الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الأربعاء كلمة السر في انتخابات رئاسة الجمهورية
21 أغسطس 2005


القاهرة ـ 'الاتحاد': المعركة فوق السطوح ولا أثر لها في الدور الأرضي·· سكان الادوار السفلى يسمعون 'دبدبة وهيصة' قادمة من اعلى لكنهم لا يهتمون بها· ويواصل الناس رحلتهم اليومية مع الحياة تضربهم ويضربونها ولا يعنيهم شيء مما يحدث على السطوح·
ذلك هو المشهد الذي يصف بدقة حكاية المعركة الانتخابية على رئاسة الجمهورية·· حيث لا اثر لهذه المعركة في الشارع وعربات المترو والميكروباص وطوابير العيش·· المعركة كلها على السطح·· المعركة فوق بين أهل السياسة والنخبة وعلى صفحات الصحف·· وكل هؤلاء يصرخون في واد ويؤذنون في مالطا والشعب كله اذن من طين وأخرى من عجين·· وحين يخرج ألفان أو حتى خمسة آلاف من المتظاهرين في وسط القاهرة يهتفون لهذا أو ضد هذا فإنهم قطرة في محيط وابرة في كومة قش، ويشبه أثرهم بالضبط اثر سيارة تعطلت على كوبري 6 أكتوبر فأحدث تعطلها تكدسا مروريا وربكة وتنطلق آلات التنبيه هنا وهناك حتى تتم زحزحة هذه السيارة المعطلة أو سحبها وينفتح الطريق ويمضي كل الى حال سبيله مع بعض الشتائم واللعنات التي يتم صبها على صاحب السيارة المعطلة·
وربما يشبه اثر هذه المظاهرة اثر سيارة صدمت رجلا في شارع رمسيس فاصابته أو قتلته وتمت تغطية جثته بالجرائد والتف الناس حول القتيل أو المصاب كل يدلي بدلوه ويقول رأيه·· فمنهم من يهتف ضد السيارة التي صدمت الرجل وهربت ومنهم من يهتف ضد الاسعاف التي تأخرت ومنهم من يهتف ضد رجال المرور·· ولكن لا احد يهتف ضد القتيل أو المصاب الذي ربما يكون قد عبر الشارع برعونة فراح ضحية رعونته·· فالميت لا تجوز عليه سوى الرحمة·· وسرعان ما يتم نقل المصاب أو الجثة وفتح الطريق وينصرف كل الى حال سبيله وكأن شيئا لم يكن·
هذا هو الحراك السياسي الحالي·· قافلة الشعب أو الجماهير تسير في طريقها المرسوم والمعتاد، ولو تحرك جبل المقطم من مكانه ما تحرك الناس قيد انملة عن سلوكهم المعتاد وليس منهم من يعبأ بما يجري·· وهناك من النخبة من يرى ان هذه سلبية أو يأس والرد المنطقي ان اليأس أوالسلبية موقف حين يجد المرء نفسه ضد الجميع وحين يرى ان احدا من المتصارعين على الكرسي لا يصلح أو ان كلا الاخوين مهزار وشهاب الدين اهزر من اخيه أو أن 'احمد زي الحاج احمد'·· هنا تصبح السلبية واليأس موقفا منطقيا وعقلانيا ولا غبار عليه ويحسب لصاحبه ولا يحسب عليه·· وليس صحيحا ان الناس غائبون عن الوعي أو لا يعرفون شيئا ولكن الصحيح ان الغالبية العظمى تشعر باللاجدوى·
الاعلام وحده هو الذي صدق الحكاية وشارك بدور البطولة في المعركة الانتخابية الرئاسية لان الاعلام وخاصة الصحف محسوبة على مرشح للرئاسة ضد اخر·· فحين تقرأ صحيفة 'الغد' لسان حزب الدكتور ايمن نور مرشح الرئاسة تشعر بأن نور هو الرئيس القادم لا محالة·· فقد قررت الصحيفة ان تصدر يوميا حتى يوم الانتخاب وبسعر أربعة وعشرين قرشا وطبعا لا توجد قروش الان في مصر لذلك تباع الصحيفة بربع جنيه·· لكن الحكمة من الاربعة والعشرين قرشا هي ذلك العنوان العريض على ارضية صفراء في الصفحة الاولى يقول 'كفاية 24 عاما' ويقصد استمرار حكم الرئيس مبارك اربعة وعشرين عاما·
