الاتحاد

دنيا

بيت المدفع أيقونة مدهشة في الشارقة القديمة

جانب من «بيت المدفع»

جانب من «بيت المدفع»

تعبق المنطقة التراثية بالشارقة بنكهة الماضي الأصيل لدولة الإمارات، ولهذا شهدت منذ ما يزيد من عام جهودا كبيرة لتطوير أضخم مشروع تراثي في الخليج العربي والمنطقة، بغرض إعادة إحياء المنطقة التاريخية وتحويلها إلى منطقة تجارية سياحية بلمسات فنية حديثة.

يعد مجلس العلامة إبراهيم بن محمد المدفع إحدى العلامات التراثية والأيقونات المعمارية المدهشة في قلب المنطقة التراثية بالشارقة، حيث تقصده باستمرار جموع كبيرة من المواطنين والمقيمين والسياح الذين يبدون دهشتهم بطرازه المعماري الفريد عبر برجه أو (بارجيله) الدائري المميز والفريد من نوعه في سائر المنطقة، إضافة إلى تضمنه العديد من المحتويات والمقتنيات النادرة التي حرصت إدارة التراث بالشارقة على عرضها بشكل جميل ضمن متحف المقتنيات الشخصية لمجلس العلامة إبراهيم المدفع، والتي تضم مكتبه الشخصي وقلمه وحبره ودواته وسائر الأدوات التي كان يستخدمها مثل ساعة الجيب وحافظة المفاتيح وكمجموعة من الكتب والمخطوطات القديمة القيمة، وجهاز راديو من طراز قديم، وحجر أسود لاختبار عيار الذهب وصندوق خشبي يسمى قديما (بشتخته) كان يستخدمه الطواويش وتجار اللؤلؤ، أما أحد أبرز نفائس معروضات المجلس، فهي رسالة موجهة إلى جد السيد إبراهيم المدفع من قبل رئيس لجنة إغاثة الأسطول العثماني في البصرة عام 1332 هجرية، جاءت بداية استهلالها على النحو التالي: «إلى جناب الأجل الأكرم عمدة (شارجه) عبدالرحمن المدفع المحترم».

رسالة المتحف
تهدف رسالة مجلس المدفع إلى شرح وظائف المجلس كمكتبة ومكان اجتماعات للسكان المحليين والعلماء والتجار لقضاء أمسيات شعرية وأدبية وسياسية ومناقشة الموضوعات المختلفة من أجل الإبقاء على التواصل الثقافي والاجتماعي بين سكان الشارقة المثقفين.

عن المتحف
ويقع المتحف اليوم في المنطقة الأكثر هدوءاً في الشارقة القديمة ويعتلي المجلس البرج، أو (البارجيل) الدائري البارز الذي أكسب البيت شهرة كبيرة، نظراً لكونه الوحيد من نوعه في الإمارات، حيث يدير النظر إليه عجلة الزمان إلى الخلف، فيدخل الزائر إلى عالم قديم التقى فيه رجال عائلة المدفع بضيوفهم من الرجال لمناقشة الشؤون اليومية والوقوف على آخر المستجدات، وهناك أيضاً صناديق اللؤلؤ المنحوتة والكتب القديمة والمخطوطات والخنجر الفضي بزخارفه التوريقية الذهبية صالمميزة.

بوابة «بيت الفِيَلة»
عبد العزيز المسلم مدير التراث والشؤون الثقافية، يشير إلى أهمية مجلس العلامة إبراهيم بن محمد المدفع قائلا: «يتمتع هذه المجلس بأهمية خاصة في منطقة التراث، نظرا للتاريخ الكبير للعلامة المدفع وأثره في الحياة الثقافية في إمارة الشارقة قديما، إضافة إلى تميز بناء مجلسه وبيته، فبرج مجلسه يتخذ شكلا دائريا مميزا، كما يتزين بالوحدات الزخرفية الزرقاء التي تمتزج بهارمونية جميلة مع اللون البيج الفاتح لخامة الجص المستخدمة في بناء البرج، كما أن باب بيته مميز أيضا، حيث نقشا جميلا لفيلين، ولهذا كان يسميه الإنجليز قديما (بيت الفيلة/إليفينت هاوس) ومجلس المدفع وبيته اليوم يعدان من أهم الأيقونات المعمارية التي يقصدها مختلف الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين الذين يجدون فيها إغراء كبيرا لالتقاط صور فنية مميزة».

