الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الصحافة الإلكترونية دجاجة لا تبيض ذهباً
22 أغسطس 2005


بقلم ـ د· ناصر الدين لعياضي:
خلال السنوات الست من وجود الصحافة الإلكترونية تزايد عدد زوار مواقعها في شبكة الانترنت بشكل غير مسبوق، فأفرطت مكاتب الدراسات الاقتصادية في تفاؤلها معتقدة بأن هذا النوع من الصحف يشكل مخرجا لحالة الكساد الاقتصادي الذي عانت منه الصحافة· وذهب بعض المستثمرين إلى أبعد من ذلك حين ظنوا أن الصحف الإلكترونية هي الدجاجة التي تبيض ذهبا، فهي لا تتطلب ميزانية لطباعتها وسحبها، ولا تحتاج إلى الموزعين الذين يأخذون نسبة قد تصل إلى 35% من سعر مبيعات النسخة الواحدة· ناهيك عن قدرتها على فتن المعلنين نظرا لطريقتها المبتكرة في بث المواد الإعلانية المكتوبة والمصورة والمسموعة والتي تختلف عن وسائل الإعلام الكلاسيكية· فالإعلان في الصحافة الإلكترونية يستمر لفترة أطول وينتشر في الكرة الأرضية بأسرها في الثانية ذاتها· وارتفعت في ظل هذا التفاؤل أسهم الصحف الورقية التي تملك طبعة إلكترونية، والتي أدخلت رأسمالها للتداول في البورصة· لكن··· لماذا خبا ذلك التفاؤل كله تاركا وراءه إحساسا بالمرارة وشعورا بضرورة مراجعة كل الحسابات والتكهنات بخصوص مستقبل الصحافة الإلكترونية؟ وأين ذهبت الحماسة؟ ولماذا تلاشت أحلام الصحافة الإلكترونية؟
إن السبب الرئيس وراء ذلك يكمن في الدائرة المغلقة التي أصبحت تتخبط فيها هذه الصحافة، فهي في حال اشترطت مقابلا ماليا من كل متصفح لموقعها فمن المحتمل جدا ألا يتصفحها أحد، وإذا لم يتصفحها أحد يحكم عليها بالفناء· وحتى تستمر هذه الصحيفة الإلكترونية في الوجود على شبكة الانترنت يجب أن تمتلك رأسمالا يمكنها من ذلك، خاصة وأن الصيانة السنوية للموقع الإلكتروني تكلف الصحيفة ملايين الدولارات! و يرى البعض أن لا مخرج من هذه الحلقة المفرغة إلا عائدات الإعلان· وهنا يكمن مصدر خيبة الصحافة الإلكترونية·
فقد برهنت الأيام بأن عائدات الصحف الإلكترونية من الإعلانات مازالت متواضعة أو لم ترتق إلى مستوى التوقع أو الطموح· ففي السنة 2000 لم تحقق الطبعة الإلكترونية لمجلة 'الإكسبرس' الفرنسية سوى 230 ألف يورو مقابل 53 مليون يورو للطبعة الورقية! بينما لم تحصل الطبعة الإلكترونية للصحيفة الإلكترونية ليومية 'لبيرسون' من عائدات الإعلان سوى على 0,5 مليون يورو مقابل 2,3 مليون يورو كانت متوقعة ومدرجة في موازنة الصحيفة· على ضوء هذه الأمثلة رسخت القناعة بأنه يستحيل على أي صحيفة إلكترونية في أوروبا أن تحقق 80 من عائداتها المالية من الإعلانات· وهو الشرط الأساسي لتحقيق استقلالها المالي وتسجيل أرباح مالية·
حرية الاختيار
كان الاعتقاد السابق بأن تصفح الانترنت هو فعل مجاني، لأن حرية الاختيار إذا ارتبطت بالمقابل المالي تنتفي أو تصبح فعلا انتقائيا يقتصر على القادرين على الدفع فقط· لكن أمام قلة موارد الإعلانات هل تتجه الصحافة الإلكترونية إلى تثبيت صيغة تسمح لها بجني الأموال من الذين يتصفحون موقعها في شبكة الانترنت؟ وهل يمكن الحديث، في هذه الحالة، عن التدفق الحر للإعلام في شبكة الانترنت وحرية الإطلاع على ما تتداوله مختلف المواقع الإلكترونية؟ وإذا استمرت الصحيفة في عرض محتويات طباعتها الإلكترونية مجانا على الانترنت ألا تلحق ضررا بالغا بمبيعات طبعتها الورقية؟
لا توجد أي دراسة علمية تجيب على هذا السؤال أو تثبت هذا الأمر، إضافة إلى أن الوضع الفرنسي يؤكد بأن الصحافة الإلكترونية لا تسحب قراء الطبعات الورقية، بل عملت على 'تشبيب' قراء الصحافة المكتوبة، بصفة عامة، حيث أن 60 % من جمهور الصحافة الإلكترونية الفرنسية هم من الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة·في المقابل يؤكد الوضع الأميركي على الحقيقة التالية: كانت صحيفة 'وول ستريت جورنال' تملك أكثر من 600 ألف مشترك يدفع مسبقا ثمن ما يتصفحه لكنها عانت من خسارة مالية حقيقية، بينما تعرض الطبعة الإلكترونية لصحيفة 'نيويورك تايم' محتوياتها في شبكة الانترنت مجانا، وسجلت أرباحا!
