الاتحاد

دنيا

الإعلام الانتخابي

يعتقد البعض أن نتائج الانتخابات يحددها الإعلام، ويبالغ البعض في هذا الدور لدرجة اعتباره أهم من أي وسائل أخرى لإقناع الناخبين. ويذهب ساخرون إلى أن الحملات الإعلامية قد تكون أهم من المرشح نفسه، بينما يعتقد كثيرون من النقاد الجادين أن من يملك المال يملك الإعلام ويحدد بالتالي مخرجات الانتخابات. ورغم التحولات في خريطة وسائل الإعلام وبروز بدائل تعبيرية جديدة يفترض أن تكون متوافرة للجميع بفضل شبكات التواصل على الويب، فإن هذه التوصيفات الناقدة – الناقمة – لم تتغير كثيراً كما يبدو. فإن يكون لدى المرشحين صفحات خاصة على فيسبوك وتويتر ويوتيوب والوتس آب، وموقع خاص على الإنترنت، وحضور على المنتديات قد لا يعني شيئاً إذا لم يكن مدعوماً بالمال الوافي لتسويق هذه الصفحات وهذا الحضور قبل تسويق نفسه.
ومن آخر البدع التجارية في الإعلام الانتخابي هي عروض الخدمات التي تقدم للمرشحين «حزمة كاملة» من التسويق على مواقع التواصل التي تتكفل بزيادة المعجبين على فيسبوك، وزيادة التغريدات على تويتر من خلال اتفاق مقدمي هذه الخدمات مع مجموعة من أصحاب «الحسابات الكبرى»، الحائزة عشرات آلاف «المتابعين» (الفولورز) على تويتر مثلاً. وهؤلاء غالباً ما يكونون من الكتاب المشهورين الذين استطاعوا تكوين قاعدة عريضة من «المعجبين» أو المهتمين الذين آمنوا بصدق الكاتب أو تأثيره.
قد يرى البعض في ذلك حقاً لهؤلاء الكتاب أو عموم المشهورين على مواقع التواصل تماماً، كما هو حق وسائل الإعلام القديمة في نشر الإعلانات الانتخابية المدفوعة، وقد يرى بعض آخر أن في ذلك نوعاً من خداع ومتاجرة بالأمانة من أجل حفنة من الدولارات. أما أنا فأرى أن كل ذلك خلل هيكلي في فهم وتنظيم دور الإعلام - كله - في الانتخابات وهو أمر يؤدي إلى خلل آخر وأخطر في نتائجها، ويسهم بدرجة كبيرة في عجز الأنظمة الانتخابية الراهنة لعدد كبير من البلدان عن إفراز نتائج إيجابية تعبر عن حقيقة إرادة الناخبين، وتساعد المجتمع وكيانات الدولة على التطور والنمو الطبيعي.
ولعل أكثر صور هذا الخلل تتمثل على سبيل المثال في جرأة بعض وسائل الإعلام الواسعة الانتشار على تقديم خدمات إعلانية تشمل المقابلات والتصريحات والأخبار وربما التحليلات الإخبارية المفبركة من أجل نصرة هذا المرشح أو ذاك، مع احتفاظها بحق تقديم هذه الحزمة نفسها للمرشحين الخصوم (المساواة في التعبير).
وطبقاً للمثل القائل «متى عرف السبب بطل العجب»، فإن مثل هذه الخدمات تمثل أحد أسباب التشويش – والازدواجية – التي يعاني منها الناخب المحايد. ومن هنا تسقط مقولة إن هناك شعوباً غير مؤهلة للممارسة الانتخابية والديمقراطية، فالأصح هو أن وسائل الإعلام تتحمل جزءاً من مسؤولية مدى مقدرة الشعوب على سلامة هذه الممارسة. وبالمناسبة فإن عروض هذه الخدمات تقدم مكتوبة وموثقة ولا تستحي من الزبائن المحتملين، وقد لا تخجل من قرائها، وأمانة النشر والإعلام، ولا تخشى القوانين.
وأساس المشكلة يكمن في القوانين وأهمها قوانين المهنة الإعلامية نفسها التي تميز بين الإعلام بمفهوم الإبلاغ، والإعلان (بمفهوم الدعاية والترويج). لكنها تكمن أيضاً بغياب تحديد سقف أعلى للإنفاق الإعلاني، وطرح قوانين تتيح أكبر قدر من المساواة بين المرشحين. لكن أهمها على الإطلاق يبقى قانون احترام الناخبين.



barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا