الاتحاد

دنيا

يدرن الأزمة من بيوتهن ويواجهن الألم بالأمل

كما تغرق السفينة بسبب ثقب صغير أحدثه فأر، فإن غزة تغرق ولكنها تغرق بأكثر من مليون ونصف المليون مواطن معظمهم من النساء والأطفال، من يمسك بالدفة ويحاول إنقاذ السفينة الغارقة؟
فمَن يديرها ضد الريح ومع الريح وفي كل اتجاه، أملاً في حياة ليوم آخر؟ نساء غزة يفعلن·········ترى كيف؟ هذا ما توضحه هذه اللقاءات السريعة؟
بدنا نعيش، بدنا نطعم أولادنا بأي طريقة·· تقول هذه العبارات وهي تعد الخبز في البيت، تحضر الطحين الذي تسلمته كمعونة من وكالة الغوث وتعجنه في الفجر ثم تقطعه إلى قطع صغيرة تفردها بالنشابة أو في اللهجة الغزية الشوبك، ثم تخبزها على قطعة معدنية مستديرة يطلق عليها الغزيون ''الصاج'' حتى ينبلج الصبح ويجد أطفالها شيئاً يأكلونه·
خبز صناعة منزلية
تقول أم أحمد المرأة الأربعينية: ليس أمامي خيار آخر، فنحن لا نستطيع شراء الخبز بسبب ارتفاع ثمنه، ولأنه أصبح شحيحاً بسبب الحصار ويباع في الأسواق السوداء، وكثيرا ما تتوقف المخابز عن العمل بسبب أزمة الكهرباء، فلا نستطيع أن نبقى بدون خبز وطالما توفر الخبز في البيت، فإننا نستطيع تدبير أمورنا حتى لو أكله أطفالي مع الملح أو مبللاً بالماء·
أزمة مواد تنظيف
بسبب الحصار المفروض على غزة والأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها أهلها، فإن البحث لا ينقطع عن بدائل لكل شيء·
أم عادل تقول: أصبحت أعد الصابون في البيت، حيث أجمع بقايا الصابون وأقوم بإضافة بعض الماء إليها، وأغليها على النار حتى تصبح سائلاً غليظ القوام، وأعاود تشكيلها على شكل مربعات ودوائر، وطبعاً نعيد استخدامها كأنها قطع صابون جديدة·
أزمة ملابس
وبسبب إغلاق المعبر ومنع دخول البضائع المستوردة إلى غزة التي تعتمد اعتماداً كلياً على المنتوجات المستوردة في الملابس، فإن الإغلاق المتواصل أدى إلى العودة إلى ممارسة حياكة الملابس في البيوت سواء باستخدام ماكينات الخياطة التي تدار باليد أو القدم لعدم توفر الكهرباء أو باستخدام الخياطة اليدوية·
وعن ذلك، تقول الخياطة أم غسان: أصبحت لا أجد وقتاً للراحة بعد فترة كساد طويلة، فكل جاراتي ومعارفي يقصدنني لأقوم بحياكة ملابس لهن ولأطفالهن، وأيضا إجراء تعديلات وإصلاحات في الملابس القديمة والتي ضاقت على فرد من العائلة لتصبح مناسبة لأفراد آخرين أصغر سناً·
تواصل أم غسان قولها: الله يكون في عون عباده، في معظم الأحوال لا أتقاضى أي مبالغ مالية أو مبلغاً رمزياً مقابل عملي هذا، الناس كلهم وضعهم صعب·
أزمة أحذية
