الاتحاد

دنيا

اليمن صورة شعرية


يقول الكاتب في مستهل دراستة : 'إن فترة العصر الأموي الشعرية والأدبية هي من أكثر الفترات إهمالاً، فقد اتسمت بعدم الدقة والوضوح ذلك أن تدوين التاريخ لم يبدأ إلا في القرن الثالث الهجري، أي بعد حوالي قرن على سقوط الدولة الأموية، وقد اعتمد هذا التدوين على الرواية الشفاهية التي غالباً ما تخضع لعوامل شتى تؤثر في صحة نقل الرواية من تنازع في الأهواء واختلاف في الولاءات إلى الخوف من السلطان'·
في ضوء هذه المقاربة الإشكالية، درس الياسري في بابين الشعر اليمني في تلك المرحلة من الناحية الموضوعاتية (المضامين)، ومن الناحية الفنية أو الأسلوبية (الشكلية) بوازع من رغبة معرفية لملء الفراغ الذي تعاني منه المكتبة اليمنية بل والعربية في خصوص الشعر اليمني في تلك المرحلة·
منهجية البحث
وكما هو معتاد لجأ الباحث إلى المنهج التاريخي ـ التحليلي في قراءة منجزات الشعراء اليمنيين في تلك الفترة، بل لجأ إلى منهجية معتادة في تقسيماتها لقراءة موضوعات الشعر العربي المعيارية، ففي الفصل الأول الذي عنونه بـ (الدراسة الموضوعية) جعل من الفخر والغزل وعوائد الدهر التي يسميها بـ (أحداث الواقع)، وما أسماه بـ (أغراض أخرى)، جعلَ من هذه الحقول منظومة معيارية لتحليل نماذج من الشعر اليمني الذي فيه من شعر الفخر والغزل ما في الشعر العربي في بقية الأوطان التي ظهر فيها·
الفخرُ إذن، صار موضوعة معيارية، وقد وجد عبوُّد في مجاله أن الشعراء أعرضوا إلى حدِّ ما عن الفخر، لأن الشعراء العرب وجدوا فيه تعارضاً مع تعاليم الإسلام؛ فالفخر غير محبَّب في الإسلام، لأنه يلحق الحيف بالآخرين، وينتقص منهم، بيد أن الفخر بالصفات الحميدة ظل قائماً بما لا يتعارض مع قيم الإسلام كالشجاعة والكرم وغيرها· واللافت هنا أن الياسري رأى بأنه إذا كان الفخر بالذات أو الفخر بالقبيلة وصفاتها الحميدة كان سائداً أو غالباً في الشعر العربي، فإن الشاعر اليمني أضاف نوعاً آخر هو الفخر بالأمم والممالك البائدة·
فخر وغزل
وفي هذا السياق قال عدد من الشعراء اليمنيين قصائد من هذا القبيل مثل: محمد الخنفري، والمقنع الكندي، وعمرو بن زيد الغالبي، وجعفر بن علبة، ووضاح اليمن· إلا أن هناك أنماطاً أخرى من الفخر يتناولها الباحث مثل قصائد الفخر الذاتي، وقصائد الفخر بالقبيلة، وقصائد الفخر بالممالك والحضارات البائدة، وعمد المؤلف إلى إيراد نصوص شعرية عدة للشعراء المنوَّه عنهم في أعلاه·
من الفخر إلى الغزل وتجربة الشعر اليمني فيه، حيث هناك نوعان من الشعر الغزلي، هما: الغزل التقليدي والغزل الوجداني· وذهب المؤلف إلى أن الشاعر اليمني في العصر الأموي ظل أميناً على شكل القصيدة العربية حيث تبدأ بالغزل التقليدي الذي لا ينبع من تجربة حقيقية معاشة إنما كشكل شعري ينبغي الالتزام به ومن ثم ينتقل منه إلى أغراض أخرى· ورأى الياسري أن لا ملامة للشاعر اليمني على التزامه بهذا القالب الفني؛ فهو عاش بما يشبه العزلة عن مراكز الحضارة بعيداً عن الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى، وهو ما كان متاحاً للشعراء في العراق وبلاد الشام وغيرها من المراكز الثقافية المعروفة في تلك المرحلة، وهو ما يدعو دائماً إلى الاستنتاج إلى أن التجديد حصل على يد شعراء المراكز الثقافية المتألقة لا على يد شعراء اليمن· كما أشار المؤلف إلى نوع آخر من الشعر الغزلي هو الغزل القصصي الذي عرف في التراث الشعري القديم قبل العصر الأموي بل قبل الإسلامي·
