الأحد 29 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
حسن المطروشي: القصيدة التي تحيا على السطح لا تعنيني
21 أغسطس 2005

حاوره في مسقط ـ مصطفى المعمري:
رغم اهتمامه برموز الأدب العماني القديم مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وبن دريد، والكيذاوي، والستالي وغيرهم من الأدباء الذين تكتظ بهم ذاكرة الشعر العماني إلا أن أنه لا يرى نفسه امتدادا لأحد، وإنما يسعى لشق مجراه الخاص في نهر الشعر العماني محتفظا في الوقت ذاته بولاء كبير لتراث القصيدة العربية الأصيلة· من هنا، ربما، جاءت لغته الخاصة وأسلوبه المميز الذي يشكل توليفة غنية من التراث والحداثة في نسق جميل متجدد، يعكس رؤيته في التعامل مع الوزن والقافية وترميم القصيدة المقفاة التي كتبها وفق صياغات مستحدثة لفتت الانتباه·
الشاعر العماني حسن المطروشي صاحب 'وحيدا كقبر أبي' الذي لقي تقريظاً واستحساناً من غير ناقد، يتحدث عن تجربته الشعرية، ويحكي عن ينابيع الذاكرة ومشاهد الطفولة البريئة، ويفتح نافذة على عوالم الماضي الساحرة ويرحل في ملكوت الكتابة والإبداع وغيرها من شؤون الكلمة وشجونها في هذا الحوار:
؟ المتأمل في قصائدك يجد أن كل قصيدة تمثل عالما مستقلا بذاته له فضاؤه الخاص وسماته التي تميز كل قصيدة عن الأخرى··· إلامَ ترد ذلك؟
؟؟ الشعر عالم من التجريب المستمر والبحث الدؤوب، والتساؤل الدائم الذي يفرض علينا إعادة رؤية الأشياء وخلخلتها وفق رؤية جديدة ومقاربة مغايرة· وربما أستطيع القول أنني أحاول التجديد في الأفكار والطرح واللغة والتوظيف الفني والرموز والتناصات وغيرها من التقنيات الإبداعية التي أرصع بها أرض القصيدة البكر· وقد أذهب بعيداً في الثقة حين أقول: إذا لم تشكل القصيدة مناخا مغايرا عن سابقاتها فلن أكتبها· ثمة شعراء تشعر وأنت تقرأ مجموعة شعرية لهم أن المجموعة كلها عبارة عن قصيدة واحدة تفصل بينها العناوين فقط، من دون أن تلمس أي فروقات بين النصوص، وهذا ما أرفضه تماما، لأنني أبحث عن قصيدة تختلف عن كل ما هو موجود في شعري أو شعر غيري··· قصيدة تبتكر غيومها وتجترح طيورها وشجيراتها الخاصة·
فتنة الأنثى وحكمة الأولياء
؟ ثمة من يحصر الشعر في ما يحققه من المتعة الأدبية، في حين يرى آخرون أن وظيفة الشعر تتجاوز المتعة الأدبية إلى القضايا الأخرى، أين أنت من هذين القطبين؟
؟؟ المتعة الأدبية رغبة ينبغي إشباعها، وهذه وظيفة من وظائف النص الأدبي الجيد، إلا أن هذا الهدف لا ينبغي أن يكون هو الهدف الأساسي للكاتب· إذ أن هناك موازنة بين الجمالي والتأملي الواقعي يتوجب توفرها في النص· وحسب موكاروفسكي (ينبغي فهم العمل الأدبي دائما بوصفه رسالة إلى جانب كونه موضوعا جماليا)· و لكن على النص في تحاوره مع الواقع ألا يقع تحت هيمنة التفاصيل الدقيقة بحيث يقوم بتصويرها على نحو آلي أو يصفها بطريقة مستنسخة باهتة تفتقر إلى الإبداع· إن المبدع عند كتابة القصيدة يمارس نوعا من عملية الهدم و البناء و إعادة صياغة الأشياء و تشكيلها وفقا لرؤية حلمية تستدرج الواقع إلى فخاخ الحلم و الحدس والتجلي··· إنه يقوم بتشييد عالم من الجمال المتخيل على أنقاض هذا العالم الواقعي المترع بالقبح و البشاعات و الحروب و الكوارث· و سلاح المبدع في هذه العملية هو اللغة التي يستثمر إمكاناتها و انزياحاتها وصولا إلى نص أدبي تتجاور فيه فتنة الأنثى و براءة الطفل و حكمة الأولياء·
