الحزب الوطنى الذين تدور حولهم علامات استفهام كثيرة ومن جهات مختلفة، ويحاول ممثلو هذا التيار التماسك ومنع انفلات الأمور بطريقة تؤدى الى تسرب السلطة والثروة من أيديهم، وقد غابت معظم بصماتهم عن الحملة الانتخابية ومقدماتها، بما جعل دوائر متعددة تراهن على انتهاء عهد هذا الحرس عقب هذه الانتخابات، وان الانتخابات البرلمانية فى نوفمبر المقبل سوف تشهد تحولا لافتا فى تراجع دور وتأثيرات هذا التيار وافساح المجال لممثلى التيار الجديد ·
مقاطعة·· ولكن
والفريق الثانى تقف حساباته وتقديراته ضد هذه الانتخابات، ويمثله حزبا التجمع، الناصرى ، فضلا عن بعض منظمات المجتمع المدنى، وفى مقدمتهم حركة 'كفاية' التى استطاعت ان تفرض نفسها خلال فترة وجيزة بحيويتها السياسية وعافيتها النخبوية، وانطلقت معارضة هذا الفريق من أربعة قناعات، جميعها لم تكن فى صالح المشاركة فى الانتخابات الرئاسية، فاضطرت الى تبنى موقف المقاطعة، أولها المقدمات السلبية التى صاحبت الحديث عن تغيير المادة 76 من الدستور المصرى وما تلاها من تعديلات معيبة فى نظرهم، حيث فرضت جملة من القيود على الأحزاب والمستقلين بما جعل أمل الوصول للسلطة محدودا أو معدوما، لذلك رأت اتخاذ موقف المقاطعة كوسيلة للاحتجاج السياسى ومحاولة تعرية الحزب الوطنى الحاكم أمام الموطنين، وثانيها عدم وجود ضمانات بالنزاهة والشفافية فى العملية الانتخابية، فى ظل الضوابط التى وضعت على اشراف رجال القضاء ورفض مبدأ الرقابة الدولية التى أصبحت كثير من الدول العريقة فى الديمقراطية تقبل بها دون سقوف سياسية، ما يعنى ان هناك اتجاها للتلاعب فى العملية الانتخابية ونتائجها، وحسب هذا المنطق آثر هذا الفريق المقاطعة حتى لا يشارك فى مسرحية معروفة فصولها سلفا، وثالثها عدم اعتداد الحزب الحاكم بكثير من مجريات ونتائج الحوار الوطنى الذى أجراه مع أحزاب المعارضة قبل اقرار تعديل المادة ،76 وهو ما جعل بعضها يتشكك فى نواياه، ولا يثق فى وعوده اللاحقة باجراء انتخابات نزيهة، ورابعها تصاعد نفوذ الحزب الوطنى والسيطرة على كثير من مقدرات الحياة بوسائل جديدة تعطى إيحاء بتوجهات ديمقراطية، فقد تسربت رموزه وكوادره داخل المؤسسات وتغلغلت فى الهيئات الرسمية بشكل أصاب معارضيه بالاحباط وعدم جدوى فى أى تفاعل خلاق·
والفريق الثالث، يعتقد فى ضعف فرص المنافسة وخطورة المقاطعة، فلجأ الى المشاركة الفعلية أو الصامتة رغبة فى تسجيل موقف بعدم السلبية وأملا فى فتح كوة داخل الجدار الصلب الذى تم بناؤه خلال عقود طويلة، ويمثله حزبا الوفد والغد، الى جانب جماعة 'الاخوان المسلمين' المحظورة رسميا من ممارسة النشاط السياسى وتحظى بتعاطف فى بعض القطاعات المصرية، وهى تميل للاستفادة من هذه الانتخابات فى محاولة تدشين اعتراف رسمى بها يعزز الوجود الشعبى، لذلك لجأت لسلاح المناورة مع كل التيارات السياسية·
وتستند منطلقات هذا الفريق الى خمسة محددات، الأول فتح الباب لتغيير فى كثير من أنماط التفكير، خاصة التى تقدس الحكومة والحزب الحاكم ، فهدم هذا 'التابو' يمكن أن يكون مكسبا فى المستقبل لمزيد من المشاركة والتفاعل ومن ثم الاحتجاج، والثانى الحد من نفوذ الحزب الوطنى الذى تمددت أذرعه فى مختلف المجالات وقطع الطريق على كافة القوى المعارضة ، مستفيدا من سلبيتها فى فقدان الأمل فى التغيير، فالمشاركة حتى لو كانت رمزية سوف تعطى إشارة لفرملة بعض تصرفات الحزب الحاكم وانفراديته بالحياة السياسية، والثالث يخص متابعة كثير من الأوساط الدولية لها وحرصها على تقييمها وفقا للمعايير المتعارف عليها دوليا، لذلك فهناك مكسب اعلامى للأحزاب المشاركة قد يفيدها فى الانتخابات التالية، البرلمانية والرئاسية، والرابع الايمان بمبدأ خذ وطالب، فالوفد والغد أعلنا تحفظاتهما على كثير من تفاصيل المادة 76 واعترضا على غالبية سياسات وممارسات الحزب الحاكم، والأجدى التفاعل لسحب جزء من البساط من تحت أقدام الحزب الوطنى، ولاسيما أن الرئيس مبارك تعهد بادخال تعديلات والقيام بإصلاحات فى نواحى سياسية وقانونية مختلفة، والخامس الرغبة فى تحريك المياه فى الشارع المصرى الذى ينأى منذ فترة عن الاهتمام بالسياسة، فرؤية مشاهد المنافسة بين الأحزاب وحوارات الشخصيات المرشحة ربما تعكس مضامين ايجابية فى المستقبل وتدفع المواطنين الى مزيد من النضج الذى تستفيد منه القوى الحزبية النشطة·
