الاتحاد

دنيا

الرجل يحبّ أكلة ماما التقليدية والعولمة لا تسمح

تونس ـ فرح فوزي:
لئن نجحت 'البوتوكس' في التسلّل إلى بعض الوجوه المجعّدة فأعادت إليها النضارة، ودخلت العولمة قسرا إلى بيوتنا ومخادعنا، فإن البعض ظل صامدا في وجه التغييرات التي تشهدها العائلة العربية عموما والتونسية تحديدا لأسباب عديدة ومختلفة، وبقي بذلك على العهد مع ما تربّى عليه من عادات كانت مناسبة للقاءات الأسرية الموسّعة التي صرنا نفتقدها اليوم لتعدّد المشاغل وضيق الوقت·
ولئن شهدت التركيبة الأسرية تغييرات جذرية في تونس، إلاّ أن بعض العائلات وعلى رأسها الوالدان تحرص على الوفاء لبعض العادات التي وإن لم تساير التطوّر في العقليات والسلوك فإنها تستجيب لحاجيات الأسرة وسعيها إلى تسجيل تقشف نسبي في المصاريف·
ورغم أن التحولات الحثيثة والمتسارعة لنسق الحياة اليومي للمجتمع التونسي، كمثيلاته من المجتمعات السائرة على درب النمو، مثلت وجها آخر لعادات مستحدثة فرضتها طبيعة التوجهات العالمية السائدة التي ما فتئت تعصف بمخزون ثقافي وحضاري ظل لعقود طويلة بمثابة الثابت الّذي لا يتحوّل، إلا أن الذاكرة الشعبية التونسية لا تزال حيّة وجيّاشة حين يتعلق الأمر بالحنين لأهم مناسبة سنوية تتصل مباشرة بتوفير خزينة غذائيّة تؤمن مستحقات سنة كاملة من المواد الغذائيّة الضرورية يطلق عليها اسم 'العولة' غير أن السّؤال الذي يطرح هل ما زالت 'العولة' تشغل حيّزا من الاهتمامات الفعلية للعائلة التونسية؟
هل أنّ إغراءات المساحات التجارية الكبرى، المنتشرة في كلّ مكان استطاعت أن تمحو واحدة من أهم العادات الغذائية؟
هذه جولة في الأذواق والآراء المختلفة أردناها جامعة، فجاءت لا تخلو من الطرافة·
بالرّغم من زحف العادات الغذائية العصرية كسيل جارف له القدرة على اقتلاع العديد من المظاهر الاجتماعيّة الجميلة، إلاّ أن هذا الزحف وحسب آخر الدراسات فشل في تغييب 'العولة' أو 'بيت المونة'· فقد أثبتت دراسة حديثة أنّ 3,77 % من 163 ربّة بيت ما زالت تحافظ على عادة العولة وتتمسك بها كضرورة لا كخيار لاعتبارين اثنين: الأوّل ثقافي وحضاري راسخ في الذّاكرة الجماعية ومرتبط بمناسبات الأفراح خاصّة في فصل الصّيف، والثاني غذائي صحّي يكتسب شرعية من مباشرة عملية اختيار المواد الغذائية الأوليّة وتحويلها إلى مواد مصبّرة ومخزنة حسب اختيارات تأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والغذائية المحليّة في الرّيف والمدينة وتراعي النواحي الصحيّة·
كما أبرزت الدّراسة أنّ 13% متمسكون 'بالعولة' و يحبذونها لأنّها تحتوي على نكهة خاصّة ومذاق متميز لا يمكن أن توفره المواد المكدسة في المساحات التجاريّة الكبرى·
ومن أهمّ المواد الغذائية المعبأة عن طريق 'العولة' والمحبذة اجتماعيا 'الكسكسي'، والخضر الجافة والتوابل (البهارات)، والسّمك، وطحين القطانية وشوربة الشعير، والدّرع، والفواكه الجافة، والزّيت والسّمن، والعسل، والماء المعطر كماء الزّهر وماء الورد وماء العطرشيّة و ماء النسرين الذي يتم تقطيره في أواخر فصل الرّبيع والصابون المصنوع من بقايا زيوت القلي وغيرها ·
لمّة و فرحة
حين تقرّر العائلة التونسية تحديد اليوم الذي ستجري فيه 'فعاليات العولة' تتجنّد الأسرة للحدث، وتنتظره بلهفة المشتاق إلى لحظة من الصّفاء النفسي و الرّوحي حيث يمتزج نشاط تحضير 'العولة' بالغناء والزغاريد، و رائحة الطّعام العطرة الّذي يتم تحضيره خصّيصا للمناسبة ويكون عادة من المواد الغذائيّة الّتي يجري تحضيرها للتّو· و للغرض ذاته،يجري استدعاء بعض الأقارب والجيران، للمساهمة في عمليّة التّحضير و هي عمليّة دوريّة تتمّ بينهم تعكس روح التضامن و التآخي و الرّوابط الاجتماعية المتينة·
