الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
أم عدنان: سبعينية تناطح الزمن بطبق قش
أم عدنان: سبعينية تناطح الزمن بطبق قش
21 أغسطس 2005


دمشق ـ عمّار أبو عابد:
الجدة أم عدنان (حسيبة القضماني) عمرها (73) سنة، ولا تزال تقاوم الزمن وتحدياته، وتتمسك بصناعة القش التقليدية القديمة، وهي تجلس في قريتها في ريف السويداء لتصنع منتوجات متنوعة من القش، كالأطباق والقفف ذات الألوان الزاهية والنقوش الفطرية الجميلة· ورغم قلة الطلب الآن على هذه المنتوجات، بعد أن تحولت من حاجات منزلية ضرورية إلى لوحات للعرض على الجدران، فإن (أم عدنان) تواصل مهنتها بهمة وثبات، معلنة حبها لهذه المهنة النسائية التي تجاوز عمرها مئات السنين، متمسكة بقش القمح لصناعتها·
ورغم ظهور قش صناعي من البلاستيك واستخدام أم عدنان له، فإنها لا تزال منحازة لقش القمح الطبيعي ورائحته، وطريقة صناعته، فهو المفضل لديها، بعد أن تعايشت معه عدة عقود·
مضت على أم عدنان خمسون سنة منذ بدأت هوايتها ومهنتها في صناعة القش، وتقول: 'لقد تعلمتها بمفردي، فقد كنت أراقب أمي وأساعدها وهي تصنع الأطباق، كما كنت أجرب وأحاول بمفردي، وكان حبي لهذه الحرفة اليدوية، واستمتاعي بالعمل بها، سببين أساسيين لممارستي لها· ومع الوقت وزيادة خبرتي وسرعتي في العمل وولعي به، أصبحت صناعة القش تشكل لي مورداً أساسياً، أعانني على تجاوز حياة الفقر التي عشتها· ومن هذا المورد ربيت أولادي وعلمتهم، دون أن أحتاج لطلب المساعدة من أحد· والآن وبعد هذا الزمن الطويل مع القش، أشعر بأن هذه هي (صنعتي) الوحيدة، ولا أعرف غيرها، ولا أريد التخلي عنها ما حييت'·
وعن جذور حرفة القش تقول أم عدنان إنها مهنة متوارثة وعريقة، لكنها تختلف عن غيرها، بأنها غير محصورة بعائلات أو أشخاص، أو طبقات اجتماعية معينة، فممارستها تتعلق بالهواية والمزاج، ورغبة السيدة في تعلمها وممارستها، حيث من الممكن لأية امرأة أن تتعلمها دون معلم أو مرشد، لأنها حرفة بسيطة تعتمد على المهارة الشخصية، وتستخدم فيها أدوات بسيطة، وهي حرفة خاصة بالنساء، إذ إننا نادراً ما نجد رجلاً يعمل بها!
أدوات وأنواع
وعن الأشكال والأنواع التي تصنع من القش تقول أم عدنان: 'إنها كثيرة ومنها الطبق المستخدم لوضع الطعام عليه (طبق المائدة) ويبلغ قطره متر تقريباً، وما تزال الأسر في الأرياف تستخدمه لوضع أطباق الطعام عليه، حيث يوضع على الأرض وتتحلق حوله الأسرة لتناول الطعام، وهناك أطباق صغيرة (صحون) لتقديم الفاكهة والبذورات· وهناك طبق يوضع فيه الخبز، وقفة لوضع أدوات الخياطة، وقفة أو سلة لحفظ (ديارة) الأطفال'·
وتذكر أم عدنان أن المواد الأولية الأساسية لصناعة أطباق وأدوات القش تتكون من قش القمح، وتقول: 'القش الطبيعي هو المادة الأساسية، ونحصل عليه من بيادر الحقول بعد حصاد القمح، وهو ساق القمح، كما نستخدم (القصل) البري، وهو ساق نبات (المكانس) لحشوة الطبق أو القفة، بحيث يلف عليه القش· ومنذ سنوات بدأ يظهر في السوق (قش بلاستيكي)، وهو ذو ألوان متعددة جداً، واستخدامه أكثر سهولة من العمل على القش الطبيعي، لأنه أكثر ليونة وطواعية، ولكنني شخصياً أفضل القش الطبيعي ـ قش القمح ـ لأنه صحي أكثر'·
وعن الأدوات التي تستخدمها في مهنتها تقول أم عدنان: هي أدوات بسيطة جداً، كالمقص لتشذيب رؤوس القش، و(المخلَّة)، وهي تشبه المسمار لكنها أكبر حجماً منه، وتستخدمها لتثبيت القش، وربطه ببعضه بعضاً·
طريقة الصنع
تشرح لنا الجدة أم عدنان بالتفصيل كيفية صناعة أطباق القش وتلوينها، وتقول: 'بعد صبغ وتجفيف (القش) نأخذ حزمة من (القصل البري) ونبللها بالماء حتى تصبح طرية، ونبدأ بلف القصل المصبوغ واحدة تلو الأخرى وبمساعدة المخلَّة نثبتها بعضها ببعض، ونكمل بشكل دائري، ونغير الألوان بتغيير القصل الملون تباعاً، وحسب الرسم المطلوب، وهكذا حتى نحصل على طبق أو قفَة أو غيرها بالحجم الذي نريد'·