معركة الرموز
وقد كانت هناك معركة جانبية بين الحزب الوطني وحزب الغد على رمز 'الهلال' الذي فاز به الرئيس حسني مبارك ورضي ايمن نور مرشح حزب الغد برمز 'النخلة' وبنى الحزب الوطني حملته الانتخابية تحت عنوان 'هلال المستقبل'·· بينما جاءت حملة حزب 'الغد' تحت عنوان 'النخلة رمز الامل والتغيير'·
وفي حزب 'الأحرار' دارت معركة تشبه النكتة فقد تقدم ثلاثة يتنازعون على رئاسة الحزب لترشيح انفسهم للرئاسة باسم الاحرار هم حلمي سالم وطلعت السادات ومحمد فريد زكريا، وعندما لم تستطع لجنة الانتخابات الرئاسية حسم الموقف اطاحت بالثلاثة خارج المعركة وخرج الاحرار من المولد بلا مرشح·· ودخلوا سكة الطعون وهي 'سكة سد' لان قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية نهائية وغير قابلة للطعن·· فلجأ طلعت السادات كعادته الى الحيل المبتكرة والتقليعات الغريبة حيث اعلن تأييده لمرشح حزب 'الغد' ايمن نور ليس حبا في نور ولكن نكاية في الحزب الوطني·· بل إن طلعت السادات قرر اهداء نجمة سيناء الممنوحة لعمه الشهيد عاطف السادات في حرب 1973 إلى مرشح 'الغد' أيمن نور· وقال إنه سيشارك نور كل مؤتمراته الانتخابية وسيضع نجمة سيناء حول رقبته طوال جولاته الانتخابية·
وعندما نصل الى حزب 'الوفد' نجد على صفحات صحيفته 'الوفد' ما يشبه الاجماع الشعبي على انتخاب الدكتور نعمان جمعة رئيس الحزب رئيسا أوحد للجمهورية·· فالوفد تتحدث عن جمعة الذي حصل على رمز 'الشعلة' وكأنه أصبح بالفعل رئيسا للجمهورية، وتقول ان جمعة سيلقي خطابا سياسيا هاما في اول مؤتمر انتخابي ببورسعيد يحدد فيه رؤيته لمستقبل مصر وسوف تحتشد الجماهير حول جمعة في كل مكان يذهب إليه معبرة عن التأييد الكاسح له·· وقالت 'الوفد' إن رجال الفكر والسياسة والقانون والرياضة يرحبون بترشيح جمعة للرئاسة·· ولم تقل من الذي بقي لم يؤيد جمعة·
وعندما نجد مقالات في الصحف القومية بأقلام كبيرة بحجم الدكتور أسامة الباز والكاتب الصحفي انيس منصور والدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان بالاضافة الى رؤساء مجالس الادارات ورؤساء التحرير لهذه الصحف وكلها قصائد مدح وثناء واطراء في مرشح الحزب الوطني يتساءل المتسائلون عن الحياد الذي تحدثوا عنه والشفافية التي ملأوا الدنيا ضجيجا بشأنها·
والرد على التساؤل جاهز ومنطقي وهو انه لا حجر على رأي وما كُتب عن مبارك مجرد آراء تخص كُتابها وليست أخبارا أو اعلانات مدفوعة ومن غير المنطقي أن يتم منع صاحب الرأي من إبداء رأيه·
لا دليل
لكن السؤال التالي يطرح نفسه: هل تسمح الصحف القومية بمقالات مدح وإطراء ومساندة لمرشح مثل ايمن نور أو نعمان جمعة؟ والرد ايضا جاهز ومنطقي: نعم نسمح ولكن لم ترد الينا آراء ومقالات من هذا القبيل·· ولا يملك المتسائل إلا أن يسكت فلا يوجد لديه دليل ادانة أو دليل براءة·