لكن اليوم ظلت العادة وراح الأصل، أي أن العادة تدق أبواب البعض الذين يلجؤون إلى نساء مختصّات في صنع 'العولة' أو المؤونة بمقابل في غياب علاقات الجوار التي قضى عليها البناء العمودي وانشغال الناس كل بأموره الخاصة وضيق الوقت·
تقول السيدة راضية العلوي (65 سنة) ربة بيت: 'أستعين بامرأة أو اثنتين لإعداد العولة خلال شهر أغسطس من كل سنة· وهي عادة طيّبة أحرص على أن تتربّى عليها بناتي الثلاث، وهي مساهمة مني في التخفيض من حجم المصاريف اليوميّة التي يتكبدها زوجي بمفرده باعتبار أنني لا أعمل خارج البيت·'
منى بن لخضر (84 سنة - مهندسة)، هي أيضا تحافظ على عادة العولة وإن كان بصورة أقلّ حيث تعدّ بمساعدة والدتها وحماتها القليل من الكسكسي والهريسة والحساء ·
تقول: 'أعدّ ما تحتاجه أسرتي وخاصّة زوجي الذي يصرّ على 'العولة' و أمام انشغالاتي الكبيرة تتطوّع أمّي وحماتي بمساعدتي··· (تضحك) الحقيقة أنهما يعدانّ كل شيء مكاني ولكننا نقول لزوجي إنه من إعدادي حتى تظل صورتي في نظره متوافقة مع صورة أمّه··· ولولا زوجي لما ربطت نفسي بهذه العادة التي يمكن العيش دونها'·
أمّا أحلام (92 سنة) مدرّسة فهي تحبّ الأكلات المطبوخة من موادّ من صنع والدتها، تقول: 'لم يعد يوم إعداد العولة مناسبة للقاء عائلي موسّع، صارت أمي تكتفي بحضور أخواتي البنات - دون أطفالهن - لمدّ يد المساعدة لها ثم تتولى بعد أسبوع منحنا قسطا ممّا صنعته··· ولو لم تكن أمّي خبيرة في صنع 'العولة' لاضطررت لتدبّر شؤوني بنفسي لأنّي لا أقبل سوى ما صنع بالمنزل رغم جهلي التام بطريقة الإعداد'·
وفاء للجذور
السيدة جميلة بن فرج (53 سنة) موظفة بمؤسسة حكومية هي أمّ لثلاثة أطفال، تقول: 'أمام الزحف الكبير لعادات غريبة عنا استسهلناها وأغرتنا ببساطتها وما توفره من الراحة والمجهود البدني مقابل القليل من المال الإضافي لا غير انخفضت أسهم العولة! فكلّ شيء موجود بالمحلات الكبرى، وما على المرأة سوى الوقوف لحظات لشراء ما تحتاجه من موّاد معلّبة ومحفوظة في أشكال مغرية··· أمام هذه الإغراءات، أحاول الصّمود و الوفاء لعادات بدأت في الزّوال· إنه أمر مخيف، أريد أن أبقى على أصلي، أحاول التشبث بكل ما يمت بصلة إلى جدّتي و أمّي، وكل ما يذكرني بطفولتي الأولى وصباي··· إن الذاكرة العائلية هي الأساس ولا يجب أن تزول نهائيا· التاريخ جميل بكل ما يحمله··· والحنين إليه يدفعني إلى الوفاء لأيّام خوال وعادات ينظر إليها اليوم بالكثير من الاستغراب·
تصوّري، لا يمكنني أن أقول في الشغل أنني أعدّ 'العولة' كلّ صيف حتى لا أعرّض نفسي لاستهزاء البعض الذين يفضلون الأكلات الجاهزة، والملابس الجاهزة، والقوالب الجاهزة، وهم لا يعرفون أنهم بصدد الذوبان في أطر غريبة عنّا قد تأخذنا معها في متاهات لا تمّت بصلة إلى حضارتنا و تاريخنا·'
لا للتعب والشقاء
في المقابل، ترفض حسناء لحمر وفوزية العمري وخولة بن ناصر وكلهن من خريجات الجامعات التونسيّة، فكرة إعداد العولة تقول الأولى باسم المجموعة: 'نحن نعمل خارج البيت 8 ساعات يوميا ولدينا مسؤولية تربية الأبناء وشؤون البيت بالإضافة إلى الواجبات الأسرية، ونحن نساهم في مصاريف العائلة، فهل بعد كل هذا الجهد وهذا 'النضال' نخلق لأنفسنا مشاغل أخرى!