كنا زمان نرمي الحذاء بمجرد أن يقطع من طرفه، الآن تغير الوضع، صرنا حريصين على الأحذية لعدم توفرها في الأسواق حتى أننا لانرمي أي حذاء، بل نسرع به إلى ''الجزمجي''·· بهذه العبارات تستهل أم خالد حديثها من مدينة رفح جنوب غزة، ماذا نفعل؟ الفقر من جهة وعدم وجود بضائع من جهة أخرى، الحصار خانق، ماذنب الشعب؟ تستكمل حديثها: أحياناً لا أملك أجرة إصلاح حذاء فأضطر إلى إصلاحه بالبيت وهذا يتطلب مني مجهوداً، وتوفر الصمغ وأدوات خياطة سميكة حتى أستطيع أن أخيطه، وفي كثير من الأوقات لا يتم الاصلاح، بل العكس حيث يزداد الأمر سوءاً، ولكن في كل الأحوال مستحيل ألقي بحذاء إلى المهملات حتى لو حولته من حذاء للخروج إلى شبشب أي نعل منزلي المهم أن نستفيد منه بأي طريقة·
فول وفلافل
كل شيء أعده بالبيت، لا أشتري أطعمة جاهزة إلا في الحالات الطارئة أو في حالة وجود مناسبة اجتماعية، عندي مثل ''عزومة''، أما غير ذلك فأنا أعد معظم الأكل في البيت·
تستكمل نيفين ربة البيت العشرينية والأم لأربعة أطفال حديثها وتقول: أولاً الحصار الاقتصادي وفقدان زوجي لعمله جعلني أقوم بإعداد معظم الأطعمة في البيت، مثل الفول والفلافل، وما يدعوني أكثر لإعدادها عدم قدرتنا على شراء اللحوم وارتفاع الأسعار الجنوني بسبب احتكار التجار الجشعين للمواد الاستهلاكية الأساسية·
تتابع نيفين: حقا هذه الأمور تتطلب مني وقتا كبيرا، ولكني أشعر بالسعادة حين يلمس أطفالي وزوجي الفرق بين هذه الأطعمة التي أعدها والتي كنا نشتريها لأني أضع فيها لمساتي الخاصة·
مكرونة أندومي
تعد أم علاء المكرونة والشعرية في البيت وعن طريقة إعدادها تقول: طبعاً أستخدم الدقيق وسميد القمح وأشكل العجينة التي تكون قاسية نوعاً ما حسب الأشكال التي يريدها أطفالي، وأتركها تجف في مكان نظيف وجاف ثم أستخدمها للطهي بعد إضافة التوابل العادية إليها· تضحك أم علاء وتقول: الحاجة أم الاختراع·
حلويات غزية
تخلو الأسواق في غزة من جميع أنواع المكسرات والحلويات والشوكولاتة المستوردة التي كانت تملأ الأسواق منذ وقت قريب، ولذا أصبحت العودة لصناعة الحلوى المنزلية نوعا من الضرورة لأن الأطفال والكبار يحبون الحلوى وأيضا المناسبات الاجتماعية التي لا بد من تقديم الحلوى فيها ولو في أضيق الحدود·
أم أمجد تقول: عندما أزور صديقتي في المشفى فإني أعد لها قالباً من الكيك في بيتي، لأني لا أجد نوعاً من الشوكولاتة متوفراً في الأسواق، وحتى لو توفر فأنا بصراحة لا أمتلك المال لأشتريه فنحن منذ عام بلا مصدر دخل·
وتؤمن جارتها على حديثها وتقول: في الزيارات الاجتماعية نعد لمن ننتوي زيارتهم حلوى غزية في البيت مثل البسبوسة والنمورة والغريبة، وبعض المعجنات وطبعا لقمة القاضي والتي تسمى في غزة ''العوامة''·
طيور في كل بيت
