الاتحاد

دنيا

آمنة سعيد: مهمة التلي إضفاء الرونق والجمال

تختار

تختار

يومض بريق مهنة ''التلي'' إحدى أقدم المهن التقليدية في المنطقة، التي تعتمد على يدي المرأة، لكونه فناً نسائياً جميلاً، كانت جداتنا تمارسنه في حياتهن اليومية لإنجاز ثيابهن الخاصة، ومنهن من كانت تمتهن ''التلي'' وتتقاضى مكسبها بعض الروبيات شهرياً· ويتشكل ''التلي'' عبر جدائل من خيوط القطن البيضاء مع جديلة من الفضة تتشابك معها في أكثر من تطريز وتشكيل، ويستخدم بعد اكتمال نسجه كسوار للأكمام وأطراف السراويل وثنايا رقبة وصدر الثوب· كما كانت بعض خطوط ''التلي'' تستوحى من مفردات البيئة كرسوم الزهور والنخيل والغزلان والصقور، وكذلك من مفهوم فن التطريز والزخارف الهندسية·
وإلى جانب كونه فناً جميلاً، فهو متوارث من الجدات إلى الأمهات إلى الحفيدات، إذ لم يكن يخلو بيت في الدولة من وجود ثوب أو كندورة أو سروال يحمل تطريزه البديع، كما لم يكن يخلو من وجود امرأة مبدعة فيه بإنجاز ''التلي'' كالوالدة آمنة سعيد- أم أحمد، التي أمضت بين خيوطه وتشكيلات 55 عاماً·
إرث جميل
في العاشرة من عمرها، ورثت الوالدة أم أحمد مهنة ''التلي'' عن والدتها التي تعلمت بدورها المهنة من جدتها· فبدأت أول الأمر بتطريز بسيط لثوب شقيقتها، بعد أن راقبت طويلاً طريقة أداء والدتها خلال نسج الشرائط· وكانت والدتها ترسلها لشراء البكرات وخيوط القصب والإبر من دكان صغير يجلب إليه بعض صغار التجار بضائع بسيطة من مراكب قادمة من الهند وإيران· بينما كانت تفصّل والدتها ''الكاجوجة'' لدى المنجد· وفي سن الثالثة عشرة باتت ماهرة جداً في نسجه، وتنافس شقيقاتها ووالدتها·
ومع مرور الأعوام، وقيام الاتحاد، وانطلاق التوجيهات الدائمة بإحياء التراث والمحافظة عليه، لم تكن الوالدة أم أحمد تترك مناسبة رسمية أو مهرجاناً أو معرضاً إلا وتحرص على المشاركة فيه من خلال قرى التراث والأسواق الشعبية، لتمارس أمام الزوار طريقة صنع ''التلي'' وتدرب بعض المشاركات في الفعاليات على نسجه، لإضافة الجمال والرونق البديع لأثوابهن· وبينما اصطحبتني الوالدة أم أحمد، لنمضي إلى مجلس واسع مصنوع من سعف النخيل ''العريش'' حدثتني ببهجة عن إتقانها نسج ''التلي'' تقول: ''أستخدم في إنجازه أداة تسمى الكاجوجة وهي القطعة الرئيسة للتطريز، حيث تتكون من قاعدة معدنية لها قمعان ملتصقان تضم حلقتين على إحدى القواعد لتثبيت ''المخدة- الموسدة'' وهي وسادة قطنية بيضاوية الشكل، تلف عليها الخيوط الذهبية والفضية والملونة عبر''الدحاري'' أي بكرات الخيوط المستخدمة في إنجاز شريط ''التلي'' ويتم صفّها حسب نوع وحجم التطريز المراد صنعه· وأما ''الإبر'' فهي لتثبيت الشريط الموضوع على الموسدة· وكلما زدنا عدد البكرات، يعطينا شريط تطريز عريضاً وطويلاً، حيث ننسج أنواعاً مختلفة منه، لكل منها استخدام على ثوب المرأة، فمنها شريط أو سوار للأكمام أو للرقبة أو للسروال''·
أدوات متعددة
وبعد وصولنا إلى المجلس، حيث ينتظرها ركنها وأدوات عملها، جلست القرفصاء وقرّبت ''الكاجوجة'' إليها بحركة سريعة، ودعتني إلى الجلوس بالقرب منها، كي تسهب في وصف كل ما أشاهدها تقوم به خلال نسج شرائط ''التلي'' التي وضعتها على عدة وسائد· تقول: ''هذه الوسادة اسمها ''كاجوجة'' وتسمى كذلك ''كجيمة'' وكما تلاحظين تتربع على قمة كرسي معدني، وتثبت عليها الخيوط والبكرات''·
وتضيف الوالدة أم أحمد، موضحة الأدوات الأخرى التي يلزم توفرها، وتقول: ''أهم الأدوات والتقنيات المطلوبة، هي ''الخيوط القطنية البيضاء''، وعادة ما تكون على جانبي الشريط، يتوسطها الخيط الفضي·
أما ''خيوط الخوص'' فقد كان استخدامها دارجاً قديماً، وهي خيوط فضية اللون، ومع مرور الزمن تنوعت أنواع وألوان الخوص إلى الأحمر والأزرق والأسود والأخضر والذهبي، وألوان أخرى عديدة، حيث يبلغ عرض خيط الخوص 1 سنتيمتر·
وهناك ''خيوط زري'' وتقتصر على لونين ذهبي وفضي، وتكون بذات عرض الخيوط العادية· بينما ''خيوط بريسم'' هي خيوط حريرية لماعة وبراقة وتدخل أحياناً عوضاً عن الخيوط البيضاء أو معها''·