وهج منطقة التراث
المنطقة التراثية في إمارة الشارقة هي المساحة الضخمة الواقعة بين سورها جنوبا وخور الخليج شمالاً، ويحيطها سور ذي أبراج ومربعات تضم عناصر مثل (المرامي والمزاغل/ أي الفتحات)، وجميع وحداتها مبنية من الحجر البحري والجص، كما تحتضن في داخلها الأزقة الكبيرة والصغيرة المتعرجة والمساحات المحصورة بين وحدتها التي كانت متنفس لأهالي (الفريج/ الحي).

صورة واقعية
وتضم مدينة الشارقة القديمة مباني ووحدات سكنية كالبيوت وخدمية كالسوق القديم «العرصة» وبعض المجالس والمساجد، حيث تمثل المساجد المنتشرة بالمنطقة عنصراً بارزاً للمباني الدينية وفن بنائها يعود للمورث من مخزون في تاريخ العمارة التقليدية وهندستها، ويشكل السوق القديم بأزقته الضيقة ومحلاته المتلاصقة يجسد على الطبيعة صورة حقيقة عن النشاط التجاري قديما، ويعرض للسياح الزائرين البضائع والمقتنيات التراثية.

وهج التاريخ
مداخل المباني الخدمية والبيوت والغرف والوجهات في منطقة الشارقة القديمة ليست عادية، إذ تزخر بالزخارف التي تم نقشها على الأبواب والشبابيك والأعمدة، وهي تدل جميعها على الروح الإبداعية والفنية لعناصر البناء في مدينة الشارقة قديما، ولهذا تزخر مدينة الشارقة القديمة بالعديد من المتاحف المنتشرة التي تضم من المقتنيات التراثية التي تمثل كافة أنواع النشاط البشري الاجتماعي والسياسي والعسكري والثقافي وكل أشكال الإبداع الإنساني التي تركها الأجداد للأجيال اللاحقة والتي تلقي الضوء بشكل قوي على مراحل مهمة في تاريخ الحضارة الإماراتية والحضارة الإنسانية بوجه عام.


الأديب إبراهيم بن محمد المدفع في سطور

ولد الأديب والصحفي إبراهيم بن محمد المدفع في الشارقة عام 1909م، وقد كانت دراسته في بداية حياته في (الكتاتيب) على يد مشايخ العلم في الشارقة، وعندما تعلم الخط وأجاده أصبح الكاتب الخاص لحاكم الشارقة وأمينه على ماله ومرافقه في أسفاره، فقد كان من كبار وزراء الحاكم ومستشاره في كل ما يهم البلاد، وفي سنة 1940م، ترأس دائرة حكومة الشارقة، حيث كان يشرف على الجمارك والمالية بالشارقة، وقد مثل حكومة الشارقة في (مكتب مقاطعة إسرائيل)، كما مثل حاكم الشارقة في مجلس الحكام ومجلس التطوير الذي أنشأه الإنجليز في (الإمارات المتصالحة)، وكان يعقد الصلح بين أبناء القبائل كما عمل مستشارا للشيخ خالد بن محمد القاسمي واستمر في هذا المنصب حتى بداية عهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ثم استقال بعد أن أقعده المرض عن ممارسة نشاطه، وفي عام 1927م أسس أول صحيفة كانت تسمى «صحيفة عُمان»، وعندما توقفت هذه الصحيفة أسس إبراهيم المدفع سنة 1933م صحيفة ثانية كانت تسمى «صوت العصافير»، كما أسس صحيفة سياسية ثالثة أطلق عليها اسم «العمود»، وفي عام 1928م أسس المدفع ثاني مكتبة في الشارقة أسماها «المكتبة التيمية الوهابية»، وفي عام 1985م توفي إبراهيم المدفع عن عمر ناهز السبعة وسبعين عاما، تاركا للوطن رصيداً حياً من المآثر الآثار التي لا تزال حاضرة ومتوهجة حتى اليوم.

اقرأ أيضا