الإبداع ضد الثبات
؟ هذا يعني أنك لست مع مفهوم الفن للفن؟
؟؟ ليس ثمة مفاهيم ثابتة في عالم الإبداع، وإلا أصبح عالما جامدا ساكنا· فالمفاهيم والرؤى و النظريات تظهر وتتغير لتحل محلها قناعات أخرى تفرزها سيرورة الحياة· لقد سقطت الأيدلوجيات وتبعتها النظريات الكثيرة التي جرفتها تيارات أكثر عنفوانا وتألقا· لا مجال للمفاهيم والرؤى المطلقة في الفن والأدب، فما هو حديث اليوم يصبح باليا غدا· وأعتقد أن مبدأ الفن للفن كان مثاليا أكثر مما ينبغي، إنه يطالب الأديب أن يعيش في عزلة عن الحياة و يقطع صلته بها على نحو يتعذر معه التفاعل مع مجريات الوجود· إننا نأمل أن نمارس الفن للفن فقط ولكن الواقع الذي نعيشه يفرض حضوره على أعمالنا و يتسلل إلى حروفنا خلسة دون ان ندري· لم يعد بإمكاننا الجلوس والاستمتاع بجمال العالم ونحن ندير ظهورنا لكل ما يجري من المآسي والنكبات التي يمر بها الإنسان على رقعة هذا الكون·
ينابيع الخصوبة
؟ تعمد إلى استخدام الرمز والتناص والتوظيفات التراثية والأسطورية والدينية المختلفة في القصيدة··· هل هي ممارسة للهروب من جبروت الواقع عبر الأقنعة المتعددة؟
؟؟ القضية لا تتعلق بالهروب أو المواجهة بقدر ما هي محاورة للواقع عبر لغة القصيدة و تقنياتها التي تتداخل في نسيجها الأصوات والألوان والأزمنة والأمكنة، وتصب في جوفها كل تلك الينابيع التي تروي خصوبتها وتسهم في تشكيل ملامحها وتكويناتها الدقيقة· القصيدة - كما تقول جوليا كريستيفا- 'امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى'· إنها رحلة توقية عبر فجاج الزمن و وهاد التاريخ··· استنطاق لأساطيره و إيقاظ لشخوصه وأطيافه الهاجعة هناك في الظلمة··· استحضار لحروبه وترميم لقلاعه التي ابتلعها البحر قديما··· ملاحقة لتجليات الوجوه العابرة بصمت في دهاليز الذاكرة· وعلى حد تعبير أدونيس: 'إذا كانت كتابة القصيدة قراءة للعالم، فإن قراءة هذه القصيدة هي كتابة للعالم'، فإذا كان الأمر كذلك فلا بد من حشد كل هذه المرموزات في فضاء النص كي تعطي صورة مكثفة حية نابضة مليئة بالحركة والأحداث التي تنقل القارئ إلى آفاق الحلم والدهشة·
؟ ما السرّ في أن توظيف المفردة القرآنية يغلب على غيره لديك؟
؟؟ القرآن يمثل مرجعيتي الثقافية، وهو مورد خصب للاكتشاف والكشف· إن توظيفي للمفردة
القرآنية في سياق النص الشعري يرمز قبل كل شيء إلى انتمائي الحضاري وخصوصيتي الثقافية التي أسعى إلى تعريف الناس بجمالها وتسامحها من خلال عملي الأدبي، من دون الوقوع في فخ الأيديولوجيا أو الطرح السياسي، وإنما بوصفها رسالة حضارية ثقافية جمالية أود التعبير عنها من خلال القصيدة التي أخاطب بها الإنسان أينما كان· من جهة أخرى نحن نمر بما يسمى عصر العولمة الشاملة التي جعلت من العالم بيتا مصغرا، وألغت الكثير من الحدود والفواصل بين أبناء البشرية بما خلقته من ظروف إعلامية وتكنولوجية ومعرفية هائلة، مما جعل من الضرورة بمكان العودة إلى الجذور والتمسك بالأصالة والحفاظ على الهوية وتعريف الناس بها في زمن يقتلع كل هذه القيم الجميلة التي ناضلت البشرية من أجلها طيلة تاريخها المديد·
