الاتحاد

عربي ودولي

شباب سويسرا بين اليمين النازي واليسار المتطرف


جنيف - تامر أبو العينين:
كشفت احتفالات سويسرا بعيدها القومي الذي يواكب الفاتح من أغسطس من كل عام،عن وجود توجهات قوية بين الشباب للميل نحو اليمين المتطرف، لتؤكد المخاوف التي اثارها المراقبون من قبل، وأكدها تقرير الأمن القومي السويسري لعام ،2004 الذي حذر من ميول الشباب السويسري إلى التطرف بين أقصى اليمين واليسار·
فقد قوبل الرئيس السويسري 'صامويل شميت' بعاصفة من الهتافات المعادية لسياسته أثناء إلقاء كلمته الرسمية على قمة جبل 'روتلي' التاريخي، حيث تجمع للمرة الأولى عدد كبير من أنصار اليمين المتطرف يتهمونه بالخيانة والتبعية وبيع البلاد، وقاطعوه بالصفير والأصوات المرتفعة لا سيما عندما تطرق إلى التعايش السلمي بين الثقافات المختلفة وضروة التعاون من أجل تحقيق الإندماج بين شرائح المجتمع، حتى كادت الدموع تطفر من عيني الرئيس السويسري المنتمي أيضا إلى حزب الشعب اليميني وهو يستمع إلى تلك الهتافات المعادية، لاسيما عندما ركز على حرية العقيدة والإشادة بدور الأجانب في بناء سويسرا الحديثة·
وأن يتجمع حوالي 1000 من اتباع اليمين المتطرف في هذه المناسبة القومية، وأن يتم التظاهر ضد التعددية الثقافية في بلاد مثل سويسرا هو نذير خطر يستحق وقفة في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها العالم الآن·
ففي عام 1997 عندما بدأ اليمين السويسري المتطرف في الظهور في الاحتفال بالعيد القومي للكونفدرالية لم يرالمراقبون سببا للإنزعاج لأنها كانت فئات قليلة متناثرة لم تزد عن عشرات المتظاهرين لا يجمع بينها شيء، واكتفت بترديد شعارات الولاء للبلاد·
أما في عام 2005 فكان الجمع غفيرا يتراوح بين 700 وألف شخص من حليقي الرؤوس ومرتدي الملابس السوداء الداكنه والأحذية العسكرية، وكان واضحا أن هناك نوعا من التنسيق بين مختلف التيارات اليمينية المتطرفة، حتى بدت وكأنها اتحدت ونظمت صفوفها·
المتطرفات·· النار والعداء
ومن اللافت للنظر ظهور نسبة كبيرة من النساء في أوساط اليمين المتطرف هذا العام، حيث بلغت نسبتهن ما بين ربع وثلث المتظاهرين، بعدما كن قبل سنوات قليلة لا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة·
وليس من المعروف حتى الآن سبب زيادة المتعاطفات مع هذا التيار إلا إذا كان نوعا من التضامن مع اصدقائهن أو أقاربهن، أو أن يكون التيار اليميني المتطرف قد وصل فعلا إلى شرائح مختلفة في المجتمع، مما يشكل تهديدا جديا للمشهد السياسي والإجتماعي في سويسرا، التي لم تعرف العنف والتطرف بين الشباب مثلما تشهده في هذه الأيام، حتى تمكن اثنان من أكثر الاحزاب اليمينية تطرفا من الحصول على مقاعد في برلمانات محلية، مما يعني احتمال وصولهم إلى حكومات المقاطعات·
ولا يمكن لسويسرا أن تمنع الأحزاب المتطرفة بقوة القانون طالما أنها لم تتسبب في زعزعة السلام الإجتماعي الداخلي ولم تتطرق إلى المواد المحظورة في القانون مثل التشهير باليهود أو الإشادة بالنازية ونكران جرائمها، فطالما بقي نشاطها محصورا في توجيه النقد الحاد للساسة وكراهية الأجانب، فلا يجد الخبراء مبررا لحظرهم·
