الاتحاد

دنيا

بغداد مدينة للشعراء والغزاة


بغداد - حميد قاسم:
المدنُ نساء··· نساء طيبات··· أمهات، أو قل هكذا عن المدن التي نحبها، وبدون ذاك تغدو: مباني ممسوسة بالضجيج، والمطر أو الحر، والزحمة، والشوارع، والسيارات، والدخان··· مباني من الكونكريت والزجاج، لذا فاننا حين نحبها، نؤنسنها، لكي نستطيع ان نلقي فيض مشاعرنا، وانشغالاتنا الجوانية، وانثيالات عواطفنا الملجومة دائما، عليها· وبدون ذاك ايضا، تظل مجرد صور متحركة تحفل بالضوء والحركة - المارقة بسرعة - على شريحة من السليلويد، تقبع في ذلك المستودع الهائل الزاخر بالوقائع المدعو بـ 'الذاكرة'·
ولهذا، ولذاك، استعيد بمرارة عن عمد مدينة مثل بغداد، امرأة نافرة، لم تفلح غلالات الحروب والغبار والدخان والندوب وسحب البارود في مواراة اشراقة وجهها الحزين، أو شعرها المسترسل، المتهدل كالصفصاف في مياه دجلة المتهادية صوب الجنوب دائما، بالمرارة ذاتها استعيد جيلا ولد، وكبر، وتعلم، وتمرد، وضحك، وبكى، وشاكس، وسيق الى الحروب والمجاعات والمجازر الجماعية، ورفض، وذُبح، بلا آباء - باستثناء ذلك الاب القاسي، ان صحت ابوته، بالمفهوم الفرويدي للرغبة في قتل الاب، ودوافعها - إذ تخلى الجميع عن ابناء ذلك الجيل، سوى ذلك التوق العاصف في ارواحهم الهائمة المتطلعة ابدا صوب مثال بعيد المنال، دائما··· دائما··· دائما·
لا افهم المدن بدون الناس، وفي هذه المدينة، على قدر تقلبي بين ناسها مختلفي المشارب والاصول والسحن واللهجات والمنحدرات، وانغماري في عوالمهم المتباينة، لم يكن ثمة من احد يمثل لي ذلك التنوع سوى ذلك الجيل الذي غزا وسطها الصاخب فجأة، من كل حدب وصوب، مطلع سبعينات القرن الماضي مبتدئا جلجلةً شاقةً منذ ذلك الحين، مازال بعض آثارها ماثلا في المقاهي والشوارع والجامعات والمسارح وقاعات العرض التشكيلي والصحف والكتب وقاعة اتحاد الادباء وحدائق ساحة الاندلس وابي نواس وفنادق الهواء الطلق في الباب الشرقي والميدان وباب المعظم، فيما تناثر البعض الآخر في مقاهٍ وشوارع تبدأ في عمان ولا تنتهي في نيوزيلاندا أو كندا أو الولايات المتحدة، مرورا بكل مدن الشتات العراقي التي لم يؤسسها أو يرسخها سوى جيلهم، جيل 'الدياسبورا العراقية' جيل الكوميديا السوداء العظمى التي انطلقت - لسخرية القدر - من طريبيل الصارمة المتجهمة، التي مرت بها حشود من المتلفعات بالعباءات السود التي ترفرف مثل رايات للامومة المقهورة، وحشود اخرى من الباعة والحواة والمدّعين والشعراء والرسامين والاكاديميين والعباقرة وأنصاف الموهوبين والرعايا الآبقين المنشقين على اسيادهم، والفارين بسرقاتهم الصغيرة وفضائحهم، والمخبرين، القتلة والمقتولين، الضحايا والجلادين·
الشعر والمدينة
بغداد امرأة··· اراها بهيئات مختلفة، حينما اغمض عيني، في سريري، أو في الشارع، أو ايما مكان عام، قاطعا ادنى صلة لي بالعالم المحيط بي، أراها في هيئاتها المتعددة، هيئات احوالي انا: اُماً رؤوماً تحيط بملامح وجهها المتغضن 'شيلة' سوداء، وتارة صبية ينبثق وجهها معتلياً بناياتها مضيئا بهالة مشرقة فيما يسترسل شعرها الاسود الطويل باتجاه الريح، شابة حسناء بثيابها الحديثة، غير ان صورة الأم هي الاغلب، تلتفت في جلستها على السجادة بعد ان تنتهي صلاتها، لترمي برأسك في حضنها الطاهر، تفلي شعرك، وتمسح دموع طفولتك المتربة··· وهي تلهج: بسم الله الرحمن الرحيم·· اسم الله··· الرحمن··· وليدي'·