ثلاث قوى ليبرالية
واللافت للانتباه أن المنافسة الظاهرة بين المرشحين تدور بين ثلاث قوى ليبرالية، فالحزب الوطنى أقدم على تحولات كبيرة فى خطابه وأدبياته، بما جعله أحد القوى الليبرالية الصاعدة وحرص على إرسال إشارات متدرجة تؤكد أنه ممثلها الرئيسى فى مصر، متجاوزا عن كثير من ميراثه الاشتراكى الذى استمده من ثورة يوليو، وبدا الخطاب الليبرالى واضحا فى مفردات الجيل الجديد فى الحزب الوطنى، كما أن حزب الوفد لا يستطيع أحد التشكيك فى توجهاته داخل هذا المعسكر، وإن كانت تصرفاته الفعلية تبدو أحيانا أكثر راديكالية من تصورات قوى يسارية عتيدة، من هذه الزاوية يحاول حزب الغد النفاذ الى الساحة المصرية لاحتكار لقب ممثل التيار الليبرالى، كوسيلة لجذب تعاطف شخصيات ليبرالية، وكطريق لاستغلال الفراغ الذى فشل حزب الوفد فى ملئه خلال السنوات الماضية، وينطوى هذا الملمح المشترك على دلالات كثيرة، ابرزها زيادة رقعة الليبراليين فى مصر على حساب اليسار الذى أخفق فى تجديد دمائه وتخندق حول شعارات لم تعد صالحة لتطورات العصر، وبالتالى فالفترة المقبلة تفرض على قوى اليسار تحديدات دقيقة، إما يستطيع المحافظة على ميراثه الأصيل فى الحركة السياسية أو مواجهة مصير هذا التيار فى دول أخرى·
وقد كشفت الانتخابات الرئاسية ومعطياتها المتشعبة عن حزمة من المعانى المهمة التى يمكن البناء على مكوناتها لتطوير الحياة السياسية، فى مقدمتها دور المجتمع المدنى فى حض الأحزاب على زيادة رقعة التفاعل، حيث لعبت منظماته دورا فى إدخال مصطلحات وتغيير أفكار ومفاهيم جامدة دفعت الحكومة الى الاهتمام بها، لاسيما أن دوائر دولية ناشطة تدعم هذا التيار وتسعى الى توسيع تحركاته، وحملت الانتخابات بين أكثر من مرشح دلالة رمزية تتعلق بالدخول فى مرحلة عمادها المنافسة لا المجاملة، كما أن السخاء فى الحملات الدعائية واختلاف ألوانها وتقاطع شعاراتها يشير الى تحولات فى بعض أنماط التفكير التقليدية، ويقدم نشاط الأحزاب الملحوظ مبررا للحديث عنها بدلا من الكلام عن صحفها ودرجات الاثارة فيها ، وقد بدأت هذه الصحف تهتم بالمعانى السياسية وتقلل من جرعات الصخب والضجيج التى تعودنا عليها·
وباعتقاد أحد المراقبين ان ترشيح الدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد أعطى زخما للانتخابات الرئاسية، فغيابه كان سيحصر المنافسة بين الرئيس حسنى مبارك ومرشح حزب الغد الدكتور أيمن نور فقط، إذا سلمنا أن المرشحين الثمانية الآخرين يمثلون أحزابا هامشية، وبالتالى فمشاركة جمعة تحقق مكاسب للوطنى والوفد معا، فالأول تتعزز جديته فى العملية الانتخابية ويتبين ان الرئيس مبارك ينافس قيادات حقيقية لها تاريخيا طويلا فى العمل السياسي، والثانى (الوفد) يؤكد أنه الممثل الرئيسى للتيار الليبرالى وليس الغد كما يروج فى أدبياته ونشراته، ويستعيد الحزب عافيته السياسية التى تأثرت بخلافاته الداخلية، ويعيد الاعتبار لهيئته العليا، إذ تردد أن جمعة قبل الترشح نزولا على إرادتها، وهو ما يشى بديمقراطية هياكله، ناهيك عن الثمار التى يمكن ان يجنيها الوفد فى الانتخابات البرلمانية، سواء عبر نشاطه وجذب مؤيديه للتفاعل مع حملته، أو عبر وعود تردد أنه تلقاها من مسئولين فى الحزب الوطنى لإفساح الطريق أمام مرشحيه فى بعض الدوائر الانتخابية، وفى كل الأحوال ثمة مؤشرات إيجابية يمكن ان تؤدى إلى تغيير حقيقى فى الحياة المصرية قريبا·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©