بسبب الحصار ومنع دخول كافة أنواع اللحوم إلى غزة، فقد عمدت نساؤها إلى تربية الطيور في المنازل لتوفير مصدر غذائي لأسرهن· تقول أم خالد: أربي كل أنواع الطيور في بيتي، وأحياناً لا أجد الطعام للبط الذي يحتاج لكميات كبيرة منه طوال النهار فأضطر لإطلاقه في شوارع المخيم، حتى يلتقط رزقه، ولكني أظل أجري وراء سرب البط خاصتي من زقاق لزقاق، لأن بعضاً منه يتوجه للشارع العام وتصدمه السيارات وذلك خسارة كبيرة لي· تضيف أم خالد: كل أسبوع أتوجه لسوق المدينة وأبيع الفائض من الطيور وأشتري بثمنها بعض لوازم البيت·
صناعة الشموع
حتى الشموع لا نجد ثمن شرائها، تتحسر أم بسام وتقول: أجمع المادة المنصهرة من الشمع الذي سبق أن استخدمته ثم أذيبه على النار وأصبه في قالب، وأضع في وسطه خيطاً ليصبح بعد ذلك صالحاً للاستخدام في الاضاءة مرة أخرى·
مكعبات ماجي
كل طعامنا نطبخه باستخدام مكعبات الشوربة الصغيرة لإضفاء النكهة على الطعام، تقول ميرفت: منذ عام لم تدخل اللحوم بيتنا، أتوجه إلى بائع الدجاج لأحصل منه على أقدام الدجاج وسيقانها قبل أن يلقي بها في القمامة، أقوم بشويها على النار وتقديمها لأطفالي، ماذا أفعل؟ أوهمهم أنهم يأكلون لحما، الحياة صعبة ولا مصدر دخل لدينا، فزوجي بلا عمل ولا مصدر دخل لدينا سوى ما يجود به أهل الخير·
امرأة المهام الصعبة
وعن قدرة المرأة الفلسطينية عامة والغزية خاصة على إدارة الأزمة يتحدث الخبير الاقتصادي عمر شعبان فيقول: ظروف المرأة الفلسطينية أصبحت أكثر قسوة بسبب الحصار، وبدت هناك ملامح لدور أكبر للمرأة لمواجهة المشكلة على فرضية أن المهن المرتبطة بالرجال تقليدياً لم تعد موجودة أو توقفت، مما فرض على المرأة أن تبحث عن بدائل لقيام بأعباء الأسرة فبدأن بالبحث عن مهن جديدة مثل التوسع في الصناعات المنزلية والعودة للصناعات التقليدية كالمفتول والمعجنات والمجففات، وصرنا نشاهد عودة للزراعة ابتداء من الحدائق المنزلية وانتهاء بالحقول والبيارات، ولعبت المرأة دوراً ملحوظاً في هذا المجال· ويشير شعبان إلى أن تصدر المرأة فيه دور سلبي أيضاً إذ كانت تذهب للجان الزكاة والجمعيات الخيرية والشؤون الاجتماعية، لجلب المساعدات لأن الرجل يشعر بالحرج، إلا أن الأزمات تجبر الشعوب على البحث عن أسباب للبقاء·
ويدلل شعبان على أقواله بالإشارة إلى انتشار محلات وبسطات البالة ''الملابس المستعملة'' التي تبيعها النساء، وكذلك إعادة استخدام الملابس القديمة، بالإضافة إلى أن بعض السلع التي لم يكن لها قيمة أصبحت مطلوبة وذات قيمة·
ويؤكد أن المرأة استطاعت أن تقود العائلة وحدث استبدال للأدوار بينها وبين الرجل الذي صار يعترف بدورها، رغم أن هذا التغير الذي يتم بشكل إجباري يحمل على المدى الطويل أشياءً إيجابية