ثلاثة أنماط
توجد في شبكة الانترنت ثلاثة أنماط من الصحافة الإلكترونية: النمط القائم على الاشتراكات، والنمط المجاني، والنمط المختلط· فالنمط الأول يضم مجموعة من الصحف مثل: 'وول ستريت جورنال' التي كانت السباقة في تبني هذا النمط، حيث بلغ عدد مشتركيها في انطلاقتها الأولى، أي في السنة ،1998 أكثر من 150 ألف مشترك، يدفع كل واحد منهم سنويا ما قيمته 29 دولارا إذا كان يملك اشتراكا في الطبعة الورقية، و49 دولارا إذا لم يكن مشتركا في هذه الطبعة· أما صحيفة 'لاتربون' الفرنسية فتجني ثلث دخلها المالي الذي يزيد 3,3 مليون يورو مما تبيعه من مواد إعلامية للمؤسسات الاقتصادية، وخاصة البنوك وشركات التأمين·
النمط المجاني
يعتبر النمط المجاني الأقدم والأكثر انتشارا وقد تبنته العديد من الصحف الإلكترونية، مثل: الصحيفة الإسبانية ' البايس الإلكترونية' ويشبه إلى حد ما الاستماع إلى الإذاعة، إذ يكفي أن تكبس على الموجة المختارة فقط·· ويعتقد مناصرو هذا النمط أن الإطلاع على الصحيفة الإلكترونية في الشبكة يكمل عملية بيع الطبعة الورقية، بل يعتبر وسيلة ترويجية لها، ولا يؤثر على رقم مبيعاتها في السوق على الأمد القصير· لكن هذا النمط تطور، إذ اصبح يطلب من كل من يريد الإطلاع مجانا على محتويات الصحيفة الإلكترونية ملء استمارة تتضمن ثلاثة أسئلة فقط: الاسم واللقب، والمهنة، والعنوان الإلكتروني· هذا ما تتطلبه 'التايمز' الأميركية أما صحيفة 'صندي تايمز' فتطلب من قرائها إدخال كلمة السر لقراءة طبعتها الإلكترونية مجانا· إن الغرض من هذه الاستمارة ليس تشكيل قاعدة من المعطيات التي تباع للمعلنين، ولا رسم خارطة لقراء الصحيفة يمكن أن تستعين بها لمعرفة مدى انتشارها وتفاوض بها المعلنين مستقبلا· إن الغاية منها أخلاقية - حسب أرباب الصحف الإلكترونية - وتتمثل في حث القارئ على معرفة شروط الإطلاع على محتويات الصحيفة، واحترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم الاستغلال التجاري لمضامينها، أو تحميل محتوياتها· لقد استطاعت صحيفة 'التايمز' أن تصل خلال أربع سنوات فقط من وجودها في شبكة الانترنت إلى تسجيل 1,3 مليون مشترك، أي بمعدل ألفين مشترك جديد يوميا!