ومن الغزل إلى عوالم الحرب وعوائد الدهر وصروف الأقدار حيث توقف المؤلف عندها مما مرَّ على اليمن، وقد اكسب الصراع بين الدولة الأموية وخصومها الشعراء تجربة كبيرة في دخول شعراء اليمن في تلك المرحلة معترك الواقع السياسي والجهوي· كما أن الشعراء اليمنيين أدلوا بدلو قصائدهم في صولات المعارك والحروب التي جرت في تلك الفترة، بل ذهب الياسري إلى أن بعض الشعراء اليمنيين قد شاركوا في الحروب فعلياً مثل محمد الخنفري وجعفر بن علبة الحارثي·
معارك وقصائد
من حمى المعارك والصراعات السياسية يأخذنا المؤلف إلى عوالم الشكوى والحنين في قصائد وشعراء كتبوا مشاعرهم وعواطفهم شعراً رقيقاً فيه من اللوعة والحرمان والألم ما فيه من رقَّة الكلام والمعاني والأفكار· وهنا قال المؤلف إن الشاعر اليمني كغيره من الشعراء عبَّر بإحساس صادق عن معاناته من خلال أغراض تكبر فيها (الأنا) وتضج بالإفصاح عن نفسها، والشاعر اليمني كثير الترحال عن بلده بسبب ما شهدته اليمن من ظروف بيئية أو سياسية حيث حدثت في اليمن الكثير من الهجرات الجماعية والفردية بسبب ما شهدته اليمن من ظروف بيئية أو سياسية حيث حدثت في اليمن الكثير من الهجرات الجماعية والفردية لأسباب ودوافع مختلفة وهو ما انعكس على قصائد كثيرة لشعراء اليمن كشفت عن روح عاطفية أخّاذة كانت حركة الشعراء وترحالهم وعلاقتهم بالمكان أحد روافدها الكبيرة· والأمر نفسه تابعه المؤلف بشأن الهجاء، والرثاء، والحكمة، واللوم، والعتاب، والمديح·
أسلوبيات
من الناحية الأسلوبية حفل الشعر اليمني في العصر الأموي بقيم جمالية وفنية وأسلوبية كثيرة، ولهذا درس المؤلف بناء القصيدة من حيث المطلع ومن حيث المقدمة، ومن حيث حسن التخلص أو الانتقال من غرض كالهجاء مثلا إلى المديح وهو غرض آخر في قصيدة واحدة، وبالتالي وصولاً إلا خاتمة القصيدة الشعرية· وبالتالي وقف الياسري عند طول أو قصر القصيدة من حيث عدد أبياتها، وهو موضوع يتأثرا عادة بمضمون القصيدة·
وفي خضم كل ذلك عرَّج المؤلف على مسألة اللغة في الشعر اليمني، وهنا وجد الياسري أن الشعراء اليمنيين لم يتوقفوا في قصائدهم عند مستوى واحد من اللغة، فمن القصائد ما حوت على لغة قديمة تعود إلى العصر الجاهلي، ومنهم من اختلف عن ذلك، فإذا كان شعراء البادية قد أوردوا في قصائدهم كلمات قاموسية فإن شعراء المدن وردت في قصائدهم مفردات غير عربية، وأرجع المؤلف ذلك إلى وجود الأحباش والفرس في اليمن·
غير بعيد عن ذلك توقف الباحث عند الصورة الشعرية في قصائد اليمنيين، كذلك توقف عند موسيقى الشعر أو البنية الموسيقية في الشعر اليمني· وفي خاتمة الكتاب أورد مختارات من قصائد أشهر الشعراء اليمنيين الذي ظهروا في العصر الأموي، وهم: وضاح اليمن، ومحمد بن أبان الخنفري، وجعفر بن علبة الكندي، وعمرو بن زيد الغالبي بعد أن عرَّف بهم وبحياتهم وبأشهر نتاجهم الشعري·

اقرأ أيضا