الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
دراسات في علم النفس
21 أغسطس 2005


ما هو علم النفس؟ إن السؤال ما هو علم النفس؟ يحرج عالم النفس أكثر مما يحرج سؤال (ما هي الفلسفة) للفيلسوف، ذلك ان التساؤل عن معنى الفلسفة وكنهها إنما هو الذي يكوِّن الفلسفة أكثر مما يحددها الجواب عن هذا التساؤل، إن كون التساؤل ما زال يتولد باستمرار، لغياب الجواب الشافي، إنما يشكل حجة للتواضع لا سبباً للمهانة بالنسبة لمن يسعى لأن يطلق على نفسه صفة الفيلسوف، أما بالنسبة لعلم النفس، فـإن مسألة كنه هذا العلم، أومسألة مفهوم هذا العلم، إنما تضع وجود عالم النفس ذاته موضع سؤال، وذلك انه نظراً لعجزه عن الإجابة بدقة عمّا يكون عليه (من جهة اختصاصه)، يصبح من العسير عليه جداً بيان ما يقوم به·
لم يعد بإمكانه في هذه الحالة البحث عن تبرير لأهميته كاختصاصي إلا في جدوى من المشكوك فيها دوماً، وهي أهمية لا تزعج البتة هذا أو ذاك أن تولد عقدة نقص لدى الفيلسوف· وحين نقول إن جدوى عالم النفس قابلة للنقاش، فإننا لا نعني بذلك أنها وهمية، نحن نريد أن نلاحظ فحسب ان هذه الجدوى تفتقر بلا شك الى أساس صلب، طالما لم يقم الدليل على أنها تستند الى تطبيق علم ما، أي طالما أن منزلة علم النفس لم تحدد بطريقة تجعل منه شيئاً أكثر وأفضل من مجرد خبرية متعددة العناصر مصاغة بأسلوب أدبي لغايات تعليمية· وفعلاً، فإن الانطباع الذي تحدثه كثير من الأبحاث في علم النفس هو أنها تخلط بين فلسفة تعوزها الدقة، وأخلاقيات دون ضوابط لأنها تجمع بين تجارب أخلاقية هي نفسها مفتقرة الى النقد وتتمثل في أخلاقيات العراف والمربي والقائد والقاضي·· الخ···، وطب دون رقابة لأنه من أصل ثلاثة أنواع من الأمراض الأكثر التباساً والأقل قابلية للشفاء - أمراض الجلد والأعصاب والأمراض العقلية - فإن علم النفس قد استند دائماً في ملاحظاته وفرضياته الى دراسة المرضين الأخيرين وعلاجهما·
وهكذا يبدو إذن اننا حين نتساءل ما هو علم النفس؟ لا نطرح سؤالاً غير وجيه ولا تافهاً· لقد تم البحث طويلاً عن الوحدة المميزة لمفهوم علم ما في اتجاه موضوعه، إن الموضوع هو الذي يملي المنهج المتبع في دراسة خصائصه· ولكن ذلك كان يعني في جوهره اقتصار العلم على استقصاء معطى ما، وعلى استكشاف مجال معين، ولكن حين تبين أن كل علم يحدد لنفسه تقريباً معطياته ويتملك بذلك ما نسميه مجاله، فإن مفهوم علم ما قد أخذ بعين الاعتبار تدريجياً منهجه أكثر مما اعتبر موضوعه أو بتحديد أدق، اكتسب تعبير موضوع العلم معنى جديداً· قلما يعد يقتصر موضوع العلم على المجال الخاص بالمسائل، ولا على العوائق المطروحة للحل، بل أصبح يشمل أيضاً نية الذات الدراسية ومراميها، إنه المشروع المخصوص الذي يمثل على هذا النحو وعياً نظرياً معيناً· يمكن الرد على سؤال ما هو علم النفس؟ ببيان وحدة مجال هذا العلم رغم تعدد المشاريع المنهجية· مثال على ذلك الجواب الممتاز الذي قدمه الأستاذ 'دانيال لاغاش' عام 1947 رداً على مسألة طرحها 'إدوارد كلاباريد' عام ،1936 إن البحث عن وحدة علم النفس يتم هنا ضمن إطار تحديده الممكن كنظرية عامة في التصرف، أي كتأليف بين علم النفس التجريبي وعلم النفس العيادي وعلم النفس التحليلي وعلم النفس الاجتماعي والأثنولوجيا·
ولكننا حين نمعن النظر في ذلك، فإننا نتساءل عما إذا كانت هذه الوحدة أقرب الى ميثاق تعايش سلمي معقود بين محترفين منها الى جوهر منطقي هو حصيلة بروز خط ثابت وسط تغير الحالات· فمن بين التيارين اللذين يبحث الأستاذ 'لاغاش' عن اتفاق متين بينهما: الاتجاه الطبيعي (علم النفس التجريبي) والاتجاه الإنساني (علم النفس العيادي)، يبدو لنا وكأن الاتجاه الثاني يتمتع، في نظره، بمكانة أفضل· وهذا ما يفسر دون شك غياب علم النفس الحيواني في هذا العرض لأطراف النزاع·
لا شك ان علم النفس الحيواني متضمن في علم النفس التجريبي - الذي هو في معظمه علم نفس الحيوانات - ولكنه محصور ضمن هذا العلم كمادة يطبق عليها المنهج، وبالفعل لا يمكن اعتبار علم النفس تجريبياً إلا من جهة منهجه وليس من جهة موضوعه، في حين أنه، وبالرغم من المظاهر، يتحدد علم نفس ما كعلم نفس عيادي، تحليلي، اجتماعي، أو أثنولوجي بالنظر الى موضوعه أكثر مما يتحدد بالنظر الى المنهج·
تدل كل هذه الصفات على موضوع واحد للبحث هو الإنسان بما هو كائن طلق اللسان أو صموت، الإنسان بما هو كائن اجتماعي أو لا اجتماعي، هل نستطيع عندئذ أن نتكلم بدقة عن نظرية عامة في التصرف طالما لم نحل بعد مسألة، معرفة ما إذا كانت ثمة استمرارية أو قطيعة بين اللغة الإنسانية، واللغة الحيوانية، بين المجتمع الإنساني والمجتمع الحيواني؟ وفي هذه النقطة، قد لا يرجع القرار الى الفلسفة، بل الى العلم، أي في واقع الأمر الى عدة علوم بما فيها علم النفس، ولكن لا يستطيع علم النفس حينذاك، لكي يعرف نفسه، أن يحكم مسبقاً على ما هو مدعو للحكم بشأنه، وإلا فلا مفر لعلم النفس، حين يطرح نفسه كنظرية عامة في التصرف، من أن يتبنى فكرة ما عن الإنسان· عندئذ يجب السماح للفلسفة بأن تسأل علم النفس من أتى بهذه الفكرة، أو ليس هذه الفكرة أساساً وليدة فلسفة ما؟
سارة محمود

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©