أنواع وأحجام
وتختلف شرائط ''التلي'' في الحجم والطول والسماكة ونوع التطريز، وقد كانت قديماً محدودة النقوش، أما اليوم فقد أصبحت نقوشه متنوعة كثيراً، وبدأت تدخل على أثواب الأعراس والسهرة، ويطلق على تلك الشرائط المزخرفة ''البادلة'' تحدثنا الوالدة أم أحمد عن أحجامها وأنواعها، تقول: ''نطلق على الشرائط اسم ''البادلة''، وهناك الصغيرة: وهي تطريز يركب على أكمام الثوب أو أطراف السروال· وأما الكبيرة: فهي تؤدي عمل البادلة الصغيرة مع اختلاف تركيبها على السروال الكبير، والأكمام الواسعة· وغالباً تكون خيوطها بيضاء اللون، أو يتم إدخال خيوط ملونة أو ذهبية وفضية مقصبة· ويتم تجديل البادلة على''الكاجوجة'' وتجمع لتكون القطعة المركبة على طرف السروال، يبلغ عرضها 2 أو 3 سنتيمترات وتحتاج إلى 4 أو5 بكرات لنسجها، بينما تتكون من عدة أجزاء أهمها: ''منشارة'' حيث يعمل على الكاجوجة بطريقة التعرجات ويصل حتى 7سنتيمتر· وهناك ''الوسط'' يتوسط البادلة بحجم 2 سنتيمتر، ويحاك على شكل مثلثات مقلوبة ومتقابلة· وهناك ''الجيطان'' وهي ما تقفل بها البادلة· أما ''الفاتلة'' فهو تطريز بسيط يركب على أكمام الثوب والرقبة ومحيط الصدر''·
تشكيلات مختلفة
ويتعدد نسج ''التلي'' ويتنوع بحسب الخامات المستخدمة في تطريزه، إذ تشير الوالدة أم أحمد إلى أنواعه، وتقول: ''ثمة نوع شهير منه اسمه ''التقليدي'' وهو تجديلة الخيوط القطنية التي تشمل 6 ''دحاري'' على الجانبين، يتوسطها خيط الخوص الفضي أو الأبيض أو الأحمر· وهناك ''الزري'' وهو تجديلة خيوط على الجانبين يتوسطهم خيط خوص يتناغم مع بقية الألوان، ومع لون قطعة القماش التي يدخل ''التلي'' عليها·
وهناك ''البريسم'' وهو تجديلة خيوط على الجانبين يتوسطهم خيط خوص يتناغم مع بقية الألوان· ومن تشكيلات التطريز، هناك ''بوفص'' ويطرز بنفس الطريقة التقليدية، إنما يتخلل خيط الخوص الفضي، لون آخر بتشكيل دائري· وهناك ''تلي التعاون'' يكون بنفس الطريقة التقليدية، على أن يكون في تشكيلة كل مترين لون واحد من ألوان الخوص الأوسط، مع توحيد اللون على الجانبين· وهناك ''بو جنب'' تختلف الخيوط المجدولة في جانبه الأيمن عن جانبه الأيسر، ويكون الجانب الأيمن من الخيوط القطنية ممزوجة بخيوط الزري والبريسم· وهناك ''تلي الشطرنج'' يتوفر فيه لون الخوص في الوسط وتتغير الخيوط الجانبية بالتناوب لكل 2 سنتيمتر في الشريط''·
أسرار المهنة
ويطيب للوالدة أم أحمد كشف بعض أسرار المهنة على مسامع طرق البكرات ببعضها البعض خلال إنجازها بادلة فضية اللون، تقول: ''التطريز بالتلي يدخل عادة في عمليات حسابية وفنية، لاتورث بل تكتسب بالخبرة والمران· فنسج ''الفاتلة'' يحتاج إلى 8 ''دحاري'' وذات العدد تحتاجه كل من البادلة الصغيرة، والمتوسطة·أما الكبيرة فتحتاج إلى 40 بكرة خيوط إضافة إلى 5 بكرات خوص''·
كذلك تكشف عن أجزاء البادلة التي تثبت أسفل السروال، ولها تسميات خاصة بشكل التطريز وتكوينه، هي ''البيت'' ويتكون من 2 زري و44 خيطاً ويأتي بأنواع مختلفة· و''بيت مقفل'' يسمى بذلك لعدم وجود فراغات بين أي خرزة وأخرى حتى أن الخيط لا يمر بينها· ''بيت أبو البيطان'' ويتكون في خرزتة على شكل مثلث· و''بيت بقش الكرسي'' وتكون الزخرفة فيه نصف دائرية وتتبع كل واحدة الأخرى· فضلاً عن بيوت أخرى أقل استخداماً''·
وفي ختام اللقاء معها، رفعت ''الكاجوجة'' ووضعتها جانباً، واعتدلت في جلستها، قبل أن تنهض واقفة، وتقول: ''أنهيت في هذا الشتاء؛ 65 عاماً من عمري، لا أعلم في أي شهر، كل ما أعلمه أن أمي أخبرتني بأن مولدي كان في الشتاء بينما الأمطار تتساقط على بيتنا الطيني الممزوج بالجص والآجر وسعف النخل· والحمد لله لدي الآن عشرة أبناء، بينهم خمس بنات، جميعهم بلا استثناء أنهوا تحصيلهم العلمي، وعملوا وتزوجوا واستقروا في بيوتهم''·
ولم تنس أن تذكر مجدداً أنها بغية المساهمة في حفظ تراث الوطن نسجت ''التلي'' لأكثر من نصف قرن، ولا تزال، وأنها بفضل الله تعالى علمته لكل بناتها وبعض حفيداتها، وللفتيات في الملتقيات والمهرجانات

اقرأ أيضا