اما الحزب الدستوري الاجتماعي لصاحبه ممدوح قناوي فقد ابتدع اسلوبا معروفا في الحياة الحزبية المصرية منذ بدء التعددية في عهد الرئيس الراحل انور السادات عام 1976 وهو اسلوب خطف الاعضاء من الاحزاب الاخرى أو أسلوب إقامة مساكن ايواء للمبعدين أو المطاردين من أي حزب·· فقد اطاح رئيس حزب 'الوفد' الدكتور نعمان جمعة باثنين من الهيئة العليا للوفد هما الدكتور مدحت خفاجي استاذ الجراحة بمعهد الاورام والدكتور مصطفى النشرتي الاستاذ بكلية الحقوق·· فبادر الوفديان القياديان بالهرولة الى حزب قناوي وبررا ذلك بما يشبه النكتة وهو استحالة اقامة حزب جديد لهما باسم الوفد الديمقراطي·· لذلك فضلا الحزب الجاهز على التفصيل·
وقال ممدوح قناوي ان مئة آخرين من الاعضاء المنشقين عن 'الوفد' في طريقهم الى الحزب الدستوري الاجتماعي مما يؤكد نظرية 'عبده مشتاق' حيث يهرول المنتمون الى احزاب في كل اتجاه بحثا عن مواقع ومقاعد ومناصب·· اذا لم يجدوها في حزبهم يسعون اليها في حزب ناشئ·· والمهم ان تكون كبيرا ولو في حزب صغير·
وقد ارتدى ممدوح قناوي بسرعة ثوب الرئاسة وقرر ان يقلد الرئيس مبارك الذي اعلن ترشيح نفسه للرئاسة من مدرسة المساعي المشكورة الثانوية بالمنوفية التي تلقى فيها تعليمه في الاربعينيات من القرن الماضي·· فقد رأى قناوي ان يعقد أول مؤتمر انتخابي له في مدرسة سوهاج الثانوية العسكرية التي كانت تسمى مدرسة فؤاد الأول الثانوية والتي تلقى فيها قناوي تعليمه الثانوي·
وفي هذه الهوجة الانتخابية الفوقية والهدوء التحتي لا يملك المراقب إلا أن يقرأ ويسمع ثم يسكت ولا يعلق لانه لا يملك دليل كذب او صدق ما يقال·· فمثلا هناك ابراهيم ترك المرشح للرئاسة عن الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يؤكد على صفحات الصحف انه سيفوز بنسبة تتراوح بين 65 و70 في المئة من اصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية القادمة وان باقي المرشحين التسعة سيتقاسمون نسبة الثلاثين في المئة المتبقية·
اما عن سبب ثقته بالفوز الكاسح فهو كما يقول برنامج حزبه الانتخابي الذي يركز على حل المشكلات الاقتصادية من خلال قرارات يصدرها رئيس الوزراء دون الرجوع الى رئيس الجمهورية·
وقال ان اول قرار سيصدره عقب فوزه بالرئاسة هو تشكيل لجنة تحل محل البرلمان لمدة عامين ويكون من مهامها تعديل الدستور والدعوة لانتخابات رئاسية جديدة·
ويقول الدكتور محمود ابراهيم حسين -رئيس قسم الطب النفسي بجامعة حلوان- انه فوجئ بان احد المرشحين المستقلين للرئاسة والذين استبعدوا من الترشيح هو احد مرضاه الذين يعالجهم نفسيا في عيادته وكانت حالته قد تحسنت لكن الانتخابات الرئاسية أعادت اليه المرض وهو هوس أو جنون العظمة·
وقال ان المرشحين الحاليين حتى اذا كانوا رؤساء احزاب لا يخلو الامر من وجود مريض نفسي أو اكثر بينهم لان الشروط التعجيزية التي وضعت للترشيح والنتيجة المحسومة مسبقا لصالح الرئيس مبارك تجعل التقدم لخوض معركة الرئاسة ضربا من الجنون أو المرض النفسي الذي يندرج تحته هوس العظمة وحب الشهرة والذيوع·· كما ان مسألة حصول المرشح على نصف مليون جنيه من خزانة الدولة لحملته الانتخابية تعد حافزا آخر للترشيح لان كثيرا من المرشحين لن ينفقوا هذا المبلغ على الدعاية وسيكتفون بصورهم وتصريحاتهم في الصحف وبعض المؤتمرات غير المكلفة والتواجد عبر شاشات التليفزيون وخصوصا ان بعض هؤلاء يعلم ان النتيجة محسومة وعليه ان يخرج بغنيمة النصف مليون وهذا في حد ذاته مكسب كبير بالاضافة الى لقب مرشح سابق لرئاسة الجمهورية·
