الاتحاد

دنيا

عجلات «مترو» الجزائر تدور بعد 30 عاماً من الانتظار

انتظار المسافرين لقطارات الأنفاق لا يتجاوز 3.20 دقيقة

انتظار المسافرين لقطارات الأنفاق لا يتجاوز 3.20 دقيقة

كان الفاتح من نوفمبر 2011 يوماً تاريخياً في حياة الجزائريين، إذ تمكنوا أخيراً من ركوب المترو بعد 30 سنة كاملة من الانتظار بسبب بطء الأشغال وتوقفها مراراً، واختار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هذا اليوم لتدشين المترو لأنه يصادف الذكرى الـ57 لعيد انطلاق ثورة الأول من نوفمبر عام 1954 التي دحرت الاستعمار الفرنسي من الجزائر بعد 132 سنة من الاحتلال.

يُعرف المترو في الجزائر بأنه “أطول مشروع تنموي بالبلد”، بعد أن بلغ عمرُه 30 سنة كاملة قبل أن يرى النور أخيراً، فقد ظهرت فكرة المشروع في عام 1981 في عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي طلب من حكومة محمد بن أحمد عبد الغني إعداد دراسة وافية عن المشروع، واستمرت الدراسة التقنية 4 سنوات قبل أن يتقرر الشروعُ بإنجازه في عام 1985، إلا أن أشغال المشروع سرعان ما تعثرت بفعل الصدمة البترولية العالمية الشهيرة لعام 1986، ثم استأنفت في عام 1988، قبل أن تتوقف مجدداً بسبب دخول البلد أزمة أمنية خطيرة منذ يناير 1992، وبقي المشروع مجمّداً إلى غاية سنة 2000، حيث قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعثه من جديد، وأسنده إلى شركات ألمانية وفرنسية وإيطالية وإسبانية، فانتهت به الأشغال منذ أشهر قليلة قبل أن يُخضع في أغسطس الماضي لتجارب تطبيقية قبل فتحه للمسافرين، وهو ما تمَّ بنجاح ليفتتح للجمهور في 1 نوفمبر الماضي.
تخفيف الضغط
يقول عمر حدبي، المدير العام لمؤسسة مترو الجزائر، إن أكثر من مليون جزائري قد ركب المترو في غضون شهر واحد أي خلال الفترة الممتدة بين 1 نوفمبر ونهاية ديسمبر الماضي، في حين يقول وزير النقل عمر تو “تأخر المشروع لأسباب عديدة مالية وأمنية معروفة، ولكن طول مدة الإنجاز مكَّنتنا من اكتساب خبرة معتبرة تشكل مؤهّلاً قيِّماً لإنجاز مشاريع توسيعه إلى خطوط أخرى بكل نجاح”.
وافتتح الشطر الأول للمترو على مسافة 9.5 كيلومتر ويمتد من وسط الجزائر العاصمة إلى أعالي منطقة حي البدر بالقبة، وأعلن تو قبل أيام فتحَ مناقصة وطنية ودولية لإنجاز خطوط طويلة تمتد إلى باب الزوار شرق الجزائر ودرارية غربها، على مسافة إجمالية تبلغ 40 كلم، وأكد الوزير أن الأشغال لن تعرف أي تأخر هذه المرة وسيتم إنجازُ كل الخطوط المقررة في آفاق عام 2020، بهدف فك الخناق المروري نهائياً عن الجزائر العاصمة “سيحقق المترو لمستعمليه مكاسب عدة ومنها ربح الوقت والراحة والتخلص من الضغط المروري، كما سيخفف الضغط على وسائل النقل الأخرى”.
ويعترف الجزائريون الذين استقلوا المترو في أيامه الأولى بأنه “وسيلة نقل مثالية”، ستمكنهم أخيراً من التخلص من الازدحام المروري الخانق الذي حوَّل حياتهم اليومية إلى جحيم بفعل شدة الاكتظاظ الناجم عن كثرة السيارات والحواجز الأمنية، حيث تدخل الجزائرَ العاصمة يومياً ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون سيارة من مختلف مناطق البلد لتشكل ضغطا رهيبا على طرقاتها، ويشعر سكانُ المناطق التي يمر بها الخط الأول من المترو، أن هذا الكابوس قد انتهى حيث سيستطيعون ركوب المترو في أي وقت للاتجاه إلى مقار عملهم أو لتقريبهم منها. وأعلنت إدارة المترو أنها قررت وضع قطار أنفاق واحد تحت تصرف المسافرين كل 3 دقائق و20 ثانية، وتعهدت بألا يتجاوز 11 دقيقة أثناء قطعه مسافة الـ9.5 كيلومتر مع التوقف في عشر محطات في المجموع، كما أكدت الإدارة أنه بالإمكان نقل 25 ألف مسافر في الساعة الواحدة، أي نحو 60 مليون مسافر في السنة.
