الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
مسرح الدولة المصري على شاطىء الخصخصة
مسرح الدولة المصري على شاطىء الخصخصة
21 أغسطس 2005

القاهرة - أحمد الجندي:
على مدى سنوات طويلة سمعنا من نجو م مسرح الدولة في مصر عبارات الإشادة والثناء والمديح على المسرح العريق وكثيرا ما سمعناهم يهاجمون مسرح القطاع الخاص ويصفونه بأنه 'مسرح سياحي' لا يقدم الا التسلية الخالية من أي مضمون بل ان الكثيرين منهم سواء كانوا مؤلفين أو مخرجين أو ممثلين أو حتى نقاد اتهموا مسرح القطاع الخاص بالسوقيه والإسفاف·
الآن انقلبت الصورة تماما واصبح عدد من فناني مسرح الدولة يطالبون بخصخصته وبعضهم يمسك بالعصا من المنتصف ويطالب بتقديم عروض انتاج مشترك بين مسرح الدولة ومسرح القطاع الخاص· ولا يزال فريق منهم يتمسك بموقفه ويدافع عن مسرح الدولة ويهاجم مسرح القطاع الخاص·
وتقول الكاتبة والناقدة المسرحية د· نهاد صليحة ان مسرح الدولة قد عفا عليه الزمن لانه فكر مستورد من الدول الشيوعية ولا ينبغي أن يظل مؤسسة حكومية بيروقراطية جامدة· بل يجب تطويره ليكون مؤسسة للانتاج الفني لها مواصفات خاصة وتتمتع بمرونة كاملة تمنحها فرصة للإبداع بحيث تتجه ميزانيات المسرح للابداع وليس لجيوب الموظفين وهذا لا يعني أن نتخلص من مسرح الدولة بل يجب تحويله الى فرق مستقلة تتلقى الدعم من جهات غير حكومية ومنتجين جادين بحيث نتخلص من كل الاعباء البيروقراطية· وتكون لهذه الجهات الممولة حرية فيما تنتجه· ولا يتجاوز عدد الاداريين في أي فرقة عن اربعة أشخاص كما هو موجود في مسرح 'الهناجر' بدار الاوبرا الذي حقق نجاحا كبيرا بعروضه المتميزة من خلال ادارة مستنيرة صنعت جمهورا لمسرحها واستطاع ان يتغلب على المشكلات العديدة التي تعانيها فرق مسرح الدولة·
وأضافت: يجب ألا تتعامل الدولة مع ما تقدمه فرق القطاع الخاص على انه مسرح تجاري رخيص ولابد من اعتبار كل الفرق الخاصة هيئات فنية تستحق الدعم من خلال تقييم انتاج كل فرقة على ان يقدم هذا الدعم في شكل منح مباشرة أو تسهيلات في الدعاية وضريبة الملاهي وبذلك تتحول هذه الفرق الى مؤسسات مسرحية شعبية مفتوحة للجماهير العريضة فمن حق الجمهور مشاهدة النجوم على خشبة المسرح وليس من خلال الشاشة فقط·
وتقول د· هدى وصفي - مدير مسرح الهناجر - ليس لدي اعتراض على الانفتاح على مسرح القطاع الخاص بل كثيرا ما طالبت بذلك· لذلك ارحب بالإنتاج المشترك مع مسرح القطاع الخاص طالما أنني سأقدم عملا يحترم عقل المشاهد من خلال تجارب تقدم امكانيات وظروفا افضل للعمل وذلك سيتيح الفرص بشكل اكبر لظهور مواهب جديدة وسط مناخ فني متميز له خصائص الثراء والامكانيات الكبيرة· ومن خلال هذا المناخ يمكننا استقطاب كبار النجوم·
وتضيف: اقف مع هذه التجربة حتى لو كانت الاهداف -غير المعلنة- هي تحقيق مصلحة مباشرة لمن ينادون بها لان معيار النجاح سيكون من خلال رصد النتائج التي ستحققها والاعمال التي ستقدمها وهل ستكون في مصلحة المشاهد أم لا· والمصلحة الخاصة للمنتجين لا تتعارض مع تقديم عمل جيد بل يجب ان نخوض التجربة ولا نتخوف منها·
تهريج
وقال الكاتب اسامة انور عكاشة ان الوضع الحالي لمسرح الدولة في مصر 'تهريج' لان هذا المسرح لا هو موجود ولا هو غير موجود· فلم تعد لدينا حركة مسرحية متصلة أو برنامج سنوي ثابت يبدأ في اكتوبر وينتهي في ابريل· ولا توجد عروض تستمر على مدار العام بسبب الميزانية الضئيلة التي تحول العروض التي تقدمها مسارح الدولة الى مهازل يهرب منها الجمهور·