النمط المزدوج
يبدو أن النمط الأكثر انتشارا هو المزاوجة بين الاشتراكات المجانية والمدفوعة مسبقا، ويأخذ هذا النمط صيغا مختلفة، نذكر منها، على سبيل المثال، تجربة صحيفة ' الفايننشال تايمز' البريطانية التي لا تعرض في موقعها الإلكتروني سوى فهرس الصحيفة وملخصات بعض المقالات مجانا· أما قراءة كل المقالات فتتطلب الدفع المسبق· ويستفيد أيضا كل من يدفع مقابلا ماليا من خدمات أخرى، مثل تلقي الأخبار الآنية والمستمرة بدون انقطاع·
بعض الصحف، ومنها العربية، تمتنع عن عرض بعض المقالات والدراسات مجانا وتشير إلى إمكانية قراءتها في الطبعة الورقية· كما قامت بعض الصحف بتقديم كل موادها الإعلامية مجانا وبالمقابل تبيع محتويات أرشيفها· فصحيفة 'لوموند' الفرنسية، على سبيل المثال، تمكنت من بيع ما بين 700 وألف مقال يوميا·
إذاً··· يبدو أن أزمة الصحافة الإلكترونية ومتاعبها المالية أكثر عمقا وتعقيدا مما يتصور البعض، وتتجاوز مسألة إرغام القارئ على دفع مقابل مالي، ذلك أن إرغام الانترنتيين على دفع مبلغ من المال مقابل تصفح محتويات الصحافة الإلكترونية لا يمثل حلا للأزمة التي تتخبط فيها بعض عناوينها والتي أجبرتها على تخفيض عدد العاملين بها، أو على الأقل لا يسد عجز ميزانيتها·
أوروبا لن تلحق بأميركا
يؤكد مركز البحوث والتسويق 'جيبتر للاتصال' بأن سوق الإعلانات في شبكة الانترنت في أوروبا لن يبلغ 'أبدا' مستوى السوق الأميركية· فبالإضافة إلى ثراء هذه السوق واتساعها تصرف كل أسرة أميركية ما يزيد عن 1600 دولار سنويا كإسهام منها في ما ينفق على مستوى الدولة في مجال الإعلانات، أي أنه أكثر مرتين مما تنفقه الأسرة الأوروبية· لتوضيح هذه الفكرة يمكن التأكيد بأن السوق الأميركية من الإعلانات في شبكة الإنترنت لم تتجاوز نسبة 4,1 % من المبلغ المالي الذي أنفق في مجال الإعلان في السنة ،2002 بينما لم تتجاوز هذه النسبة 2% في ألمانيا، و1,7% في بريطانيا، و0,8% في فرنسا، و0,3% في إيطاليا·
عدد 'الكبسات' يحدد سعر الإعلان
يعتقد البعض أن عجز الصحافة الإلكترونية عن رفع عائداتها من الإعلانات يعود أصلا إلى وحدة القياس المعتمدة في شبكة الانترنت والتي تختلف كليا عن الصحافة المكتوبة أو الإذاعة والتلفزيون· إن سعر الإعلان في المواقع الإلكترونية لا يقاس بالمساحة ولا بعدد المرات التي ينشر فيها في الصحيفة، ولا بالثواني التي تخصص لبثه في الإذاعات والتلفزيون، ولا بموعد بثها (في ذروة المشاهدة أو في بقية أوقات البث)· بل بعدد الكبسات التي يقوم بها مستخدم شبكة الانترنت أو متصفح الموقع الإلكتروني على شريط الإعلانات التي تعج بها صفحة 'الواب'· هذه الطريقة من القياس تشبه إلى حد ما، حالة المعلن الذي يدفع ثمن الإعلان الذي يبثه في هذه القناة التلفزيونية أو تلك بالنظر إلى عدد الأشخاص أو الزبائن الذين يزورون محلاته أو مؤسسات إنتاج السلعة، التي كانت موضوع الإعلان التلفزيوني، بعد بثه مباشرة!
لكن هناك من يميل إلى الاعتقاد بأن وحدة قياس الإعلانات في المواقع الإلكترونية تعد نتيجة وليست سببا، بدليل أن الصحافة الإلكترونية الأميركية تحقق عائدا ماليا من الإعلانات أفضل من نظيرتها الأوروبية·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©