تسعيرة باهظة
بدأ المسافرون الذين تهافتوا على امتطاء قطار الأنفاق بقوة في أيامه الأولى سعداء جدا بهذا الإنجاز، إلى ذلك، يقول رفيق أمْخالدي “أسكن في البريد المركزي وأشتغل بالقبة، ويومياً أعاني من الازدحام المروري الخانق الذي يتزايد مع مرور الوقت بفعل الاقتناء المتواصل للسيارات، وكنت أحياناً لا أصل إلى مقر عملي إلا بعد مرور ساعة أقضيها في انتظار الحافلات ثم في زحمة الطرقات، ما يرهق أعصابي، والآن انتهى هذا الكابوس ولم أعد احتاج سوى إلى دقائق معدودة لأصل على مقر عملي بكل راحة”.
وبدا أن أكثر المقبلين على المترو في أيامه الأولى هم الأطفال والشبان بدافع الاكتشاف والفضول، وقد أبدى المسافرون انبهارهم أيضاً لجماله، يقول الشاب كمال سعيداني “نشعر أننا في باريس أو برشلونة، المكان باهر الجمال، يحق لنا الافتخار بهذا الإنجاز لاسيما وأنه هو الثاني في إفريقيا بعد مترو القاهرة”. بينما قال رفيقُه مازحاً “عمري 30 سنة، تماماً كعمر المترو.. هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية”.
ومع سعادة الجزائريين بالمترو، إلا أنهم أجمعوا على أن تسعيرة الـ50 دينارا جزائريا التي أقرتها وزارة النقل تعدّ باهظة وتتعدى سعر تذاكر الحافلات بثلاث مرات، وهو ما يرهق الموظفين والعمال الذين يجدون أنفسهم مجبرين على إنفاق 100 دينار ذهابا وإيابا كل يوم عوض 30 دينارا فقط في الحافلات، إلا أن وزير النقل عمر تو، يؤكد من جهته أن “التسعيرة مدروسة بعناية ومُدعّمة أيضاً” ويضيف الوزير “تذكرة الـ50 ديناراً تخص السفر الظرفي غير المتكرر وهو لا يمثل 5 بالمائة فقط من الطلب بحسب توقعاتنا، بينما يمكن لمن يسافر بانتظام أن يستفيد من تخفيضات هامة بموجب صيغ متعددة من الاشتراك، وهؤلاء يشكلون 95 بالمائة من الطلب”.
من جهته، يوضح حدبي أن هناك ثلاث صيغ للاشتراك طرحتها مؤسستُه، وهي الاشتراك الأسبوعي والشهري وشراء دفتر من 10 تذاكر، ويستفيد المشترك من تخفيضات تتراوح بين 10 و30 بالمائة.
فرق أمنية
يبدأ عمل قطار الأنفاق يومياً من الساعة الخامسة صباحاً إلى الحادية عشر ليلاً، ويشرف عليه نحو 400 موظف وتقني يشرفون على مختلف العمليات، بينما تقوم غرفة العمليات المركزية بالتحكم بالمترو وتشغيله بنظام إلكتروني معقد يضمن تسيير القطارات وخلايا الطاقة الكهربائية في وقت واحد، ويؤكد عمر حدبي أن هذا النظام الإلكتروني بالغُ التطور وهو نفسه المستعمل في مترو نيويورك وبرشلونة والخط رقم 14 لمترو باريس ومؤخراً لوزان بسويسرا. وقد تم اختبارُه بنجاح تام خلال فترة التشغيل التجريبي على مائة رحلة.
ويشرف على أمن قطار الأنفاق والمسافرين فرقة أمنية تتكون من 400 شرطي تلقوا تدريبا خاصا قبل أشهر من فتح المترو للخدمة، وزُودت الفرقة بمُعدات وتجهيزات حديثة تتلاءم مع طبيعة المحطات باعتبارها أماكن مغلقة قليلة الإضاءة إضافة إلى أجهزة لكشف المتفجرات والمعادن لإحباط أية عمليات إجرامية بحسب رئيس الفرقة الملازم الأول جمال بومهن، كما تمّ تزويدُ المحطات العشر للمترو بـ244 كاميرا مراقبة تعمل دون توقف وتبعث صورَها إلى المركز العام للتحكم والمراقبة لاستغلالها في مراقبة الحركة وإفشال عمليات السرقات والإجرام.
ويأمل سكان الجزائر العاصمة أن يتم احترام الآجال المتعلقة بإنجاز مختلف الخطوط المتبقية لمترو الجزائر، حيث وعدت وزارة النقل بتسليم بعض الخطوط القريبة في سنوات2012 و2013 و2014، بينما وعدت بتسليم خطوط باب الزوار شرقاً والدرارية غرباً في آفاق 2020، وهو ما سيمكِّن من إنهاء كابوس الاكتظاظ المروري تماماً وإعطاء وجه آخر للجزائر العاصمة.

اقرأ أيضا