ويعتقد خبراء الإجتماع أن ارتفاع نسبة المنتمين إلى اليمين المتطرف سواء في التيار اليميني أو اليسار واستخدامهم المناسبات القومية الهامة للتعبير عن وجودهم وحضورهم يعود إلى رغبة هذه الفئة في جذب أنظار الرأي العام والإعلام إليهم الذي لا يمكنه تجاهلهم، وبالتالي يدفعون المتخصصين إلى البحث عن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع اعدادهم، أو يضمون إلى صفوفهم المزيد من الأنصار، لاسيما وأن الإعلام يتعامل مع الظاهرة على أنها نوع من التعبير عن حرية الرأي والفكر، ولا يتدخل الأمن لفض مثل التجمعات طالما أنها لم تصل إلى حد الإشتباك المسلح أو إندلاع أعمال عنف·
ومن المحتمل أن يكون انتشار البطالة والخوف من المستقبل المجهول وعدم وجود أية حوافز للتفاؤل هي السبب الرئيس وراء اندفاع الشباب وراء الإنخراط في تلك التيارات تعبيرا منهم عن واقعهم المتردي وعدم ثقتهم في الساسة وبرامجهم التي لا تخدم سوى مصالح رأس المال فقط، كما يعربون دائما في كل مناسبة عن كراهيتهم للأجانب، على الرغم من أهميتهم بالنسبة للإقتصاد القومي سواء كأياد عاملة أو قوى شرائية ومسددة للضرائب، فضلا عن أنهم يمثلون 20% من تعداد السكان البالغ عددهم قرابة 7 ملايين نسمة·
يسار راديكالي
وبينما يميل اليمين المتطرف إلى نشر كراهية الأجانب، على اختلاف جنسياتهم، لا سيما الملونين ورعايا الدول غير الأوروبية، يركز اليسار الراديكالي في دعايته على المشكلات التي تسببت فيها العولمة، ويساند الأجانب والاقليات العرقية والدينية في الحصول على حقوقهم كجزء من النسيج الإجتماعي الذي يجب على الدولة أن تعطيه كامل حقوقه، مع بعض الأفكار الإشتراكية الداعية إلى ضرورة قيام الحكومة بدور فعال في الجانب الإجتماعي وتقليص سيطرة رأس المال على القرارات السياسية·
وكان من المتعارف عليه ألا تظهر التيارات اليسارية الراديكالية في المناسبات القومية مثلما يفعل اليمين المتطرف إلا أن الفترة الأخيرة اظهرت نوعا من التحدي بين الطرفين حيث يحرصان على التواجد في مكان واحد في أجواء مشحونة بالتوتر، آخرها في احتفالات سويسرا باليوم القومي، فبينما كان اليمين المتطرف يتظاهر على قمة جبل روتلي، كان شباب اليسار الراديكالي يتجمعون في مدينة لوتسرن وسط سويسرا منددين بتفشي العنصرية والأفكار اليمينية، ولحسن الحظ أن الجمعين انصرفا دون حدوث مصادمات·
كما يستغل اليسار فعاليات أخرى ذات بعد دولي أو انساني للظهور فيها، فكان واضحا في المظاهرات المناهضة للحرب على العراق، وجميع الفعاليات المؤيدة لحقوق الأجانب والقضايا الإنسانية مثل مكافحة الفقر في العالم أو اجتماعات المؤسسات المالية الدولية الكبرى، وبالتالي فلهذه التيارات شريحة مختلفة من المؤيدين يمكن أن يلتف معها اليسار الإشتراكي والخضر أحيانا ، كما من السهل أن يختبئ خلفها التيار الشيوعي المكروه أصلا في سويسرا·
البحث عن الجذور
ونظرا لتحذير خبراء الأمن القومي السويسري من خطورة تزايد هذا الإستقطاب الحاد بين الشباب السويسري بين اقصى اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، فقد عكف خبراء الإجتماع على تحليل تلك الظاهرة والوقوف على سبب انتشارها بشكل كبير في السنوات الاخيرة والتي تكون مصحوبة بالعنف في بعض الأحيان، لاسيما إذا اجتمع النقيضان اليمين واليسار في مناسبة واحدة حيث سرعان ما يتم التراشق بالعصي والحجارة·