بغداد، أمّي، وأمّ حشودٍ بالعشرات، بالمئات، بالآلاف، بل بالملايين، يتدافعون في طرقاتها، يقترون مصاريفهم، ويستمرون في رداءة الحياة، ويمضون بانشغالاتهم وبحياتهم التي رقشتها السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والرصاص المتطاير من سيارات الهمر ومدرعات الهامفي والإغتيالات أخيراً، بعد ان توالت عليها ندوب الحروب والفتن وطبائع الاستبداد: الخوف، والمداجاة، وأحابيل الكلام، والأحتيال على العسس والبصّاصين ومؤولي القصيدة والمسرحية والقصة واللوحة باتجاه الظلام: ظلام الارواح الطالعة من دهاليز الامية والدونية ودياجير بلاغة الانشاء الفج، والخطاب الظلامي الطالع من الشفاه المزمومة المغطاة بالشوارب الكثة والمستندة الى عقود من الوضاعة الرعوية، المعمدة بدهور من الافلاس العاطفي والروحي والمادي والتربية الزقاقية بعيدا عن التعليم ومباهجه، ورقي الارواح ومتعها النبيلة·
هكذا يكون قدر تلك الام التي مازالت تشع بهاء وجمالا وفتنة، مثل ماسة تلمع في ليل البلايا، حشود من الظلاميين كارهي الحرف واللون والكلمة والنغمة والضحكة·· طغاة صغار يدوسون باقدامهم المشققة على آلاف من قصائد الغزل وقيم الاخلاق الرفيعة ولوحات الضوء··، لكنها كل مرة كانت تنهض من ركامها وخرائبها تنفض عباءتها الموشاة بحروف ابنائها على مر الدهور، من ابي نواس والمتنبي، ووالبة بن الحباب والوليد بن مسلم الى الجواهري وحسب وبلند ومردان والسياب وسعدي والبياتي وطهمازي والجيزاني، تنفض عباءتها الموشاة بخيوط الذهب فتتناثر منها الشظايا وكسر الحجارة والغاصبون المتطلفون كالقراد··· فارعة مثل نخلة تقف ومثل صفصافة تنحني على نهر دجلة تغسل وجهها بماء عذب فرات سائغ شرابه، تمشط شعرها وتلّونه بالحناء، وتطيبه بالخضيرة والمحلب، وتنكّه عاطر انفاسها بالهيل والقرنفل، وتدعك شفتيها الورديتين بقلف جذع شجرة الجوز، فيشع الديرم بلون البرتقال المحمر تحت ضوء شمس الشتاء الطيبة، وتغتسل قدماها العاريتان على الرمل المتلامع بماء النهر، فيما يتردد صدى قصيدة السياب المخنوق بين عنت دهور من العمود والسكون، وفجاجة جيل متنفج سرعان ما ذبح بيديه البلاد يوم لم ينتج سوى الجلاد ويحتفي بشذاذ قريته الجفاة وفجاجتهم الطاغية·· شذوذ عن الطبيعة- ايها السياب- يتبدى كلما قلت: الشمس اجمل في بلادي من سواها/والظلام/ حتى الظلام هناك اجمل/ فهو يحتضن العراق·
أم الناس
لانها مدينة، وعاصمة عالم يمتد من جبال البيرنيه جنوب فرنسا حتى الصين، فلقد جاءها الناس من مختلف اصقاع العالم، ولدوافع عديدة وبحالات وهيئات مختلفة، جاءوها من شيراز وبخارى ومرو وخراسان، من بلاد الصغد، ومن السند ومن الهند، ومن صعيد مصر ومن بلاد الزنج، من اشبيليه وغرناطة ومجريط، من فرغانة وسمرقند واشروسنه ومن البنجاب والقيروان: كرد وترك وصقالبة وكرج ومسقوف وتتر وفرس سلاجقة وبويهيون وارمن ، سادة وولاة ومماليك، جماعات وفرادى، شعراء وعلماء وجنود، طلاب علم، وغزاة، وطلاب جاه، ودعاة وتجار، ذابوا فيها جميعا وما تغيرت، استوعبت تعدد ألسنتهم واختلاف امزجتهم وتباين سحنهم، شكلتهم مثل عجينة في مصهرها الدؤوب واطلقتهم الى العالم، هذبت طبائعهم الخشنة ومنحتهم خير ما لديها من رقة وعذوبة وترف ونعم، كان المرء اذا تنعّم وضمرت فيه طباع الحرمان يقال عنه 'تبغدد'··، كل من جاءها نسي اصله وفصله ولسانه