وأضاف: التفكير الواقعي يفرض علينا ان تكون للدولة فرقة مسرحية وحيدة هي الفرقة القومية بحيث تخصص لها ميزانية البيت الفني للمسرح كله لتصبح عروضها على مستوى راق وتقدم طوال العام لذلك اطالب بضرورة خصخصة باقي فرق مسرح الدولة بحيث تصبح شركات مساهمة كما كان المسرح قبل 60 عاما وان تدعم الدولة هذا النوع من المسرح الخاص· وهذا الاقتراح لا يعتبر تفريطا لان مسارح الدولة مازالت بين ايدينا ولكنها تنعي من بناها فالقطاع العام يقلد الخاص ويسير وفق معاييره ومنطقه واسلوبه في الانتاج· واصبح الموسم المسرحي -اذا جاز ان نطلق هذا اللقب على عروض مسرح الدولة التي تظهر وتختفي فجأة- صيفيا يقدم نسخة مشوهة من عروض مسرح القطاع الخاص·
وقال الكاتب والمنتج المسرحي فيصل ندا انه من المفترض ان يقدم مسرح الدولة وجبة ثقافية ولو فعل ذلك فانها تصل لمستحقيها لانها عروض تقدم لمقاعد خالية وانقاذ مسرح الدولة يمكن ان يحدث من خلال الانتاج المشترك مع القطاع الخاص الذي يرفض القيود والروتين·· على ان نحسن استثمار التجربة ولا نقع في نفس الاخطاء التي ارتكبها التليفزيون في تجربته مع المنتج المنفذ فقدموا مسرحيات يخجل التليفزيون الذي انتجها من ان يعرضها على شاشته·
واشار الى ان هذه التجربة يمكن اعادة تقديمها مرة اخرى بشروط افضل من خلال اختيار نصوص جيدة تلائم ذوق الجمهور وترفع شعار 'المتعة والثقافة معا' ومسرح القطاع الخاص يجيد فن الدعاية لعروضه وهو ما يفتقده مسرح الدولة كما ا نه متحرر من الروتين الذي يقيد حركة مسرح الدولة·
ضد الخصخصة
ويقول المخرج المسرحي سمير العصفوري: ارفض تماما فكرة مشاركة مسرح القطاع الخاص في مسرح الدولة لأن مسرح الدولة هو الذي تجرأ وقدم مسرحيات ضخمة ومهمة مثل 'الملك لير' وهو الذي يعطي بطولات لنجوم كبار في عروض كبيرة وقوية تستمر رغم انها في معظم الاحيان لا تحقق ايرادات ضخمة· ومسرح القطاع الخاص بدون المضحكين الجدد من الشباب ليس له وجود والاستثناء فقط لمحمد صبحي الذي قدم اعمالا مهمة مثل 'كارمن' وعادل امام الذي ظل مسرحه مضيئا على مدى ربع قرن لانه تعامل مع نبض الناس· اما العروض التي يفكر فيها الممثلون والذين ينادي بعضهم الان بخصخصة مسرح الدولة فلا يمكن ان تحقق نجاحا لا في القطاع العام ولا الخاص·
وأضاف: المشروع المسرحي اما ان تكون عينه على الجمهور ترصد نبضه ولا تتعالى عليه أو يكون التركيز على نوعية رديئة من العروض وفي مصر ليس بيننا عمالقة ينتقلون من السينما الى المسرح بتوليفة رائعة المستوى تضمن اسماؤهم نجاحها· والمسرح البائس الفقير لن ينقذه الانتاج المشترك من غرفة الانعاش فهناك تجارب سابقة لاحتكار مسرح الدولة انتهت بالفشل لذلك اخشى ان تكون محاولات الاصلاح التي ينادي بها البعض عودة لخيبة امل تاريخية عندما كان يستأجر المسرح القومي زكي طليمات ويوسف وهبي بينما كان نجيب الريحاني وعلي الكسار يتألقان على مسارحهما الخاصة·
وتؤكد الفنانة سميحة ايوب ان مسرح الدولة كان ولا يزال هو الحصن المحافظ على هيبة وتقاليد المسرح ومهما كثر الحديث عن خصخصته او بيروقراطية وروتين ادارته فان ذلك لن يغير من الامر شيئا فمسرح الدولة لا يزال هو القادر على ان يفرض التركيبة الفنية لتغذية فكر ووجدان المواطن والارتقاء بذوقه·