وعن الجهد الذي تبذله في صناعة الأطباق تقول أم عدنان: 'إن العمل اليدوي يحتاج لجهد كبير، فصناعة القش تسبب ألماً في اليدين والأكتاف، لأنها تحتاج لشد وضغط كي تصبح متينة ومتناسقة، وهذه المتانة والتناسق، تضفي على العمل جودة ليعمر أعواماً طويلة·
أما كيفية تلوين القش الطبيعي، فتكشف لنا أم عدنان عن أنه بالإمكان تلوينه باللون الذي نريد، وأن هناك صبغات خاصة له، وتتم عملية الصبغ بغلي القش مع الصبغة والماء لمدة ساعتين تقريباً، ثم يتم تجفيفه، قبل الشروع بالعمل به· أما إذا أردنا لوناً أصفر مميزاً، فنحصل على هذا اللون بنقع القش في الماء الممزوج بالرماد لمدة ساعتين'·
فن أيام زمان
رغم أن أم عدنان أمية لا تقرأ ولا تكتب، فإنها تعتبر عملها نوعاً من الفن الشعبي، وتقول: 'كل عملي كان من مخيلتي، فأنا لم أنقل رسماً عن أحد، والشيء الوحيد الذي أنقله هو الكتابة لأنني أمية، ومع ذلك فأنا أستطيع تنسيق الكلمات وتدويرها حسب شكل الأداة المصنوعة· وأنا أعتز بعملي، وأعتبره فناً لأنه ينبع من المزاج والذوق والمخيلة، والدليل على ذلك أن ما أصنعه هذه الأيام يطلب للزينة وتعليقه على الجدران والتمتع بمنظره ونقشه الجميل'·
مع تطور الحياة، لم تعد صناعة القش حاجة من حاجات الإنسان اليومية، كما كانت في القديم، وتحولت منتجاتها إلى أشكال للزينة كما تؤكد أم عدنان التي تتذكر أيام زمان، وتقول: 'في السابق كان هناك التباهي بالصنع، والتنافس بالسرعة، وإتقان العمل وجماله، وتنوع النقش على الأطباق ودقة العمل، فقد كانت هذه المهنة طقساً من الطقوس الاجتماعية· أما اليوم فهي أدوات للزينة والذكرى فقط· فهناك من يحب المحافظة على علاقته بالماضي· ولا أعتقد أن هذه الصناعة يمكن أن تنسى أو تهدد بالنسيان، لأن أشخاصاً كثيرين مولعون بهذه الصناعة، يحبونها ويحاولون الحفاظ عليها باعتبارها من التراث'·
وأثناء حديث الذكريات عن الماضي الجميل لصناعة القش تذكر أم عدنان أن حاجة الناس لأدوات مصنوعة من القش كانت كثيرة، وبعضها مرتبط بالعادات والأفراح، ففي الأعراس مثلاً كان يتم تقديم الطعام الشعبي على أطباق القش حصراً· كما كانت النساء تتبارى لعرض ما عندها من أطباق وتهيئة الطعام عليها لتقديمها للمدعوين· وكانت الأطباق تستخدم لأمر آخر هام، وهو وضع خبز الصاج عليها، وهي عملية صحية جداً، لأن الأطباق المصنوعة من القش الطبيعي لا تتأثر بحرارة الخبز الطازج ولا تؤثر عليه، كما أن هناك استخداماً آخر للأطباق، حيث كان يتم فيها تصويل (غسيل) بذور القمح وتجفيفها، هذا عدا الأطباق المصنوعة لخدمة السيدات كسلة أدوات الخياطة، وسلة (ديارة) الأطفال، وسلة أدوات الزينة·
مهنة تتراجع
برغم تراثية صناعة أطباق القش ومشتقاتها، فقد اقتحم البلاستيك عالمها، وقدم لها قشاً صناعياً ملوناً، وسهل الاستعمال· لكن (أم عدنان) لا تفضله على القش الطبيعي رغم قلة توفر الأخير هذه الأيام·
وعن تراجع سوق المهنة نتيجة التطور، والكميات التي تنتجها أم عدنان تقول: 'تتعلق الكمية أساساً بالطلب عليها، ففي السابق كنت خلال يومين أو ثلاثة أيام أصنع مجموعة من الأطباق أو القفف، ولكن اليوم اختلف الأمر لسببين، الأول قلة الطلب لتوافر الأدوات المعدنية والبلاستيكية وانتشارها، والسبب الثاني هو تقدمي بالسن وشعوري بالتعب'· بقي أن نذكر أن (الجدة) لا تزال تستخدم أطباق القش في منزلها، وهي تحب ذلك لأنها معتادة على التعامل معها، فكيف إذا كان من صنع يديها، كما أنها تعتبرها صحية أكثر، وتفضل منظرها الجميل وتفخر باقتنائها·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©