وثقافته، وصار محض بغدادي··· قبل ان يؤسس ابوجعفر المنصور مدينته المدورة، تحرى اُسس مدينة تعاقبت عليها اجيال من السكان من سومر القائمة منذ الالف الرابع قبل الميلاد مرورا ببابل واكد وآشور، تدل عليها اسماؤها السومرية والآرامية واسماء احيائها وقراها وبساتينها، فهي سرّة العالم القديم قبل ان تكون سرّة العراق وعاصمة كيانه حيث ما كان - ولن يكون - للنحو العربي سوى مدرستيه الكوفية والبصرية، وحيث نشأت فرق الفلاسفة والمتكلمين، المتصوفة، والمعتزلة والخوارج في ممارسة التعدد والاختلاف وسماحة الفكر، فيها نشأت القدرية والمرجئة، وفيها كانت حيوية العقيدة في نشوء المذاهب، وفي حلقات مساجدها تحاورت الاجتهادات والتفاسير واعمال الفكر والتفقه حيث جدل العقل وقبول الآخر والحوار معه: جعفر الصادق، وابوحنيفة النعمان، ومالك ابن أنس، وأحمد بن حنبل، والشافعي، واليها كان يأتي خراج الارض، على اديمها كتب أول حرف، في أورها ولد ابوالانبياء، ودعا بدين التوحيد، ومن ارباضها طلع المتنبي وابونواس وابوحيان وفي قصورها ترددت قصائد ابي تمام والمعري والوليد بن مسلم وعلي بن الجهم وعلي بن زريق البغدادي، ومن بصرتها وفد اليها الاصمعي وابن الاعرابي والفراهيدي والجاحظ، وفي كتاتيبها ودور علمها درس وعلّم الزجاج والكسائي والفراء والنسائي والترمذي والفارابي والخوارزمي، وعلى صحائف مجدها سطرت الحروف بقصبة ابن مقلة وابن البواب وهاشم البغدادي وفيها دوّن الطبري تفسيره وتاريخه وتصانيفه، وفيها اعتكف للكتابة ابن الكازروني، وجال الحلاج في اسواقها متخليا عن خرقة الصوفية بين احبابه الفقراء المعدمين قبل ان يصلب ويحرق ويذر رماده في دجلتها، فيها كانت محنة ابن حنبل والنعمان وفيها كانت كذلك ايام هناءتهم وجذل فكرهم·· مرّ بها المغول همجاً برابرة جفاة، فهذبتهم وشذبت غلاظتهم ولم تتركهم الا مسلمين، يشجعون الادب والشعر ورجال الفكرويبنون الجوامع بعمارتهم المميزة، ويؤسسون حضارتهم حتى الهند، جاءها الفرس والترك والبويهيون والسلاجقة والعثمانيون والانجليز، ردتهم ردحا من الزمن، وخضعت لهم ردحا آخر، واخيرا باءت حشودهم بالخسران، وذهبوا جميعا وظلت هي بغداد، وجاءها الاميركان اخيرا، وسيذهبون ان عاجلا أم آجلاً· سامها الحجاج والقسري وابن ابيه وابن زياد النار والعذاب، ورحلوا مثلما لحق بهم آخر الطغاة غير مأسوف عليه مشيعا باللعنات ، وظلت بغداد، يذهب قتلة شبّانها الى سوء المآل وبئس المصير·· ويبقى ذكرها طيبا عطرا بابداعات ابنائها: الحسن بن هاني وابن زريق وابن المعتز والشريف الرضي وعباس بن الاحنف والرصافي والكاظمي والجواهري والسياب وغيرهم العشرات بل المئات·
بررة وعاقون
فضلا عن ابنائها، جاءها ابناء البصرة والموصل والحلة والعمارة وسامراء والناصرية وهيت وبعقوبة وشهربان واربيل والميمونة والسليمانية والديوانية والأنبار وتكريت وعانه وخانقين والنجف وغيرها من مدن العراق فمنحت الوطن بسخاء مئات المبدعين الذين شكلتهم في مشغلها الحيوي، مئات من الشعراء والرسامين والقصاصين والباحثين والعلماء والموسيقيين والممثلين والمعماريين·· ومثلما كان ثمة جانب مبدع مضىء، كان في الطرف المعتم من كل بيئة، كل قرية، أو مدينة، ثمة جانب شرير، زاوية مظلمة، يراكمها الجهل والصغار والذل والحسد والضعة وسوء التربية والحقد ومركبات النقص وكل ظلامات الحياة·· هناك تقطرت خلاصة الانحطاط البشري