وقالت خلال ادارتي للمسرح القومي المصري اخترت عروضا تعتمد على نصوص جيدة تشتبك مع قضايا المواطن ليشعر انه موجود على خشبة المسرح وان مسرح الدولة الذي يمثل مؤسستها الفنية ليس بعيدا عن مشاكله والنص المكتوب هو المهم وعلاج القصور الموجود في مسرح الدولة يكون من خلال البحث عن نصوص جيدة يتم تقديمها مسرحيا وفق التقنيات الحديثة لضمان خروجها للجمهور بصورة جذابة دون ان تفقد قيمتها·
واضافت: الحديث عن الحل من خلال مسرح مشترك بين الخاص والعام سيكون بمثابة مزج بين الزيت والماء لانه لن يخرج عن محاولة استعارة ممثلين جاهزين من السينما أو التليفزيون وهذا لن ينقذ المسرح بل هو 'مسكنات' سرعان ما يزول تأثيرها بمجرد انتهاء هذه العروض التي -اذا قدمت- فستكون مجرد عروض تجاربه بها كل مواصفات وتوابل المسرح التجاري الذي ننتقده جميعا·ويرى الفنان اشرف زكي - الرئيس الحالي لمسرح الدولة - ان الخلط بين القطاع العام والخاص في المسرح هو نوع من انواع الفوضى وهدم للاصول المسرحية ولو ان مصر أو غيرها من الدول الاوروبية رأت الاكتفاء بالمسرح الخاص لما انشأت مسارح تابعة للدولة فما هي الحكمة اذن من انشائه اذا تم الدمج بينهما أو خصخصة العام؟!
ويضيف: اغلب دول العالم حتى الرأسمالية بها مسارح مملوكة للدولة وهذه ليست بدعة وقد توسعت مصر في انشاء الفرق المسرحية ما بين كلاسيكي وكوميدي وطليعي وحديث وشباب وتجريبي من اجل اثراء حركة المسرح وتنوعها ومسرح الدولة على مدى تاريخه حقق طفرة هائلة في حركة المسرح العربي كله· ومعظم نجوم التمثيل الذين يتألقون على شاشات السينما والتليفزيون من خريجي مسرح الدولة·
وأشار اشرف زكي الى ان انشاء مسرح الدولة لم يكن بغرض القضاء على المسرح الخاص أو محاربته بل كان لدعم وتقديم الفن الجاد ففي ظل اهتمام مسرح القطاع الخاص بتدوير رأس المال لتحقيق الربح فان مسرح الدولة لا يمكن ان نحاسبه على ايرادات الشباك وان كنا نعمل حاليا على ان تكون لنا ايرادات ضخمة وارباح من خلال عروض قوية وخطط انتاج طموحة لكن الدور الاكبر لمسرح الدولة هو توعية الجماهير ولابد ان يؤمن القائمون على المسرح بهذه الرسالة فنحن نعمل ونخطط ونحاول الاصلاح دون ان نفقد اهتمامنا برسالتنا الاولى وهي القاعدة العريضة من الناس التي تريد ان ترى المسرح ولا تستطيع تحمل أعباء مسرح القطاع الخاص والذين يفكرون أو يطالبون بخصخصة مسرح الدولة يريدون تخريب هذا المسرح وتدمير رسالته ومن يؤيد هذا الاتجاه يود ان يستفيد·· ونحن لسنا في خصومة مع مسرح القطاع الخاص لكننا مع المسرح الذي كان يقدمه الريحاني والكسار واسماعيل ياسين الذين كانوا على درجة كبيرة من الوعي ويدركون اهمية دورهم التنويري·
ويرى الفنان محمود ياسين ان دخول مسرح القطاع الخاص في اعمال مشتركة مع مسرح الدولة سيؤدي الى ارتفاع سعر التذكرة وينسف الهدف الرئيسي الذي اقيم من اجله مسرح الدولة وهو ان يكون مسرحا للشعب·وقال انه من الممكن ان تحقق عروض القطاع الخاص النجاح الفني اذا تخلى عن منطق الربح و الخسارة ويمكن ان تنتهي مشاكل مسرح الدولة لو ادير بعقلية القطاع الخاص وتخلى عن الروتين والبيروقراطية وهذه آفة مسرح الدولة في كل وقت لكنني ضد أي دمج أو خصخصة لأن لكل كيان مسرحي خصائصه ومميزاته بشرط ان يتخلى عن عيوبه وسلبياته·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©