سر الأربعاء
وهناك لغز ما زال بلا حل في المعركة الانتخابية على الرئاسة·· وهو سر ولغز يوم 'الأربعاء' الذي ارتبط باجراءات كثيرة في العملية الانتخابية منذ أطلق الرئيس مبارك مبادرته بتعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور في السادس والعشرين من فبراير الماضي·· بل ربما هو سر الرقم أربعة بشكل عام في هذه التجربة الجديدة·· وما نذكره من هذا الارتباط العجيب هو أن الاستفتاء على تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور أجري يوم 'الأربعاء' الخامس والعشرين من مايو الماضي وأن الحملة الدعائية لانتخابات الرئاسة بدأت يوم 'الاربعاء' السابع عشر من أغسطس الحالي وأن انتخابات الرئاسة ستجري يوم الأربعاء السابع من سبتمبر وان الحملة الدعائية للمرشحين سوف تتوقف يوم الرابع من سبتمبر قبل اجراء الانتخابات بثلاثة أيام·
أما الحملة الانتخابية في الاعلام الرسمي المرئي والمسموع فقد حدد لها أنس الفقي وزير الاعلام أربعا وخمسين ساعة اذاعية ومئة وخمسا وثلاثين ساعة تليفزيونية تمنح كدعاية مجانية للمرشحين بخلاف الاعلانات المدفوعة·
وقال أنس الفقي ان الاعلام المرئي والمسموع المملوك للدولة سيلتزم بالمساواة التامة بين المرشحين في عرض برامجهم والمواد الخاصة بهم بشرط مراعاة الضوابط الاخلاقية وميثاق الشرف وعدم التعرض للحياة الخاصة لأي مرشح وعدم المساس بالوحدة الوطنية ومراعاة الفصل التام بين نشاط رئيس الجمهورية الذي يمارسه بحكم موقعه والأمور المتعلقة بالحملة الانتخابية للمرشحين ومنهم الرئيس مبارك مرشح الحزب الوطني·
وقال الوزير انه شكل لجنة عامة لرصد وتقييم وتصحيح الأداء الاعلامي في الحملة الدعائية للمرشحين برئاسته وعضوية أربعة من اعضاء مجلس الأمناء باتحاد الاذاعة والتليفزيون وستة من خارج المجلس من خبراء واساتذة الجامعات على ألا يكون أي منهم عضوا في حزب من الأحزاب المتنافسة في الانتخابات مع ممثل لكل حزب له مرشح·
وأضاف انه لن يتم بث أي اعلانات ممولة لتأييد أي مرشح من جانب أي شخص طبيعي أو اعتباري في مصر أو في الخارج ويستثنى من ذلك الاعلانات المقدمة من الاحزاب لصالح مرشحيها في اطار الحد الأقصى للمبالغ المخصصة والفترة الممتدة من الثانية عشرة الى السادسة صباحا على ألا تتجاوز مدة الاعلان دقيقة واحدة وتتاح للمرشحين اذاعة اعلاناتهم خارج هذه الفترات المحددة من خلال مدد أطول من دقيقة وسياسة سعرية تشجيعية ويسمح للمرشحين بتقديم برامج تسجيلية اعلانية بما لا يجاوز 15 دقيقة بأسعار متميزة ويسبقها تنويه واضح بأنها مادة اعلانية·
ويرى معظم الناس ان معركة الانتخابات الرئاسية مسلية·· وانهم يكسرون الملل بمتابعة 'افيهاتها' عبر صفحات الصحف وشاشات التليفزيون وموجات الأثير وانها كوميدية اكثر من فيلم 'بوحة' أو فيلم 'خالتي' وان هناك جديدا تتم متابعته حتى اذا كان هذا الجديد غير مؤثر وان كل المياه ستعود الى مجاريها بعد السابع من سبتمبر وستواصل القافلة المسير·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©