وترديات الروح والاخلاق··· وتسللت من تلك الجحور الى ازقة الانحطاط الخلفية، من القاع الاسفل، حيث لا مثل ولا قيم، لا روح رفيعة، أو مثال نبيل يرفع المتردي من ظلام الهاوية، بل ثمة مثال زقاقي بغيض يسترشد باللؤم والخسة والشطارة والنذالة والخديعة، ويجد في السلب رجولة، وفي الترصد في الظلام للبسطاء شجاعة، وفي الخيانة قيمة عليا، وفي سفك الدم بطولة، فكان هؤلاء مثالا للفشل ومركبات الحقد على المجتمع وافراده: في الغالب يكون الفقر واليتم والظروف القاهرة عاملا وحافزا يهيب بالمرء ان ينشد النجاح والرفعة وعزة النفس، غير ان ذلك يحتاج روحا سوية، لا روحا شاذة، الروح السوية تنشد عزة النفس والكرامة، والشاذة تنشد الصلف والفجاجة والغلظة والتكبر··، تلك تتشرب الرحمة وهذه تتشرب القسوة والعنف وتمجد القتل والدم، تلك تسعى ان تكون شيئاً مهماً، يعين الاخرين لكي لا تتكرر الفاجعة فيهم، وهذه تسعى للتسلط والاستبداد لتنتقم من الجميع وتتلذذ باهانتهم وتسفيههم ردا لكرامتها المهدورة وضعتها وانحطاطها، فتزداد بذلك خسة وتتردى في الانحطاط· هذه الاقلية، التي تكره المدينة واهلها ولم تحافظ على الايجابي من قيم القرية والعشيرة مثل النخوة ونصرة المظلوم والاجارة والغيرة - بل تدعيها وتهينها في الوقت نفسه - هي التي استولت على زمام المدينة- السلطة في حمأة تسلسل انقلابات العسكر المريبة فاستولت على مدينة الناس، وطردت الاغلبية السوية، طردت المبدع، والانسان الاعتيادي الطبيعي، في سويته ومنظومته القيمية، مدفوعة بكل الاحقاد التاريخية الدفينة في الاعماق، اعماق الذل المهانة، التي وجدت نفسها موارة بقوة همجية رعناء مدعومة بسلطة القمع والمال، سلطة الحكم، والثروات الخرافية، وكانت المأساة: المدينة تنجب جيلها المبدع، ليتحكم به الجانب الساقط من المجتمع، الذي قرب من هم على شاكلته من ارباع الموهوبين والفاشلين، وممتهني التملق والتزلف الذليل ومدمني العبودية واشباه الرجال واللااسوياء واضرابهم، مغيبا الوجه السليم من المشهد، وربما من الحياة· ومثلما جاء اولئك النبلاء الى حضن ام البلاد، جاء هؤلاء بشراستهم وغلاظتهم وجوانيتهم البهيمية، في هيئة مساكين يخفون ضباعا تحت جلودهم، عيونهم منكسرة بالفقر والذل والغربة والدناءة واليتم، لكنها سرعان ما تلتمع كلما غفلت عنها ليطعنوا خاصرة الام ونحره·
صعاليك بغداد
استقبلت بغداد، وحاضنتها الشعرية، العديد من الصعاليك والنبلاء، لا القتلة او المبتذلين' الخالطين فقيرهم بغنيهم، حتى يكون فقيرهم كالكافي، ابناء الشنفرى وتأبط شرا، وعروة بن الورد، الذي يوزع جسمه في جسوم عديدة ويحسو قراح الماء وهو بارد، لانه امروء عاف اناءه شركة· ومن هؤلاء كان الشاعر النبيل حسين مردان، وعبدالامير الحصيري، وجان دمو، ولاحقا نصيف الناصري الشاعر الغجري المجنون، وكزارحنتوش القروي الحالم، وحشود من فقراء الجيوب، اغنياء القلوب الذين امطروا بغداد شعرا ومحبة·· واسئلة··، ودموعاً كذلك·· كثيرون غادروها، وكثيرون ينامون على مقربة منها، بانتظار ان يلتحقوا باولئك الذين يتجولون في ازقتها الخربة، وشوارعها الفسيحة واحيائها الفقيرة اللائذة في قلب البلاد، فيما تهطل دمعة ثقيلة بحجم دمعة تنزلق على خد المدينة التي اشبعت رعبا، وحروبا، ومآسي، ودخانا خانقا··ومازالت تدفع من دماء ابنائها ثمنا لحرية مزعومة لم تنل منها شيئا سوى حرية الموت والخراب···

اقرأ أيضا