المصلون محرومون من الصلاة في المساجد






بسبب القصف·· والخوف على حياتهم







لم تسلم بيوت الله من الهجمة البربرية على غزة (من المصدر)





غزة (الاتحاد) - اعتاد ابني الصغير البالغ من العمر عشر سنوات أن يؤدي صلاة الجمعة في المسجد، ويعتبر ذلك طقساً محبباً لديه وقد حاولت أن أستحثه على أداء باقي الصلوات في المسجد ولكني كنت متخوفة بسبب اندلاع الحرب حيث أصبح الوصول للمسجد مجازفة لأن كل المساجد تلقت تبليغات بالهدم من المخابرات الاسرائيلية، فنهيت ابني عن الذهاب للصلاة، خوفاً على حياته· واكتشفت أن حالي هو حال الكثيرين فمنهم من فضل الصلاة في بيته خشية من تدمير المسجد أثناء الصلاة، ومنهم من أصر على الصلاة حاضراً فيها، ومنهم من اعتبر ذلك علامة من علامات الموت العربي·









وقال المواطن أبو محمد مؤذن أحد المساجد: إن المواطن المسلم في قطاع غزة لم يكن يتوقع يوماً أن تتحول الصلاة في مساجد غزة إلى مخاطرة كبيرة، يمكن أن تودي بحياة من يقدم عليها من صغار وشباب وشيوخ، بعد تعمد إسرائيل استهداف مساجد القطاع بشكل متعمد، مستهجناً صمت وسائل الإعلام إزاء التدمير المتعمد للمساجد وبيوت العزاء والمنازل الآمنة·
ووفقاً لتعليقات بعض الوكالات الإعلامية توقعت الصحف الاسرائيلية في تعقيباتها ردة فعل أكثر صعوبة على تدمير المساجد من العالمين العربي والإسلامي، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث·
وكان أبشع الاستهدافات التي شنتها الطائرات الإسرائيلية على المساجد، إلقاء قنبلة من النوع الثقيل على مسجد إبراهيم المقادمة في بلدة بيت لاهيا أقصى شمال القطاع، منذ عدة أيام، أثناء أداء عشرات المصلين صلاة المغرب، ما أسفر عن مجزرة جديدة، راح ضحيتها أكثر من ستة عشر شهيداً وعشرات الجرحى·
وأشار المواطن أبو عمر الذي اعتاد الصلاة في المسجد حاضراً إلى أن هذه المجزرة دفعت بعض الفلسطينيين للامتناع عن أداء الصلاة في المساجد وخاصة صلوات الفجر والمغرب والعشاء، لافتاً إلى أن بإمكان إسرائيل أن تقصف أياً من المساجد دون مبررات، أو بزعم استخدامه لتخزين السلاح·
وأشار إلى أن كثيرا من المصلين أصروا على التوجه للمساجد لأداء الصلوات جماعة، متمنين أن يرتقوا إلى العلا وهم في بيوت الله·
وكان الحاج عواد الشاعر (70 عاماً) أول من أذن لصلاة الفجر وقرأ القرآن فجر المجزرة الاسرائيلية في جباليا، متحدياً بذلك الإجرام الاسرائيلي، كما يقول، متسائلا ''هل هناك أحد يموت وهو ناقص عمر، وهل الصلاة في البيوت تمنع القصف والموت، فالكثير من الناس استشهدوا في منازلهم وليس في المساجد وأضاف: ''رغم ان الصلاة في المساجد مخاطرة، لكنني لن أعزف عنها، وسأواصل الصلاة فيها''، مشيراً إلى أنه منذ عشرين عاماً يقرأ القرآن ويؤذن لصلاة الفجر، ولن يترك هذه العادة إلا إذا أراد الله ذلك·
أما المؤذن أبو عمار الشبطي (52 عاماً) الذي يحرص على أداء كل الصلوات في مسجد ''الأبرار'' فقد أوضح أن الفلسطينيين مطالبون بالإصرار على مواصلة أداء الصلوات في المساجد في ظل هذه الأوضاع، ''حتى لا تنجح إسرائيل في تمرير مخططها الهادف إلى إبعاد الناس عن المساجد''·
وأشار الشبطي إلى أن هناك الكثير من الدعايات والإشاعات عن قصف عدد من المساجد، لكنها لن تقلل من أعداد المصلين في المساجد بل زادتهم تقرباً إلى الله وطلباً للنصر منه على إسرائيل·
وأوضح المواطن أبو حسن أن المصلين في معظم المساجد وبغض النظر عن انتمائهم يعكفون حالياً على جمع الصلوات بسبب الأوضاع الأمنية، مشيراً إلى أنه يتم جمع صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء، بعد أن أفتى علماء الدين بجواز جمع الصلوات بسبب تعمد الجيش الإسرائيلي استهداف هذه المساجد· وأبدت الكثير من العائلات التي تقطن بالقرب من المساجد خشيتها من التعرض للأذى حال قصفها، متخذة إجراءات أمنية احتياطية حتى لا تتعرض للأذى حال تم قصف هذه المساجد، فيما هجر عدد آخر منازلهم خوفاً على حياتهم·
وكان الجيش الإسرائيلي قصف مسجد عماد عقل في مخيم جباليا ما أدى الى تدميره وانهيار منزل متاخم له، ما أدى إلى مقتل خمس شقيقات من عائلة بعلوشة، كما دمر مسجد أبو بكر الصديق في بلدة بيت حانون أقصى شمال قطاع غزة، ومسجد النصر الأثري جنوب القطاع، الذي يرجع بناؤه إلى العام 736م، والمقام على أرض معركة جرت بين المسلمين والفرنجة انتهت بنصر المسلمين، كما استهدف مسجد عمر بن عبدالعزيز جنوب القطاع، ومسجدي الشفاء والعباس في مدينة غزة، إلى جانب مسجد السرايا والمجمع في غزة، ومسجد عمر بن الخطاب في مخيم البريج، ومسجد الخلفاء الراشدين في القرارة جنوب القطاع، ومسجد الأبرار في بلدة بني سهيلا جنوب شرقي القطاع، ومسجد بلال بن رباح في رفح جنوب غزة، ومسجد القسام في خان يونس جنوب القطاع

اقرأ أيضا