الاتحاد

دنيا

الدلــــة دليل العراقـة والضيافـة

تصب من الدلة قهوة في فنجانها

تصب من الدلة قهوة في فنجانها

يسعى أبناء الدولة إلى تكريس عادات حميدة تتصل بالموروث الشعبي وتشير إلى أخلاقيات ومفاهيم الأجداد النبيلة، المتصلة في جزء منها بالكرم وحسن الضيافة· فيعملون على إحياء تلك التقاليد، وتعزيز شيمة الكرم العربي، الذي يعد إناء الدلة الجميل، أداته وأحد مفاتيحه، ودلالة أصالته لدى شعب الإمارات·

وليس أدل من تصدر الدلال في المجالس؛ على مكانتها لدى البيت الإماراتي، فلا تخلو منها المجالس الرجالية والنسائية، ولا ''المضافات'' الرسمية، ولا صالات الاستقبال في المؤسسات، إذ تفوح وتُصب منها القهوة العربية·
ظهور أول
ويعود تاريخ ظهور الدلة بمختلف أشكالها، إلى آلاف السنين، ويبدو أنها أول ما ظهرت في الجزيرة العربية، بحسب كتاب ''تاريخ العصر الجاهلي'' للدكتور أحمد رحيّم، كان قبل 500 سنة من الميلاد· كما تطورت الفناجين مع مرور الزمن من أوان فخارية متسعة إلى أوان زجاجية وخزفية صغيرة· لكن البادية العربية منذ مئات السنين عرفت واستخدمت الدلال والفناجين بشكلها الحالي، واعتمدتها كأدوات لسقاية القهوة العربية، أحد رموز العراقة والضيافة· وحرص الأجداد على إشعال نار المعاميل لدلال القهوة، وأن تكون جاهزة في بيوت الشعر، للترحيب بالأقارب والضيوف الكرام، الذين أشار إليهم الشاعر راكان بن حثلين، في بيت شعري جميل: ''يا محلا الفنجان مع سيحة البال···· في مجلس مافيه نفس ثقيله''·
فيما عني الباحثون في التراث بالإشارة إلى الدلة وفناجين والقهوة، وكل ما يتصل بها من موروث وعادات وآداب، كما جادت قريحة الشعراء فوصفت قصائدهم الدلال وتغنت بفناجين القهوة، إذ قال الشاعر محمد بن عبدالله القاضي، في قصيدته الشهيرة عن ''القهوة'':
''لقم بدلة مولع كنها ساق···مصبوبة مربوبة تقل غرنوق''
''بفنجان صين زاهي عن الارماق···· يغضي بكرسيه كما اغضاه غرنوق''
كما تمثل الدلة جزءاً من الثقافة الفنية الجمالية في المنطقة، ولا غرابة أن نجدها مع الفناجين في الفن التشكيلي عبر لوحات الرسامين، أو في الفن الضوئي، عبر صور المصورين، حيث يحرص كل منهما في عمله الفني الذي يرصد الدلة على نقل زخرفات وأشكال الخطوط الهندسية والحروف العربية التي تزين سطحها·
اهتمام واسع
انعكست رعاية أندية التراث بتفاصيل حياة الأجداد، من خلال الاهتمام بإعادة إحيائها، فأخذت على عاتقها ''قرية التراث'' تنشيط مهنة صناعة الدلال، سواء النحاسية بلونها الذهبي المشع، أو الفضية بلونها اللامع، ضمن المهن التقليدية القديمة التي يتيحها ''السوق الشعبي''، فتفنن قسم الحدادة، في إنجاز أشكال وأحجام متنوعة من الدلال كل منها تبز الأخرى جمالاً، بحيث يلاحظ الزائر للسوق مجموعات كبيرة لا حصر لها من أشكال ونماذج الدلال والفناجين، منها ما هو بين يدي الحداد يطرقها بأدوات ومطارق صغيرة، ومنها المرصوف في واجهات المحال بشتى الألوان (ذهبي، فضي، ألوان مختلفة) على هيئة صقر أو شمعة، أو مزخرف سطحها بنقوش جميلة مستوحاة من بيئة الإمارات، كرسوم للإبل والزوارق·
يقول نخيرة بن عبود - حداد: ''نصنع الدلال وفناجينها بمختلف الأشكال والأحجام، ويستغرق إنجاز الدلة النحاسية كبيرة الحجم، حوالي ثلاثة أيام؛ لأنها في العادة تكون منقوشة بزخارف عربية وإسلامية على سطحها وغطائها· ونحرص على جودة التصنيع، مساهمة منا بتقدير وترويج هذا المفصل التراثي المتصل بالأجداد، فالزوار والسياح العرب والأجانب يأتون إلينا من كل أنحاء العالم، للتعرف إلى تراثيات الدولة واقتناء ما نصنعه محلياً من تفاصيل تراثية، بخاصة الدلال، فهم وإن كانوا لا يحتسون قهوتنا العربية، يرغبون في أن يزينوا بيوتهم بها كهدايا وتذكارات من أبوظبي يصطحبونها معهم إلى بلدانهم''·
ويضيف ابن عبود مشيراً إلى إنتاج الدلال: ''تنتج بالسوق كذلك دلال صغيرة الحجم، ليست للاستخدام، بل توضع في البيوت لتزيين زوايا الغرف· نحرص أن تكون أسعارها في متناول مختلف القدرات الشرائية؛ لأن الربح ليس من أهداف سوق القرية التراثية، بل الترويج للصناعات المحلية القديمة، وتعريف العالم بتراث الدولة''·
أسعار مختلفة
وتتفاوت بين عام وآخر أسعار دلال القهوة، ففيما ترتفع في متاجر مراكز التسوق التجاري، تنخفض في المحال خارج المراكز، وتتوافر أصناف عديدة منها، فإلى جانب الدلال التقليدية المصنوعة من النحاس والفضة والبرونز، ثمة أنواع مستوردة من دول أوروبية وآسيوية، مصنوعة من (المعدن المُعالَـــــــــج، والبلاستيك، والستانلس، والستيل) متيحة بذلك خيارات عصرية تحاكي التطور وتغيرات الديكور المنزلي، لتتناغم مع ألوان مفروشات المجالس·
ويشير مصطفى طهراني مدير محل بيع أدوات منزلية ومنتجات تراثية: ''تنوافر شتى أشكال الدلال، منها (الملكية، والأسطوانية، والحلزونية، والنجدية، واليمنية، والشامية، والبغدادية، والرسلانية) مرفقة بصينية ودزينة فناجين (12 فنجاناً)، تباع المصنوعة يدوياً بسعر أعلى من المستوردة، حيث تصل أسعار القطعة منها إلى 2000 درهم، بينما يصل السعر الإجمالي لكامل الطقم (دلة وفناجين وصينية) إلى 3500 درهم، أو أكثر· وهناك أطقم متعددة الأحجام يصل سعر الطقم الواحد منها إلى 5000 درهم''·
ويلفت الطهراني إلى توافر أطقم دلال غاية في الجمال، يقول عنها: ''هناك أطقم دلال فاخرة مذهبة، خاصة بالمجالس الكبيرة، تصنع في ورشات محلية، وبعضها مستورد، تتراوح أسعارها بين 10-8 آلاف درهم· لها زبائنها الراغبون في اقتنائها، في حين تباع ملايين الدلال سنوياً، بمختلف أنواعها وأشكالها وأحجامها وأسعارها، في إمارات الدولة''

اقرأ أيضا