ومن الواضح أن الإعلام يلعب دورا كبيرا في تفاقم تلك المشكلة؛ فأغلب الشباب لا يعرفون مثلا أعلى يحتذون به أو شخصية ذات اهداف نبية سامية يمكن الإقتداء بها، فالإعلام الموجه إلى الشباب لا يقدم لهم في واقع الأمر سوى السطحية الشديدة ويخاطب الغرائز قبل العقول ويبحث عن تحويل الشباب إلى قوة استهلاكية شرائية كبيرة، حتى وإن وقع تحت طائلة الديون، وحتى الساسة ورجال الإقتصاد يتعامل معهم الإعلام على أنهم مخادعون ويوجه إليهم النقض الشديد مهما أدوا من خدمات، فتترسب صورة سلبية عنهم في مخيلة الشباب·
ومن السهل على الشباب مع غياب القدوة الحسنة والتفكك الأسري والضعف الإجتماعي أن يقع ضحية أي صوت يقدم له ما يمكن أن يكون مبادئ أوقيما أو اهدافا يجب السعي إليها، لاسيما وأن المجتمع السويسري كغيره من المجتمعات الأوروبية يعتمد على الفردية والإنعزالية ولا يدعم اية روابط اجتماعية يمكن أن يجد فيها الفرد ملاذا آمنا فلا يجد إلا المخدرات والكحوليات والأمراض النفسية التي قد تؤدي إلى الإنتحار، أو العيش بشكل هامشي سطحي أو الوقوع في براثن الافكار الراديكالية المتطرفة، فاحتل الشباب السويسري المرتبة الأولى أوروبيا في الإدمان على المخدرات بأنواعها، وارتفعت وتيرة الإنتحار والأمراض النفسية بصورة من الصعب أن تتخيلها في بلد جمع بين مقومات متعددة لتقديم حياة آمنة مستقرة لأبنائه مثل سويسرا·
لهث الأحزاب
في المقابل، لم تقدم التيارات السياسية المعتدلة أية برامج يمكنها أن تجعل الشباب يقبلون على الإنضمام إليها، فهي لا تقدم حلولا فعالة للقضاء على البطالة المنتشرة بين الشباب، ولا تقدم برامج تتعامل مع مشكلات المجتمع المتفاقمة من جراء غياب دور الدولة الإجتماعي، وتحولت الأحزاب بمرور الوقت إلى أداة لخدمة رأس المال والإقتصاد الحر على حساب الكثير من المسؤوليات حتى الثقافية منها والرياضية، وبالتالي يعبر الشباب عن عدم ثقتهم ورفضهم لهذه التوجهات من خلال الإنضمام إلى التيارات السياسية المتطرفة يمينا ويسارا، التي يشعر بينها أنه صاحب رسالة وأن عليه واجبات وسيأخذ مقابلا عنها يتمثل في الإهتمام به·
وتكون مهمة التيارات اليمينية المتطرفة سهلة للغاية في العثور على انصار مع انتشار مستوى التعليم المتوسط؛ فأغلب المنتمين إلى التيارات المتطرفة هم من الحاصلين على قدر قليل من التعليم، وبالتالي يفتقرون إلى الخلفية الثقافية التي يمكن أن تحميهم من الوقوع في شراك اليمين المتطرف أواليسار الراديكالي· ومن المتوقع أن يرتفع عدد المنتمين إلى التيار اليميني بشكل أكثر من غيره من التيارات، لاسيما بعد نجاح حزب الشعب اليميني في تغيير المعادلة السياسية الداخلية السويسرية لصالحه، وظهرت نجاحاته في تغيير بعض سياسات الحكومة المتعلقة بالتعامل مع دول الجوار بالتحديد، أو حتى التساهل مع الأجانب في قوانين منح الجنسية السويسرية، واخيرا نجاح اليمين في الهجوم المتواصل على الجالية المسلمة دون أي رادع قانوني كاف لحماية أتباع ثاني أكبر ديانة في سويسرا· وعلى العموم فإن زيادة أتباع اليمين المتطرف في سويسرا الهادئة المحايدة لا يبشر بالخير، وقد يتحرك الخبراء فقط عندما يدركون بأن هذه التوجهات تشكل خطرا كبيرا على البلاد من الناحية الإقتصادية·

اقرأ أيضا

البرهان يلتقي الأمين العام للجامعة العربية