تضيف صديقتها فوزية بانفعال: 'ليس لدينا الوقت لممارسة الرياضة أو متابعة المسلسلات التلفزيونية، فكيف بربّك نقتطع ساعات هي في الأصل للراحة والاستجمام صيفا لصنع 'العولة'؟!
أزواجنا تعوّدوا على نظام عيش معيّن واستأنسوا به وهم يوافقوننا الرّأي، رغم استنكار الحموات'·
وتؤيّدهما صديقتهما خولة حيث ترى أن التطوّر جاء بالإيجابيات التي من شأنها تيسير حياة المرأة و الأطفال و الرّجل أيضا··· تقول: 'اليوم كل شيء متوفر بالمحلات التجارية وعلى قدر كبير من النظافة، فلماذا العذاب؟ لا يهمّني إذا اندثرت العادة، فكل عادة فيها تعب وشقاء لا أحبها، ثم كيف أشقى من أجل بطني؟! لا يا سيّدتي أنا مع اليسر··· حتى وإن اقتضى الأمر المزيد من المصاريف!
فلماذا أشتغل داخل البيت وخارجه و أحرق أعصابي؟ حتى أوفر لي ولأسرتي ما يمكن من الرفاهية··· والعولة ليست رفاهية حسب رأيي!
صحيح أنها تقلل النفقات ولكني أرى أن 'الفلوس' ليست ذات قيمة ما دامت توفر لنا الرّاحة ···'·
أذواق مختلفة
هذه آراء النساء من مختلف المستويات في تونس، ولكن ماذا يقول الرّجل؟
الحقيقة أننا كنا ننوي التحدّث إلى عدد غير قليل من الرجال ولكن أحمد العافي (33 سنة) وهو رئيس وحدة بمؤسسة اتصالات قطع علينا الطريق بتحليل معمّق للموضوع حيث قال: 'هناك من الرجال من يحن إلى الماضي ويفضل الطبخ المنزلي وكل ما يمتّ بصلة إلى أمّه··· حتى زوجته يريدها نسخة عصرية من والدته بكلّ ما يدور حولها من عادات صحية جيّدة وعلى رأسها 'العولة'· وهذا الصنف من الرجال لا يهمّه تعب الزوجة وشقاءها··· كل ما يهمّه معدته!
وهناك صنف آخر ينزعج من الإرهاق الإضافي الذي يسببه إعداد 'المؤونة'، وبحبّ كبير لأمّ أولاده يقطع مع هذه العادة ويخلق تقاليد جديدة تماما كما يفعل بمناسبة الأعياد الدينية حيث لا يحبّذ الحلويات المصنوعة بالمنزل ويفضل شراء المرطبات من المحلات المعدّة لذلك·
أمّا الصنف الثالث، وهو يضم غالبية الرجال، فلا رأي له، فهو يأكل ما تطبخه الزوجة سواء كان منزلّي الصنع أو خلافه··· المهمّ هو التخفيض من المصروف والحدّ من الشراءات العشوائية، وإذا حصل وتطوّع أحد أفراد العائلة الموسّعة فأعطاه القليل من المؤونة، فمرحبا··· وإلاّ فهو يكتفي بما تجود به عليه المحلاّت التجارية· وهذا الرّجل هو الذي يصنع جيلا مبتورا لا أصل له وهو مستعدّ لقبول كل شيء و لا يستنكر أي شيء باعتبار أنه يبحث عن راحته و راحة 'المدام'!· أخشى من أن أجد نفسي بعد 01 سنوات وحدي أيّام الأعياد فلا يأتيني أطفالي وأحفادي للمعايدة بتعلّة أنها عادة··· بالية !'·
لكن ابنه هيثم (8 سنوات) يشدّ على يده ويقول له بحنّو كبير: 'لا يا بابا! سنظل دوما معك! أنت أبي، فلا تخف من المستقبل، كما ربّيتنا سنربّي أبناءنا على احترام العادات والتقاليد'·

اقرأ أيضا