فيوضات الماضي
؟ وماذا عن ملمح البحر والتراث الخليجي الذي تخصه بعشق كبير في نصوصك؟
؟؟ التراث البحري والخليجي يمثل لي ينبوعا جماليا متدفقا لا ينضب··· إنه الينبوع الذي ينساب حاملا معه عبق الطفولة وبراءاتها الأولى وذكريات الحياة البسيطة التي ما زالت حاضرة بعمق في مخيلتي مهما تغيرت الظروف ودارت الأحوال· هذا الزخم الهائل من الذكريات والدروب والليالي والوجوه يشق طريقه بعنف نحو القصيدة ملونا فضاءها بوهجه الأزرق الندي المضمخ برائحة الحقول وأغاني الفلاحين وصلوات الزهاد ومواويل البحارة وأنفاس الحقول وأصوات السمّار وشذى القهوة في البيوت البعيدة· للماضي سطوته الآسرة وسحره الخلاب في دواخلنا· واعتقد أنه ماض يستحق أن تجسده القصيدة، فهو يفتح لها آفاقا من الجمال الباهر ويعطيها نكهة خاصة بمذاق خليجي تفتقده أعمالنا التي جرفتها رياح التغيير وأفقدتها ملامحها وطمست هويتها، وقد آن لنا أن نعود لهذا النبع الخصب لنغترف من فيوضه وننقش به تيجان القصيدة·
؟ أنت متمسك بكتابة القصيدة المقفاة على الرغم من كتابتك قصيدة التفعيلة··· كيف تصف هذه العودة للشعر المقفى؟
؟؟ أنا أكتب النسقين (التفعيلة و المقفى) إلا ان الشكل التفعيلي الحر يغلب على نصوصي، بالرغم من أنني لا أهتم كثيرا بجدلية الأشكال بقدر ما أهتم بمضمون القصيدة والصورة الشعرية التي هي محور العمل الشعري و روحه و جوهره· لقد التفت البعض إلى القصيدة المقفاة التي أكتبها أو هي التي لفتت الأنظار إليها كونها قدمت نموذجا جديدا للصورة النمطية والسائدة المتعارف عليها للقصيدة المقفاة، فهي لم تحتفظ من إرث القصيدة التقليدية سوى بالشكل الخارجي، وتجاوزت كل الآراء المثارة حول قصيدة البيت وما يشكله الوزن العروضي من عوائق وقيود تعوق الإبداع و تحد من قدرة الشاعر على التعبير وما إلى ذلك مما يتردد لدى البعض· لقد أثبتت القصيدة المقفاة الجديدة بأنها قادرة على استيعاب معطيات الحداثة والاستفادة من كل التقنيات التي تطرحها المدارس الأدبية الحديثة· إننا لا نحصر الشعر في شكل واحد أو نقيده بنموذج أوحد و لكننا نرى أن الموسيقى الخارجية تضيف الكثير من النشوة والجمال والدهشة إلى القصيدة بخلاف الكلام المرسل على عواهنه بدون رنة موسيقية أو ملامسة إيقاعية تسري بالكلمة إلى سويداء القلب· الوزن ليس شيئا تكميليا زائدا في الشعر العربي و إنما نابع من اللغة العربية ومبني على ثوابتها وتراكيبها المعروفة، و لا توجد أمة من الأمم تمتلك رصيدا إيقاعيا شعريا كما هو موجود لدينا نحن العرب· وحين ضاقت الأمم الأخرى بالوزن و القافية و بحثت عن شيء بديل خارج الوزن فإنها كانت محكومة ببدائل ومناخات محددة وضيقة في تراثها العروضي، أما نحن العرب فالأمر مختلف بالنسبة لنا تماما·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©